سوريا: تحول السياسة التركية باتجاه دمشق ومقتل زعيمي تنظيم «الدولة»

منهل باريش
حجم الخط
0

نفذت القوات الأمريكية مطلع شباط )فبراير( عملية إنزال في منطقة دير بلوط شمالي بلدة أطمة قرب الحدود مع تركيا، أدت إلى مقتل زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» عبد الله قرداش الملقب أبو إبراهيم الهاشمي القرشي. وبدأت العملية التي استمرت ساعتين بتحليق طائرات مروحية أمريكية في المنطقة وبتنفيذ ضربات في محيط البناء الذي يقطنه القرشي، تبع ذلك عملية إنزال جوي في محيط المبنى، وانتهت بتفجير زعيم التنظيم نفسه مع أفراد أسرته، وعين تنظيم داعش أبو إبراهيم القرشي زعيمًا له بعد مقتل الزعيم الأسبق أبو بكر البغدادي، ويشترك الزعيمان بمقتلهما في نفس المنطقة.
وفي تموز (يوليو) أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» عن مقتل زعيم التنظيم في سوريا، ماهر العقال في منطقة ليست ببعيدة عن المنطقة التي قتل فيها البغدادي وقرداش، حيث استهدفت طائرة مسيرة «العقال» في مدينة جنديرس، وهو أحد القادة الخمسة الأبرز في تنظيم «الدولة».
وشكل مقتل أبو الحسن الهاشمي القرشي، قائد التنظيم آخر خسائره على مستوى قيادة الصف الأول في 2022 وقتل بهجوم نفذه مقاتلون ينتمون إلى فصائل المعارضة السابقة في محافظة درعا جنوب سوريا، والتي وصفها بيان الجيش الأمريكي بانها «الجيش السوري الحر» وأعلنت وزارة الدفاع مقتل زعيم التنظيم في مدينة جاسم، وأوضح البيان ان الجيش الأمريكي لم يكن له أي دور في العملية.
ولعل النقطة الأبرز في مقتل الزعيم الثالث «أبو الحسن القرشي» تبرز تورط النظام بالعلاقة مع تنظيم «الدولة» وتسهيل عملها ودفعها لتحقيق مصالحه لم يعد خافيا، ولعل أبرز الشواهد على ذلك إجلاء مقاتلي التنظيم من مخيم اليرموك باتجاه بادية السويداء.
ولم ينته العام 2022 دون أن يعلن تنظيم «الدولة» عن زعيمه الرابع وهو أبو الحسين الحسيني القرشي، وجاء ذلك من خلال تسجيل لأبو عمر المهاجر، المتحدث باسم التنظيم نعى من خلاله الزعيم الثالث وأعلن تعيين الحسيني.

تركيا تهدد بهجوم ثالث ضد قسد

من جهة أخرى، ارتفعت وتيرة التصريحات التركية الرسمية، منتصف 2022 وازدادت حدة التعبئة الشعبية والإعلامية للمسؤولين الأتراك تحضيرا لعملية عسكرية تركية في شمال شرق سوريا ضد وحدات «حماية الشعب» الكردية التي تشكل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» وتعتبرها أنقرة الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي.
وكانت البداية مع إعلان الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان في احتفال جماهيري، قائلاً إن تركيا «ستواصل الذهاب إلى أوكار الإرهابيين ودفنهم» وحدد لاحقا مدينتي منبج وتل رفعت كأهداف للعملية المرتقبة التي لم يكتب لها النجاح حتى الآن، وبدأت تركيا مع روسيا طريق الحصول على الموافقات الدولية لتنفيذ عمليتها وفق تفاهمات الجانبين خلال قمة سوتشي نهاية 2019.
كما حضرت العملية التركية بشكل ضمني في «قمة طهران» التي جمعت زعماء تركيا وروسيا وإيران والتي ناقشت مسار أستانة بشأن سوريا، إلا ان القمة لم تحقق أي تفاهمات بشأن العملية وأظهرت التقارب الروسي الإيراني على حساب التقارب الروسي التركي، ومن شأن التقارب الروسي الإيراني عرقلة العملية التركية شمال شرق سوريا.
استمرت حالة التجاذبات السياسية المرتبطة بالعملية التركية حتى تشرين الثاني (نوفمبر) حيث أعلن وزير الدفاع التدكي خلوصي أكار انطلاق عملية «المخلب- السيف» ضد قوات «قسد» على خلفية تفجير شارع الاستقلال في تقسيم الذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص وما يزيد عن ثمانين جريحاً، ووجهت فيه تركيا أصابع الاتهام لمن تصفهم بـ «الانفصاليين الأكراد» بالوقوف خلف الهجوم، وأحدثت عملية «المخلب- السيف» موجة من المفاوضات بين تركيا وروسيا، وأبرز ما جاء فيها عرض تركي بخروج مقاتلي «الوحدات» الكردية من تل رفعت ومنبج وعين العرب /كوباني لتحل محلها قوات النظام السوري.
في المقابل وجدت روسيا الفرصة سانحة لزيادة الضغط على المقاتلين الأكراد المتحالفين مع أمريكا في شمال شرق سوريا، فلعبت دور الوسيط بين قوات «قسد» وحكومة النظام في دمشق، وأسفرت الوساطة الروسية عن وصول تعزيزات كبيرة لقوات النظام إلى مناطق عين العرب/كوباني وعين عيسى ومنبج الواقعة تحت سيطرة «قسد» إضافة إلى انتشار متقدم في بعض مناطق التماس المباشر مع فصائل الجيش الوطني السوري المعارض المدعوم من تركيا.
وفي سياقٍ منفصل، أحدث هجوم هيئة «تحرير الشام» على منطقة عفرين ومشاركة فرقتي «الحمزة» و«السلطان سليمان شاه» وحركة «احرار الشام» الإسلامية – جناح حسن صوفان ووصولها إلى مشارف كفر جنة، معقل «الفيلق الثالث» و«الجبهة الشامية» إلى تغيير في طريقة التعاطي التركي مع فصائل «الجيش الوطني» ليعود الحديث عن إعادة هيكلته وتوحيد فصائله، وهذا ما نتج عن لقاء ضم مسؤولين إتراك مع قيادات الجيش الوطني في مدينة غازي عنتاب التركية، حيث رسم اللقاء معالم ومستقبل الجيش الوطني الموحد وفق جدول زمني محدد، قد ينتهي مع مطلع 2023.
ولعل العامل الأبرز في هذه النقلة في طريقة تعامل الجانب التركي مع الجيش الوطني هو كبح جماح زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني وطموحاته التوسعية باتجاه مناطق سيطرة الجيش الوطني المدعوم من تركيا. وفي قراءة أخرى يمكن القول أنها رسالة التحذير التركية الأخيرة لقيادة «الفيلق الثالث» لوقف محاولات فرض سيطرته على حساب باقي الفصائل وخصوصا المقربة منها في منطقتي عمليات «غصن الزيتون» بعفرين و«درع الفرات» بريف ريف حلب.

تدهور الأوضاع المعاشية

يعاني السوريون في مختلف المناطق من أوضاعٍ معيشية وإنسانية صعبة، ويزيد تعدد الجهات المسيطرة من تلك الصعوبات بسبب انتشار الحواجز ونصب المعابر الداخلية بين منطقة وأخرى. ففي مناطق سيطرة «تحرير الشام» في إدلب وجوارها ومناطق سيطرة «الجيش الوطني» يعاني الأهالي من موجات تصاعدية في الأسعار مع انخفاض قيمة الليرة التركية المفروضة في هذه المناطق، وتزيد أزمة المحروقات من معاناة المهجرين قسريا والنازحين المقيمين في المخيمات قرب الحدود السورية التركية شمال إدلب. حيث تحتكر حكومة الإنقاذ التابعة لـ «تحرير الشام» تداول وتجارة المحروقات، وربطها بشركات خاصة تابعة لها، وتساهم الضرائب والرسوم المفروضة على المحروقات القادمة من مناطق سيطرة «قسد» من قبل فصائل الجيش الوطني والهيئة بارتفاع الأسعار في كل الشمال.
ولا يبدو الوضع بأفضل من ذلك في مناطق سيطرة النظام، مع تردي الوضع الإنساني والاجتماعي بشكل كبير بسبب انخفاض قيمة الليرة السورية، وقلة الواردات وارتفاع نسب البطالة، كما يؤدي شح البنك المركزي من العملة الأجنبية إلى عدم مقدرة حكومة النظام على شراء المحروقات. وتعتبر انشغالات إيران في الاحتجاجات الداخلية وروسيا في الحرب ضد أوكرانيا والعقوبات على النظام والدولتين عوائق إضافية في عدم إمداد النظام السوري بالمحروقات.
وفي سياق دعوات دول الجوار إلى عودة اللاجئين إلى سوريا، أصدرت لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا تقريرا في منتصف 2022 أشارت من خلاله إلى أن الأوضاع في مناطق سيطرة النظام لا تزال تشكل «عقبات أمام عودة آمنة وكريمة ومستدامة للاجئين». وحذرت اللجنة الدولية المستقلة المعنية بسوريا والتابعة للأمم المتحدة، من احتمالية تصعيد عسكري جديد في سوريا، معتبرة أنه سيزيد من معاناة السوريين خلال الحرب التي تجاوزت العقد من الزمن.
مع نهاية العام تجددت الاحتجاجات الشعبية في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية جنوب البلاد، وكانت الاحتجاجات قد بدأت صيف العام، انتهت بالقضاء على مجموعة «قوات الفجر» لتعود السويداء إلى الواجهة مؤخرا، حيث اقتحم متظاهرون غاضبون من تردي الأوضاع المعيشية والفساد مبنى المحافظة في السويداء، وأضرموا النار داخلها وأحرقوا صورة كبيرة لبشار الأسد. وترافق ذلك مع وصول تعزيزات لقوات النظام الأمنية أعقبته حالة من الفوضى، أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة آخرين.
وتبقى الانعطافة التركية نحو نظام الأسد أهم المتغيرات الخارجية ذات الانعكاس على المستوى السياسي، إذ تملك أنقرة أوراق ضغط كبيرة على المعارضة السورية بمختلف أشكالها. وكما انتهى التفاهم التركي الروسي بعد سقوط حلب إلى إحداث صيغة أستانة كمسار مغاير لمسار الأمم المتحدة في جنيف، نتج عنه سقوط أغلب المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية وسط البلاد وجنوبها وفي طوق العاصمة دمشق على الرغم انها تحت الضمانة التركية باعتبارها مناطق «خفض التصعيد» نشهد اليوم التحول الأخطر في تلك الانعطافة، وهنا يحق للسوريين الخوف الشديد وطرح السؤال المحق، انه عندما كانت أنقرة تشهر العداء للنظام السوري خسرت المعارضة نحو ثلثي مناطقها، فما هو الحال بعد أن يبدأ مسار التطبيع مع الأسد؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية