تجري عملية سقوط الديمقراطية الإسرائيلية وفقاً للكتاب، دون أن تقفز عن أي بند، ولا عن ملاحقة سياسية واعتقال صحافيين يروّجون لأفكار تتعارض وأفكار الحكم. فقد تم اعتقال الصحافي إسرائيل بري أمس للاشتباه بجريمة تحريض على الإرهاب وتحريض على العنف وقيد بيديه وقدميه. وكل ذلك بسبب تغريدات نشرها على “تويتر” قبل بضعة أشهر، وكتب فيها أن “المس بقوات الأمن ليس إرهاباً”، ووصف فلسطينياً خطط لعملية بـ “البطل”. وجاء من الشرطة بأن النيابة العامة للدولة أقرت الشهر الماضي فتح تحقيق ضده، لكن بعد أن رفض المثول للتحقيق، أصدرت المحكمة أمر اعتقال ضده.
لا ينبغي أن يخرج هذا الاعتقال عن السياق السياسي الذي تتجسد فيه الحكومة اليمينية، الأكثر عنصرية وخطورة في تاريخ إسرائيل، سيتولى فيها كهاني محرض مدان، قومي متطرف وعنصري، منصب وزير الأمن القومي ليتحكم عملياً بالشرطة.
في الأجواء الجماهيرية الناشئة بعد انتصار اليمين في الانتخابات، من شأن التنمر على بري وجعله كبش فداء أن يصبح بمثابة “مهبط مصالحة” للشرطة إلى الحكم الجديد. في الوقت الذي توقع فيه الأحزاب التي تتشكل منها الحكومة على اتفاقات ائتلافية وتتعهد بتشويه القانون بحيث يكون التمييز قانونياً والتحريض على العنصرية لن يكون مبرراً لمنع شخص أو قائمة من التنافس للكنيست، تلاحق شرطة إسرائيل صحافياً يسارياً بحجة التحريض على الإرهاب والتحريض على العنف بسبب تغريدة.
بري لا يحرض على الإرهاب ولا العنف. عملياً، وبتغريدته تلك، يكفر بالفرضية القائلة بأن المقاومة العنيفة للاحتلال والموجهة ضد قوات الأمن هي بمثابة إرهاب. هذا موقف صعب على الأذن الإسرائيلية، التي اعتادت أن ترى في كل عمل مقاومة للاحتلال فعلاً إرهابياً. وحتى التوجه الفلسطيني إلى مؤسسات دولية لغرض الاعتراف السياسي يوصف كـ “إرهاب سياسي”.
يمكن الجدال مع بري ويمكن الغضب عليه، لكن أقواله تنطوي تحت تصنيف حرية التعبير. دولة ديمقراطية بالمعنى الكامل للكلمة لا تدين مواطنين بسبب أقوال ليست بمثابة تهديدات صريحة للتحريض والعنف، وبالتأكيد لا تقدمهم إلى المحاكمة بسبب تغريدات على الشبكة. لكن إسرائيل تتدهور بسرعة مفزعة وتتحول من “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، التي تباهت بها، إلى دولة ذات قشرة ديمقراطية رقيقة، تخفي ممارسة مناهضة للديمقراطية من الملاحقة، والتمييز، والقومية المتطرفة والعنصرية.
إن المس بحرية التعبير وحرية الصحافة هو عرض واضح من أعراض تدهور الديمقراطية. اعتقال بري هو ملاحقة سياسية صرفة. يجب إغلاق الملف فوراً.
بقلم: أسرة التحرير
هآرتس 28/12/2022