مدينة السويداء السورية متحف مفتوح للآثار وفسيفساء نادرة الوجود

حسام محمد
حجم الخط
0

السويداء في الجنوب الشرقي من سوريا، ليست مجرد محافظة، بل هي متحف مفتوح للآثار والمعالم التاريخية القديمة وبعضها يصل إلى العصر الحجري، حيث الكهوف التي تقف شاهدة على أماكن استيطان الإنسان في العهد الأول.
معالم السويداء الأثرية والتاريخية، تعاظمت أكثر مع تقلب الحياة البشرية، حتى أصبحت المحافظة مستقرة على بحور من الآثار، وأطلق عليها اسم «روما الصغيرة» فلا تكاد تمر بقرية صغيرة أو بلدة فيها حتى تلتقي بآثار رومانية، أو نبطية، أو بيزنطية ويونانية وغيرها، وبعض المراجع تشير إلى عثور علماء الآثار في مواقع كثيرة في معظم أرجاء المحافظة على أدوات صوانية منحوتة كان يستخدمها البشر في عهود ما قبل التاريخ.
السويداء، لا يقتصر إرثها وتاريخها على الآثار والمعالم فحسب، بل هي أيقونة نضالية أيضا سطرها أبناؤها، بعد أن تكسرت العديد من الجيوش على أسوارها، فهي آخر من هزم المحتل الفرنسي الذي كان من القوى والدول الاستعمارية الكبرى آنذاك، ومنها انطلقت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش.
رغم كل المقومات التي تمتلكها السويداء المعروفة باسم جبل العرب إلا أنها عانت على مدار العقود الماضية، وفي الأسابيع القليلة الماضية، شهدت المحافظة انتفاضة غاضبة من قبل الأهالي والناقمين على النظام جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية، إلا أن المطالب سرعان ما تحولت من اقتصادية إلى سياسية وأمنية، تخللتها احتجاجات شعبية وإحراق صور لرئيس النظام بشار الأسد، والمطالبة بإسقاطه، وهدد النظام بإبادة أهالي جبل العرب وإحراق السويداء ذات الغالبية الدرزية في مشهد يعيد انتهاكات الأسد ونظامه بحق كل المدن السورية التي طالبت بذات مطالب أهالي السويداء.

أبرز المعالم الأثرية

تحتوي محافظة السويداء على أيقونات تاريخية وأثرية كثيرة، لعل من أبرزها المزرعة، وهي ناحية كبيرة في المحافظة تتربع على عدد كبير من الآثار الرومانية، وتحظى بموقع جغرافي مميز في الجنوب السوري، في حين شهبا هي مدينة أثرية إمبراطورية، وفيها مسرح روماني.
وتشتهر صلخد بآثارها التاريخية، وخاصة قلعتها المهيبة، أما المجدل فهي منطقة جغرافية تتميز بفسيفساء تعتبر نادرة على مستوى العالم، وفي سليم توجد معابد وقصور أثرية رومانية، وكذلك هو الحال في عتيل السويداء، فيما توجد آثار رومانية وأخرى يونانية في منطقة بريكة.
أما في شقا فتوجد آثار ومعابد رومانية، وفي داما مشاهد أخرى من الآثار البيزنطية والرومانية، بالإضافة إلى دير تاريخي، وقرية تعلا من قرى المقرن الشمالي كانت ملجأ حصينا إبّان الحكم العثماني والاحتلال الفرنسي فتشتهر بكهوفها والمغارات التي تمتد عشرات الأمتار تحت الأرض وهي منطقة مرتفعة شديدة الوعورة.
المتحدث باسم «السويداء 24» ريان معروف، أشار إلى توزع معالم المحافظة الأثرية والتاريخية في معظم القرى والمدن الرئيسية من السويداء كشهبا، وصلخد، والسويداء المدينة.
منوها إلى عدم وجود اهتمام يذكر من قبل النظام بالمعالم الأثرية في المحافظة، خاصة بعد عام 2011 في حين كان هناك نوع من الاهتمام قبل ذلك، حيث لم تتعرض مدينة السويداء للتدمير أو القصف من قبل قوات النظام السوري. إلا بعض المناطق في أرياف المحافظة تعرضت لهجمات وانتهاكات جسيمة وعمليات عسكرية، على يد التنظيمات الراديكالية كجبهة النصرة وتنظيم الدولة، خاصة عام 2018 الذي أدى إلى مقتل المئات من أبناء المحافظة.

أسباب التهميش

تعددت طرق النظام في تهميش آثار السويداء الرومانية على وجه الخصوص، وهي آثار معمارية تترافق مع كنوز ثمينة عمد الأسد والمقربون منه إلى إخلاء بعضها، وردم الأوابد أو اكتفى بمصادرة الذهب وتجاهل بقية الآثار.
الناشطة سلاف بسام من داخل محافظة السويداء، قالت لـ «القدس العربي»: نفذ النظام السوري عمليات تهميش متعمدة للإرث التاريخي والأثري للسويداء، لمنع ترسيخ جذور وقوة ومكانة أبناء المحافظة كجزء فعال وفاعل من الشعب السوري، وهي سياسة واكبها تفقير ممنهج وتهميش اقتصادي للمحافظة وكل من فيها.
بالإضافة إلى سياسة الأسد في تفقير المحافظات وتركيز القوة الاقتصادية في مناطق يسهل السيطرة عليها من قبله وهو سبب آخر في عدم تنشيط السياحة والعناية بالآثار وبالضرورة عدم الاعتراف بها وفق الأصول.
كما لا يمكن تجاهل مكانة رجالات السويداء على المستوى السياسي والقيادي مثل سلطان الأطرش وسليم حاطوم وآخرين جعلت النظام السوري ينتهج كل ما هو انتقامي من السوريين في المحافظة، نذكر منها قرارات منع الحفر أو الترميم أو التوسيع لقاطني السويداء القديمة مقابل شق طريق محوري من دمشق إلى درعا مرورا بهذه المنطقة ومصادرة أراضي للمواطنين تحوي ذهبا عثمانيا في تل جنجلة وترحيل الذهب لحساب ماهر الأسد وتسوية أعمال الحفر في ظرف يومين.
يضاف إلى كل هذا أمر يعيه السوريون جميعا وهو أن النظام منذ عهد حافظ الأسد يحطم كل ما يمكن أن يبني هوية وطنية وانتماء لدى الشعب ويكرس كل ما يمكنه أبعاد الشعب عن أرضه بداية بالتجهيل والتفقير مرورا بالتجنيد الإجباري والتوظيف في محافظات بعيدة وليس انتهاء بالإرث الحضاري والتاريخي.
الباحث في مركز جسور رشيد حوراني قال لـ «القدس العربي»: ملف الآثار بشكل عام في سوريا تم إهماله وإدارته من وراء الكواليس بما يخدم النظام والحاشية المقربة منه، وشملت تلك الإدارة مدينة السويداء وآثارها.
ويضاف إلى ذلك أن النظام تخوف من توظيف أي ظهور وبروز لمدينة السويداء من الناحية الثقافية «الآثار» أن يرافقه بروز المنطقة في الموقف والإرث الوطني المعروف للسويداء الذي أسس له سلطان باشا الأطرش، خاصة أن رأس النظام لم يزر السويداء إلا في تشييع قائد الثورة السورية.
الأمر الآخر، تنبه النظام إلى تنمية ما يمكن تسميته اقتصاد السياحة يمكن أن يؤدي إلى تفتيح العيون لأهمية الاستثمار في البازلت الذي تشتهر به السويداء، وبالتالي يؤدي إلى تحسين المستوى الاقتصادي لساكنيها، وتحسين المستوى الاقتصادي لأي مجتمع وما يخلقه من تنامي الاستثمارات وترسيخها يولد معه طموحات ثقافية وسياسية وعلمية، وهو الأمر الذي لا يريده النظام كي لا يجتمع الإرث الوطني مع القدرة الاقتصادية لسكان المدينة ويزاحموه على التنافس والسلطة.
الحقوقي والمحامي السوري عبد الناصر حوشان، رأى في تصريحات أدلى بها لـ «القدس العربي»: أن الحراك المتواصل في محافظة السويداء، عاد على المجتمع السوري بنتائج مهمة وملفتة، ولعل من أهمها:
-حراك السويداء من الناحية الحقوقية أسقط ورقة التوت عن النظام والادعاءات التي يتبناها حول حماية الأقليات في سوريا.
– النظام لا يفرّق في معرض الحفاظ على السلطة في البلاد بين طائفة وأخرى.
-احتجاجات السويداء أكدت أحقية مطالب الثورة التي تبناها الشعب منذ 2011 وأن هدف السوريين التخلص من براثن النظام وسطوته وقمعه.
– ردّ النظام على أي تحركّات مطلبيّة قد لا تكون سياسيّة هي نفس الردود الوحشيّة التي اتبعها ضد الثورة وهذا يؤكّد على الطبيعة الإجرامية المتأصّلة في هذا النظام وبالتالي عدم قابليته للإصلاح ولا لتقويم السلوك.
واعتبر المتحدث الحقوقي، أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بإعادة مقاربته حول طبيعة التعامل مع النظام، وضرورة تصنيفه كـ «نظام إبادة» من الناحية القانونية، ووجوب محاسبة مجرمي الحرب.
معتبرا أن حراك السويداء أثبت للعالم ان قضية الشعب السوري على اختلاف دوافعه هي قضية حقوق مسلوبة ودماء مسفوكة وأموال منهوبة وأعراض منتهكة وليست فقط حقوق سياسية وأن الحلّ الناجع لوقف هذه المأساة هو في زوال النظام حتى يعود الشعب للنهوض وتحقيق السلم الأهلي وإعادة إعمار البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية