سيعود نتنياهو اليوم إلى مكتب رئيس الحكومة ليفكك ويعيد تركيب دولة إسرائيل، وستنشأ هنا من الآن فصاعداً دولة عنصرية، أكثر تديناً واستبدادية. هذه هي الدولة التي يريد نتنياهو حكمها: دولة تدعو إلى تفوق اليهود وتتعامل مع الأقلية العربية فيها كتهديد ديمغرافي وكطائفة من الزعران. دولة تعتبر الشريعة الأرثوذكسية أمراً إلهياً، وترمي حقوق الإنسان والمواطن إلى الزاوية. دولة بدون كوابح وتوازنات دستورية، التي كانت في الأصل ضعيفة، وستلغى الآن باسم “النظام”.
مؤخراً، عندما تسربت تفاصيل الاتفاق الائتلافي التي وقع عليها الليكود مع الأحزاب الدينية واليمين المتطرف، وصف نتنياهو بأنه ضحية للابتزاز. خطواته منذ فوزه في الانتخابات ذكرت بالمثل الذي صكه ضد اتفاقات أوسلو عندما كان رئيساً للمعارضة: “هذه ليست مفاوضات خذ وأعط، هذه أعط وأعط”. فجأة، الشخص القوي في نظر نفسه استجاب لكل نزوة ومبادرة وبند فرعي طرحه شركاؤه. مرة أخرى، ذكرت الأوصاف عن بيبي المضغوط والمتعرق، ثم وعد نتنياهو بأن كل شيء لا شيء، وأنه هو الذي سيحكم ويقرر، لأنه هو فقط يستطيع أن يحقق لليمين أحلامه، وفي الوقت نفسه يحمي اليساريين منه. هكذا هو، في الوسط.
من السهل أن يغرينا الأمل اليائس بأن نتنياهو يمثل خطاً معتدلاً وليبرالياً في ائتلاف اليمين المتطرف، وأن الاتفاقات المخيفة التي وقع عليها ستتم أرشفتها بدون استخدامها. فبعد لحظة سيتم توقيع اتفاق السلام مع السعودية، وسيتم طرد ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وآفي معوز من الحكومة لصالح بني غانتس وأصدقائه. لا شك أن نتنياهو قادر على خيانة أي شريك. الأعضاء في ائتلافه يعرفون ذلك جيداً، لذلك طالبوا “الكذاب ابن الكذاب” بالدفع مسبقاً وإقرار القوانين التي ستعطيهم الصلاحيات قبل أن تؤدي الحكومة اليمين.
لكن المناورات السياسية ليست سوى زينة. نتنياهو يحلم بهذه الثورة منذ سنوات كثيرة. منذ أن تحدث بسعادة عن استبدال النخبة وتغيير الخطاب الفكري والأكاديمي، أو عن إضعاف مكانة الجيش والضباط. لم ينجح بهذا في الجولة الأولى، وبعد هزيمته في 1999 وعودته إلى الحكم بعد عشر سنوات تقريباً، حاول نتنياهو التودد للوسط ولمجتمع رجال الأعمال والمجتمع البيروقراطي، رغم أنه تمسك دائماً بقاعدته الدينية واليمينية ولم يحاول تجنيد مصوتين ممن هم على يسار الليكود. في 2015 أسس ائتلافاً يمينياً، وهذا الائتلاف سن قانون القومية ورسخ بقانون أساس التفوق اليهودي. ولكن بعد ذلك، توقفت الثورة في مكانها، في السنوات الأربع للأزمة السياسية التي غادر فيها افيغدور ليبرمان وجدعون ساعر ونفتالي بينيت كتلة نتنياهو، وحتى إنهم شكلوا “حكومة التغيير” قصيرة العمر.
الآن ستكون فرصة لنتنياهو لتحقيق حلمه الذي امتد طويلاً، ثم يهزم وبضربة قاضية إسرائيل الليبرالية والديمقراطية التي أملت في التشبه بالدول الغربية (في الواقع داخل حدود الخط الأخضر، والوعود التي لم تتحقق في إقامة الدولة الفلسطينية على الجانب الثاني لهذا الخط). شركاؤه في الائتلاف يتوقون بدرجة لا تقل عنه إلى تطهير إسرائيل من العرب والمهاجرين غير اليهود وطالبي اللجوء والنساء والمثليين ومنظمات حقوق الإنسان والقضاة الليبراليين الذين يقضون لصالح المساواة.
يستطيع نتنياهو إطلاق بالونات اختبار سياسية وإعطاء إشارات بأنه ديمقراطي وليبرالي تم أسره على يد الحريديين والحريديين القوميين والكهانيين، الذين قاطعوه مثل خصومه في معسكر “فقط ليس بيبي”، وأنه في نهاية المطاف يرد لهم الجميل. ولكنها ليست سوى مناورة. تعيين أحد رجاله يثبت أن توجهه هو المواجهة وليس المصالحة، وهو تعيين ياريف لفين وزيراً للعدل، المحمي بالالتزام بوضع تحطيم المحكمة العليا على رأس أولوياته الحكومية، وتحويل المستشارين القانونيين للحكومة من حراس العتبة إلى محللين للحرام.
سيكون لفين الرجل الأساسي في الحكومة، القاطرة التي ستجر إسرائيل في انطلاقها السريع إلى المكان الذي تقف فيه هنغاريا وبولندا وتركيا. لا يملك أي كاريزما، ومؤهلات خطابية كما نتنياهو، وهو غير محبب لدى وسائل الإعلام مثل أسلافه اييلت شكيد وأمير أوحانا وجدعون ساعر. ولكن لفين شخص منظم ومنهجي، ضليع بالتفاصيل، ويعمل منذ سنوات على برامج لإضعاف استقلالية القضاء. نتنياهو يعرف ذلك، وقد أرسله إلى شارع صلاح الدين في القدس بدون أي ضغط أو ابتزاز. ربما تخيل بأنه مثل الرجل الذي سمي الشارع باسمه، سيقضي هو ومستشاره أيضاً على مملكة الصليبيين الذين عملوا على جعل إسرائيل مثل أوروبا.
بقلم: ألوف بن
هآرتس 29/12/2022