المغرب: أفراح وأحزان ومخاضات سياسية واجتماعية

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط-»القدس العربي»: دون منازع، يبقى الحدث الرياضي السعيد هو المسيطر خلال نهاية العام 2022 حيث بصم الإنجاز التاريخي وغير المسبوق الذي حققه أسود الأطلس وعاش المغاربة معه فرحة غامرة، على لحظة توجهت فيها أنظار العالم إلى المغرب طيلة نهائيات كأس العالم في قطر.
حدث آخر جذب أنظار العالم للمغرب، لكنه مأساوي ومؤلم وهو سقوط الطفل ريان في بئر عميقة ووفاته رغم الجهود الجبارة من أجل انتشاله.
وبين سعادة المنتخب المغربي لكرة القدم، وألم رحيل الطفل ريان، مسافة شهور من الحركة السياسية التي حملت كعادتها ما يستحق الذكر خاصة في جانب الجدل بين المعارضة والأغلبية الحكومية. المجتمع المدني كان حاضرا أيضا من خلال منصات التواصل الاجتماعي وعلى أرض الواقع أيضا، مقترحات وندوات ولقاءات والكثير من النقاش النافع الذي يمتد من السياسة إلى الثقافة مرورا بالاقتصاد وحتى الدين.
القلوب التي نبضت فرحا عند تألق «أسود الأطلس» هي نفسها التي نبضت حزنا على محنة الطفل ريان، وكانت أنظار العالم بأسره موجهة إلى تلك القرية الصغيرة حيث توجد البئر، وعلى مدار خمسة أيام قضاها الملاك الصغير داخلها، صارت قرية «اغران» في جماعة «تمورت» ضواحي شفشاون (شمال البلاد) قبلة لكل المغاربة الذين هبوا إلى عين المكان من أجل الدعاء له وتتبع كل تفاصيل عمليات الإنقاذ التي كانت تقودها السلطات المحلية. لكن القدر كانت له الكلمة الأخيرة، فبعد أيام مضنية قضتها فرق الإنقاذ في الحفر من للوصول إليه عبر حفرة موازية استعملت فيها الجرافات على عمق فاق 32 متراً، وحفرة أخرى أفقية قادت إلى النقطة العالق فيها. سلم ريان الروح لخالقها، مخلفاً وراءه حزناً عميقاً امتد إلى مختلف بقاع العالم الذي تابع الأحداث أولاً بأول.
الأكيد أن السنة لم تكن سعيدة جدا للحكومة المغربية التي انهالت عليها الانتقادات من كل حدب وصوب، من المواطنين وأيضا الخصوم في السياسة، وكانت أيامها وشهورها طويلة بحجم التصريحات والخطب التي ألقاها بعض زعماء الأحزاب المتواجدة في المعارضة ورؤساء فرقهم النيابية.
وتبقى تلك الحملة التي أطلقها مغاربة التواصل الاجتماعي، والتي اعتلت «التريند» هي التي لخصت ذلك الغضب الشعبي من تدبير حكومة عزيز أخنوش، وكانت كملة «ارحل» مفتاح عدد كبير من التدوينات التي طالبت بخفض أسعار المحروقات وأيضا بعض المواد الاستهلاكية.
المثير أن الشعار الرقمي تحول إلى أرض الواقع عندما فوجئ رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، بمواطنين يرددون شعار «ارحل» في وجهه، خلال حضوره افتتاح مهرجان تيميتار الغنائي في ساحة عمومية في مدينة أغادير (جنوب البلاد) واضطر إلى مغادرة المكان بسرعة، حسب ما نقلت مواقع إلكترونية بالصوت والصورة.
رد الحكومة لم يتأخر على هذه الحملة، حين قال الناطق الرسمي باسمها، مصطفى بايتاس، إن عزيز أخنوش يتعرض لـ»حملة مغرضة، الهدف منها هو زعزعة استقرار الحكومة ووقف مسار الإصلاحات». لم يصمد هاشتاغ «ارحل» طويلا فسرعان ما ذهب أدراج يوميات مواقع التواصل الاجتماعي، وجاء مشروع موازنة 2023 ليشعل فتيل غضب آخر وخاصة في الشق المتعلق بالضرائب، فكان ذلك موعد هيئات المحامين في المغرب في الاحتجاج والرفض المطلق للمقترحات الواردة فيه. ما ميز غضب المحامين ليس مهنتهم فقط، بل تحالفهم جميعا، حتى الهيئات المهنية التي تعود لأحزاب في الأغلبية الحكومية عبرت عن رفضها ونشير هنا إلى «الاستقلال».
وانطلقت شرارة غضب المحامين المغاربة، بسبب فرض إجراءات ضريبية جديدة في مشروع موازنة 2023 كما فرض المشروع نفسه أداء المحامي تلقائياً لدى كاتب الضبط في صندوق المحكمة تسبيقاً مالياً عن الضريبة عن كلّ ملفّ في كلّ مرحلة من مراحل التقاضي، أي عند إيداع أو تسجيل دعوى أو طلب أو طعن أو عند التسجيل نيابة أو مؤازرة في قضية بمحكمة.
وفسرت الحكومة هذا الإجراء، بكونه جاء بعد أن تبين لمصالح الضرائب أن المحامين لا يصرحون بمداخيلهم الحقيقية، حيث حُدّد مبلغ التسبيق المالي في 300 درهم عن كلّ ملف في محاكم الدرجة الأولى، و400 درهم في محاكم الدرجة الثانية، و500 درهم في محكمة النقض. أمّا الدعاوى المتعلقة بالأوامر المبنية على طلب المعاينات، فيؤدّى عنها مبلغ مسبق عن الضريبة مقداره 100 درهم.
وبعد مشاورات مضنية، عاد المحامون إلى المحاكم من أجل مباشرة ملفات المتقاضين، بعدما أبدت الحكومة استعدادها للاستجابة لكثير من مطالب ذوي الوزرة السوداء؛ بينما واصل ذوو الوزرة البيضاء احتجاجاتهم بين الفينة والأخرى بهدف لفت أنظار الجهاز التنفيذي إلى أوضاعهم والإنصات لشكاواهم المتعلقة بقطاع الصحة في المغرب.
بالنسبة لليسار المغربي، أو بعض مكوناته على الأقل، فإن 2022 سنة توحد تحت ظل حزب واحد وهو «فيدرالية اليسار الديمقراطي». ويضم التحالف الذي أعلن عنه رسميا بميلاد «فيدرالية اليسار الديمقراطي» كل من حزب «الطليعة الديمقراطي الاشتراكي» و»المؤتمر الوطني الاتحادي» و»اليسار الوحدوي» إضافة إلى مجموعة «البديل التقدمي» وفاعلين يساريين آخرين.

يوميات

واجهة أخرى خلفية للإنجاز المغربي، تمثلت في تعميم التغطية الصحية بداية كانون الأول/ ديسمبر، وهو عبارة عن نظام موحد للتأمين الإجباري عن المرض لفائدة كل الأسر المغربية كيفما كانت وضعيتها الاجتماعية أو الاقتصادية.
كما عرفت السنة عودة الدفء إلى المسارح والقاعات السينمائية، وعودة الحركة إلى الملتقيات والمهرجانات وعموم الأنشطة الثقافية والفنية، وكان المهرجان الوطني للفيلم بطنجة أحد تلك اللحظات السعيدة التي عاشها الفنانون المغاربة، وامتد الفرح إلى مراكش من خلال تنظيم المهرجان الدولي للفيلم الذي عرف كعادته حضور نجوم الفن السابع في العالم.
أما سياسيا، فقد بصم المغرب على تواصل دينامية حضوره داخل المنظمات الدولية، كما يجسد ذلك مستوى الأداء المتميز لترشيحات المغرب وعدد الولايات الجديدة التي يحصل عليها.
ولن ننسى في هذه اليوميات، حالة الخوف والهلع التي أصيب بها سكان مدينة أغادير، عندما تم تسجيل هزة أرضية بلغت قوتها 4.5 درجات على سلم ريشتر، بعرض سواحل المدينة.
سكان مدينة أغادير وضواحيها، عاشوا لحظات هلع قصوى، اضطر معه الجميع إلى مغادرة البيوت، وتناثرت التدوينات مع بعض مقاطع الفيديو التي توثق للحظة اهتزاز الأرض تحت أقدام الساكنة، واستبداد الخوف والهلع بالجميع، مع الإحالة على مرجعية الزلزال المدمر الذي كان قد ضرب المدينة عام 1961.
السنة التي تغادر يومياتنا، عرفت تقديم بعض عرائض التوقيعات، ونذكر تلك المتعلقة بمواقع التواصل الاجتماعي والتي حملت عنوانا دالا «توقفوا عن تحويل التفاهات إلى قدوة ونجوم» وأطلقها عدد من كوادر المجتمع المغربي في التعليم والطب والصحافة والثقافة والفن، بسبب تنامي «التفاهة» على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديوهات مثل يوتيوب وإنستغرام وتيك توك وغيرها.

راحلون

وداع عدد من المشاهير والأسماء الوازنة التي غادرتنا إلى دار البقاء، ومنهم إدريس الخوري، الذي خلف رحيله حزنا عميقا لدى المشهد الثقافي والإعلامي، على اعتبار أن الفقيد كان من بين المثقفين والأدباء المغاربة والصحافيين الذين بصموا على حضور مميز إبداعي ومهني وإنساني أيضا.
لائحة الراحلين تضم أيضا وزير الشباب والرياضة السابق لحسن السكوري، إضافة إلى العديد من نجوم الفن في المغرب

تصريحات

النائب البرلماني هشام المهاجري وهو قيادي عن حزب «الأصالة والمعاصرة» أطلق تصريحات من تحت قبة مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) وجه خلالها انتقادات حادة لرئيس الحكومة. وقال فيها «كنت أتمنى حضور رئيس الحكومة ليستمع إلينا ويستمع إلى ما يقوله المغاربة، وكما يريدنا أن نتفهم سياسته، عليه أن يتفهم هو أيضا ما يعانيه المغاربة».
هذا التصريح كان كافيا ليتخذ حزبه «الأصالة والمعاصرة» قرار تجميد عضويته في المكتب السياسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية