بعيدا عن عدسات المصورين والقنوات والصحف ومبادرات المنظمات ومشاريع الدولة، يرقد حطام مدينة ليبية لا تبعد عن العاصمة الكثير، سكنتها الأشباح بعد خروج كل سكانها هاربين، لتشكل قصتها أسطورة جديدة تحاكي أسطورة اطلنتس المدفونة التي تتناقل من جيل إلى آخر.
تاورغاء، الضحية الأولى لتظليل النظام السابق، مدينة خضع بعض شبابها لأفكار العقيد الراحل وساروا وراءه فارتكبوا جرائم سجلها التاريخ، لينتقم منهم جيرانهم بطردهم من أرضهم بلا رجعة.
مدينتا مصراتة وتاورغاء تربطهما صلات قرابة وجيرة أزلية، إلا أن ما يفصلهما كان أكبر بكثير من الأمتار القليلة الحدودية بينهما، حيث اختلفوا فكريا أثناء الثورة الليبية قبل 11 سنة، فسمحت تاورغاء لأنصار القذافي الانطلاق للهجوم على مدينة مصراتة من خلالها فضلا عن الفوارق في لون البشرة كون سكان مدينة تاورغاء هم من ذوي البشرة السمراء ما ساهم في زيادة الهجمات العنصرية ضدهم فضلا عن طبيعة الحالة المادية المختلفة، ففي حين اشتهرت مصراتة بالتجارة والصناعة كانت تاورغاء معينا بعيدا فقط فلم تحصل على نصيب كبير من الأموال كجارتها.
وعقب اندلاع ثورة السابع عشر من شباط/فبراير قبل 11 سنة كانت تاورغاء بسكانها معينا وسندا أولا للقذافي فشاركت في كتائبه كما اتهمها سكان مصراتة بالتسبب في حصارها لأشهر فضلا عن ارتكاب جرائم قتل واغتصاب مروعة.
وبسبب الحرب التي نشبت بين الطرفين في ذلك الوقت دمرت مدينة تاورغاء بشكل شبه كامل، واضطرت بعض الأُسَر المقيمة فيها إلى المغادرة نحو مناطق تشهد نزاعات أقل، في حين عانى البعض الآخر تهجيراً قسريّاً من قبل قوات مسلحة تابعة لمدينة مصراتة كرد فعل على وقوف أهالي المدينة مع القذافي.
ورغم مرور 11 سنة على هذه الحادثة لا ترال المدينة خالية من كافة مظاهر الحياة، فلم تباشر الدولة في ترميمهما رغم الوعود ولم يعد المواطنون خوفا من انتقام آخر رغم العهود بالمصالحة فظلت مدينة يسكنها الأشباح وبعض الأهالي الذين اختاروا العودة تحت ظروف الخطر والدمار.
العائدون من الأهالي عاشوا قصصا طويلة مع الحرمان والمعاناة حيث لجأ بعضهم إلى منازل مدمرة لم يتبق من ركامها إلا غرفة واحدة احتموا تحت أسوارها بأعدادهم الكبيرة بينما أصيب آخرون بأمراض خلفتها البنية التحتية المدمرة من الحرب.
في عام 2018 أعلن رئيس المجلس المحلي في تاورغاء عبد الرحمن الشكشاك، عن إصابة أكثر من 200 شخص في المدينة بمرض الليشمانيا الجلدي، وأمراض أخرى تسببت بها مخلفات الحرب وقد تكرر هذا السيناريو لأكثر من مرة على مدار سنوات.
وقال الشكشاك إنّ المدينة تعاني من انتشار أمراض بسبب مخلفات ما زالت منتشرة في كلّ مكان، ما جعلها بيئة حاضنة للجراثيم ومسببات الأمراض، في وقت تعاني فيه من نقص حاد في الإمكانات الطبية إذ ليس فيها سوى مستشفى ميداني واحد لا يستوعب المرضى المراجعين.
وفي حوار أجرته «القدس العربي» مع أحد العائدين إلى المدينة قص لنا قصة معاناته المحزنة مع أهله قائلا «على مدار 11 سنة عادت 150 أسرة فقط إلى المدينة وأقامت هناك بشكل رسمي ويتردد آخرون بشكل سري خميس وجمعة وسبت. خوفا من مهاجمتهم».
وتابع «امتلك مع عائلتي منزلا مدمرا ومحروقا بشكل كامل لم نستطع العودة لأنه غير مؤهل نهائيا ما جعلنا نضطر إلى الإقامة في مجمع داخل المدينة وهو عبارة عن مبنى سابق لمعهد جرت صيانته ننام فيه ليلاً، وفي الصباح نتجه إلى مزارعنا الملاصقة للمنزل».
وردا منه على سبب عدم قيامه بصيانة المنزل قال الراوي «نطمح كعائلة للحصول على تعويض من الدولة. لا ذنب لنا باندلاع الحرب ولا ذنب لنا بهذا الدمار، ولكن الدولة ما زالت تؤخر عملية إحصاء الأضرار والتعويض رغم مرور 11 سنة».
واحتلت المدارس هي الأخرى قائمة أكثر المؤسسات تضررا أما الصامد منها فقد اتخذته بعض العائلات مقرا للسكن، ورغم مرور سنوات لم تبدأ جهود إنشاء مدارس جديدة في المدينة. فقد كشفت منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة الدبيبة عن تسليم مراقبة التربية والتعليم في مدينة تاورغاء أحد مشاريع عودة الحياة من خلال تسلم المراقبة لمدرسة خالد بن الوليد للتعليم الأساسي المكونة من 10 فصول دراسية.
وأما عن المستشفيات فقال رئيس المجلس المحلي لتاورغاء عبد الرحمن الشكشاك، إن المجلس يسعى بالتواصل مع وزارة الصحة لاستكمال أعمال صيانة مستشفى تاورغاء العام بعد توقفها بسبب عدم دفع المخصصات المالية إلى الشركة المنفذة لمشروع الصيانة، متوقعًا استئناف أعمال الصيانة في القريب العاجل بدون تحديد فترة زمنية واضحة.
وأضاف «استلمنا الشهر الماضي مركز خدمات الدعم النفسي، وتمت صيانة 8 مدارس؛ منها ما تم صيانته من حكومة الوحدة الوطنية؛ ومنها بمبادرة من المنظمات الدولية».
وخلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية انه على اطلاع على الأوضاع في تاورغاء وأن المدينة تريد الكثير، داعيا وزير الإسكان وعدة أجهزة إلى النظر في احتياجات تاورغاء، كما كلف وكيل وزارة الصحة بالاهتمام بالمدينة، في ظل ظهور أمراض لم تكن معهودة من قبل.
وتابع: «الليبيون ما زالوا يعانون في سكنهم ومعيشتهم، مضيفا نريد أن يأتي الليبيون إلى تلك المناطق ويروا ما حدث جراء حروب مؤلمة، هجرة الأهالي وقتلهم، سواء بسبب تنظيم «داعش» أو الحروب الجانبية الأخرى التي لن يكون لها أي مكان في بلدنا مرة أخرى».
ونزح ما يقدر بنحو 40 ألف شخص عن البلدة الواقعة على بعد 38 كيلومترا جنوبي مدينة مصراتة الساحلية، وتوزعوا في عدة مخيمات على أطراف العاصمة طرابلس، وفي مدينة بنغازي في الشرق، أو مشتتين في أنحاء البلاد في ظروف مأساوية.
وحسب المجلس المحلي بالمدينة فيتوزع النازحون بين شرق البلاد وغربها، فتوجد في الغرب 3 مخيمات تؤوي 110 عائلات، وتوزعت في شرق البلاد 7 مخيمات تسكنها 615 عائلة؛ وذلك وفقا لآخر إحصائية أجراها المجلس وشكلت نسبة العائدين إلى المدينة 44 في المئة.
وفي عام 2019 وقّع ممثلون عن المدينتين اتفاق مصالحة ينصّ مبدئيا على عودة سكان تاورغاء لكن «المنظمة الدولية للهجرة» قالت أنه لم يتجاوز عدد العائلات التي حاولت الاستقرار بالمدينة 1300 حتى الآن حيث وجد العائدون بنية تحتية مدمرة، مع مشاكل في الكهرباء والماء والاتصالات، وضآلة الخدمات التعليمية والصحية.
وفي كانون الثاني/يناير من عام 2022 التهم حريق ممتلكات خمس أسر في مخيم نازحي تاورغاء بمدينة ترهونة، وفق منشور للمجلس المحلي وأفاد بأن الحريق قضى على كافة ممتلكات خمس أسر من المقيمين في المخيم البالغ عددهم 21 عائلة ممن تعذر عودتهم لتاورغاء بسبب دمار منازلهم، وكذلك عدم حصولهم على جبر الضرر عن ممتلكاتهم الذي يساهم في عودتهم وصيانة منازلهم.
ومع احتفال العالم بقرب انتهاء عام جديد ودخول آخر ما زال عدد كبير من المدن الليبية يعاني من مخلفات وويلات الحروب التي لم ترحم ممتلكات المواطنين الأبرياء، وقضت على مقومات الحياة، وما زال مواطنو تلك المدن يترقبون بعين المنتظر المتأمل اهتمام الحكومة بمشاكلهم التي مر على وقوعها سنوات.