حدود التجريد والبناء في الحروفية العربية

حجم الخط
1

لعل ثراء اللغة العربية وتطورها لم يكنْ مرتبطا بمقياسٍ زمني محددٍ ولا بمفهومٍ دراسي مخبري منغلقٍ على نفسه يرتبط بالتحكيم والتحقيق والتدقيق والمراقبة والضبط والتسلط، بل إلى المحاكاة، وهو جانب جمالي تشكيلي، وإلى الاعتباطية وهو جانب أبستمولوجي أنطولوجي دلالي، وإلى الأسطورة وهو جانب ثقافي عقائدي وإلى الأنثروبولوجيا – أو علم الأناسة – وهو مجمل السلوكات الإنسانية عبر التطور التاريخي وعلاقتها بالبيئات المختلفة، ودورها في نسقية التواصل والاختلاط بين المجموعات البشرية، وإلى الفلسفة وهو حيز التأويلات الحرة والعقل والمنطق.
إن الخاصية الحيوية للبناء اللغوي تجعلها منفتحة على محيطها بعيدة عن الانحصار في البعد البنيوي التقني الذي يبقى دائما رهين التمرين الداخلي. والحال أنها مقاربة تتغذى من الخارج عبر التفاعل المباشر مع المعطى الثقافي والاجتماعي والنفسي. وهي مجموعة إحالات ومستندات تتولد من طبيعة توظيف الفرد للعلامة المفهومية للغة. هذا ما يؤكده العالم واللغوي السويسري فرديناند دي سوسير بقوله: «يتم تحديد قيمة أي مصطلح من خلال ما يحيط به». ورد ذلك في مؤلفه اللغويات الهيكلية الذي نشر عام 1916 أي بعد وفاته بثلاث سنوات.
من خلال هذه القراءة تتوضح عدة مفاهيم مرتبطة بالإشكاليات المؤثرة في الفعل الدلالي اللغوي وهي:
أولا: اللسان والفكرة من السابق ومن اللاحق؟ هل اللغة خلقت للحديث أم للكتابة؟ إن صورية الأعمال العتيقة (archaïque ) الموثقة بالجزيرة العربية، التي تعود إلى أكثر من سبعة آلاف عام، لا تشير في أي شكل من الأشكال إلى ضعف في الأداء التعبيري، أو خلل في إتقان الأدوات الفنية الشائعة آنذاك مثل النقوش والجداريات والأشكال الحيوانية والهندسية البدائية المختلفة، إنما يبين مقدار تطويع الكائن البشري العاقل للمعطى اللغوي، ومقدار حواره مع الكائنات والعناصر المختلفة واضحة ونورانية كانت (الشمس والقمر) أو مبهمة شيطانية ( البرق، الرعد، الزلزال، البركان). فكانت حاجاته المتطورة والمتغيرة هي التي تحدد مسافة النظر ومساحة الفكر.

من ذلك عنصر النشاط التجاري الذي يعتمد على المقايضة أساسا، وعنصر العبادة الذي يتجه إلى معانقة شساعة الخلق والتكوين، والعناصر الطقوسية المختلفة المتولدة من الصراع مع تحديات وعظمة الطبيعة، ومع الفرد نفسه وما يقدمه من انعكاسات إرادية ولا إرادية. ما ولد تفاعلات رومانسية عبر تجسيد الخوف والغضب والفرح والحزن والحب في التناول الصوري (علامات التقارب والتوازي تفيد الموافقة وعلامات التقاطع تفيد الرفض). ولنا في هذا الطرح عدة أمثلة من عصور متعاقبة، منها النقوش الفنية لعدد من الحيوانات الأليفة التي تم توثيقها على النتوءات بعدد من السلاسل الصخرية في الحجاز منها، الجمال والظبى والحيوانات المدارية القديمة الأخرى، التي تعود إلى أكثر من سبعة آلاف سنة ق.م. وجدارية البقرة الباكية التي تم اكتشافها في المعبد الجنائزي «نوحتنتب الثاني» غرب وادي النيل عاصمة مصر القديمة، التي تعود إلى أكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، إضافة إلى الإناء الطيني الذي يعد اكتشافا غير مسبوق، تم العثور عليه داخل المقابر المصرية القديمة في مدينة «أبيدوس» في أقصى جنوب مصر، الذي يعود إلى 3700 سنة، وما يحتويه من نقوش وأشكال هندسية تبين ما اتخذ شكل قناة مستطيلة مقسمة إلى مقاطع متوازية، تتوسط عددا من الزوايا الحادة التي تحيط بها من اليمين واليسار، في إشارة إلى الكتل الصخرية والمرتفعات التي تحيط بحوض النيل من الجانبين، ورد ذلك كترجمة لحقبات الخصب والنماء وقت الحصاد، وجني المحاصيل عند فيضان الوادي، ومعاني مركزية الدولة ودورها في تقسيم الوفرة والسعادة وتأمين الصلوات والقرابين للتقرب من الآلهة.من هذا المنطلق الذي تتموقع فيه اللغة كأداة تعبير كونية لا ترتبط بمقياس محدد، وفي ضوء العلاقة الاعتباطية باللسان من جهة وبالعلاقة السلطوية بالمقدس – لاسيما في بدايات المسيحية وبعد ظهور الإسلام انطلاقا من القرن السابع للميلاد – أمكننا المزيد من تأكيد وتثبيت مفهوم هذا الطرح المعرفي للغة لطرح إشكالية التحول من العلامة البصرية إلى العلامة اللسانية، بدل التحول من الصوت إلى الفكرة.

جدارية البقرة الباكية

ثانيا: كيف يمكن لنا أن نحدد امتداد الدال السمعي في حين أنه مرتبط باللحظة؟ هل الفكرة تحمل دلالات زمانية أم مكانية؟
إذا سلمنا بالمعطى الزائل في العلاقة بين الكلمة واللسان فإننا سنؤمن حتما بأبدية الفكرة وهو اختلاف يقتضيه الطرح الفنومنلوجي الظاهراتي الحديث من جهة، وتدرسه جدلية تحاور وتجاور الأضداد من جهة أخرى. يمكن لهذا الطرح أن يقودنا إلى فكرة الديالكتيك الهيغلي المتعلق بالسيرورة أي الوجود أو اللحظة الموجبة، والعدم وهو اللحظة السالبة وما يجمع بينهما من توليفة قطبية (بالمعنى الطبوغرافي) وهي صيغة أو وصفة تلازمية تجعل هذا يتغذى من ذاك. فالجدلية تتطلب الحاجة للتواصل والخلق والتكوين. وهو ما يراه دي سوسير وإن كان ذلك بقراءة مختلفة إذ يعتبر الاختلاف الفنومنولوجي بين العلامة اللسانية والعلامة البصرية مسألة حتمية، فالدال البصري مرتبط بالمكان غير المحدود في امتداداته وحضوره، في حين أن الدال السمعي يعمل بنسق التعاقب فعندما نقول كلمة زرافة مثلا انتهى المعنى، وأكيد أننا سندخل بعدها في سياق زمني وفكري جديد ومختلف. بعد ذلك عندما نقول أبي، نستنتج مباشرة أن الزرافة ليست أبي ولا يمكنها أن تكون ذلك في أي حال من الأحوال، وهذه التجربة وحدها تقودنا إلى تفكك البناء اللغوي وقصوره، حيث إنه يظل مرتبطا بالبعد الزمني الذي يزول بزوال اللحظة اللسانية (التعبير الصوتي). من هنا أمكننا القول إن اللغة فكرة شغلها الشاغل هو تحويل الجوهر إلى رمز والتعبير الوقتي إلى صورة أو شكل موثق ودائم.
ثالثا: إلى أي حدود أمكننا أن نربط اللسان بالشكل؟ هل الصوت نموذج للون تعبيري فني؟
ما أمكن أن نستخلصه من مجمل الدراسات البحثية في مجال الخط العربي أن المقاييس المعيارية التي تم تداولها منذ بدايات النهضة العربية الحديثة على مدى أكثر من سبعة قرون (7- 15 ميلادي) إنما هي مجموعة تراكمات تاريخية وثقافية، ترتبط بمتطلبات المجتمع والمقدس الديني. فالمظهر الفني للأعمال الخطية والحروفية، يبدو أقرب إلى المشاهدة منها إلى الاستماع وما تركه محولي التراث الشفوي في الجاهلية إلى نصوص شعرية وأدبية إنسانية بديعية رائعة ترجمت إلى أغلب اللغات، خير دليل على ذلك، دون الحديث عن النصوص القرآنية التي تم تجميعها وتدوينها في عهد الخليفة عثمان بن عفان، خيفة أن تنسى أو أن تلقى المصير الذي لقيته مرجعيات الأديان السابقة.

كما أن التطور الذي تميز به الخط العربي والتحول الكبير الذي ساهمت فيه أحكام الإسلام السمحاء وعلاقته بالقبول العالمي والصدى الذي لقيه تشكل الخط العربي أي تحوله شيئا فشيئا من مجرد حروفية تقليدية للتواصل والعبادات، إلى ملامح بنية فنية شرقية متكاملة حاضرة بثقلها في كل المنابر والفضاءات. هذا النجاح ساهم فيه عاملان أساسيان، هما اعتماد اللون في بعض المخطوطات العربية سواء بواسطة التنقيط أو بواسطة التدوير، جزئيا أو كليا، لاسيما في أواخر العشرية الأخيرة من النهضة العربية، التي اتسمت ببوادر تأثير تركي وفارسي واضح باعتماد خطوط ثانوية اقتصرت على التدوين في الوزارات والإمارات مثل الطغراء (خط التوقيع السلطاني الرسمي) والغبار الذي ظهر وتطور في تركيا.
أما اعتماد التظليل، أو ما يسمى بالكريسوغرافيا chrysographie أي التذهيب أو الكتابة بماء الذهب فكان دوره حيويا ومهما في تغيير وظائف ومفاهيم الخط العربي، وفي إدخال فخامة وأناقة شكلية تقنية تزويقية على المادة الخطية. وكان استلهام عناصر الطبيعة النباتية والحيوانية يحمل أبعاد توضيحية يذكرنا بالبعد الرمزي المختصر، خاصة بالرقاقات السومرية التي تعود إلى أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. وهو تطور سهل توسع حقل البناء الفني الخطي وتنامي ظهور المنمنمات باتباع خطوط وزركشة يدوية تعتمد على اللون، سواء كغلاف للإنتاجات والمؤلفات، أو كزركشة هامشية تزيد الأعمال جمالية وتقربها من العين أكثر من السمع. نجد ذلك مثلا في أعمال الفنانين الحروفييْن الجزائرييْن الأخوين محمد وعمر راسم اللذين وضعا أسس مدرسة المنمنمات الجزائرية في بداية القرن العشرين بمساعدة وثيقة من المستشرق الفرنسي إتيان ديني، الذي استقر في مدينة بوسعادة الجزائرية، فأصبح يسمى نصر الدين ديني بعدما أشهر إسلامه في 1913 وحج البيت الحرام واستقر في الجزائر حتى وفاته.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية