كان يكفي المجتمع الدولي بضع دقائق من تجول استفزازي لوزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، داخل الحرم الثلاثاء الماضي، كي يوضح لنتنياهو بأنه صبره على نزوات حكومته الجديدة قد نفد. البيانات التي تراكمت على طاولة رئيس الحكومة أرسلت رسالة واضحة، وهي أن الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية والأردن والإمارات الخليجية عبرت بصيغة موحدة عن قلق من استفزاز بن غفير. قبل يوم من ذلك، أثارت نزوة أخرى ضجة في العواصم الأوروبية، وهي إبلاغ المحكمة العليا في إسرائيل عن نية الائتلاف تعديل قانون الانفصال وإبقاء بؤرة “حومش” الاستيطانية على حالها.
تحدث أحد السفراء الأوروبيين عن تخبط حول كيفية التصرف أمام الخط المتطرف الذي تتبعه الحكومة. حكومته في الواقع انتقدت الخطوات التي تدفعها إسرائيل قدماً، لكن سلسلة من الظروف المخففة جعلتها لا تقوم بكسر الأدوات أمس، الحديث يدور عن الوزير المسؤول عن حماية الحرم، الذي زار المكان في الصباح الباكر عندما كان فارغاً، ولم يصلّ ولم يحاول تأجيج النفوس، وغادر بعد فترة قصيرة.
حلم متفائل
عشية تعيينه، طرح نتنياهو حلماً متفائلاً عن نيته إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية. وقد أمل بجر الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية للدفع بهذه المغامرة قدماً. ولكن الأحلام شيء والواقع شيء آخر؛ فزيارة بن غفير لجبل الهيكل (الحرم) والقرار حول حومش، افتتحت العلاقات الدولية للحكومة الجديدة بالقدم اليسرى. “لا توجد أي احتمالية للدفع بالعلاقات مع السعودية ما دام بن غفير وسموتريتش في الائتلاف”، أوضح مصدر إسرائيلي رفيع مطلع على الجهود المبذولة لإقامة علاقات رسمية مع السعودية. وقد عدد سلسلة إخفاقات أخرى أمام الدفع بهذه الخطوة.
أمس، أوضحت السعودية ثانية أفكارها حول التقارب العلني من إسرائيل. فإلى جانب الاحتجاج الكبير على أفعال بن غفير، أشارت وزارة الخارجية في الرياض بأن “إسرائيل تسعى لتقويض جهود السلام الدولية وتناقض معايير احترام الأديان”. اختتم البيان بدعم “الأخوة الفلسطينيين”، وهي إشارة واضحة على توقع السعودية تحسناً جوهرياً في معاملة إسرائيل للفلسطينيين.
عشية أداء اليمين، أعلن نتنياهو في مقابلات مع وسائل الإعلام الأجنبية بأن رحلته السياسية الأولى ستكون للإمارات. منذ أن وقع رئيس الحكومة على اتفاقات إبراهيم، لم يزر هذه الدولة بصورة رسمية وعلنية. ورغم أن الاتصالات من أجل زيارته مستمرة، وحتى إنه قد يذهب بالفعل في وقت قريب، إلا أن الصديقة الجديدة لإسرائيل في الخليج اتخذت في الأسبوع الماضي موقفاً واضحاً ضد الحكومة. فبصفتها ممثلة للجامعة العربية في مجلس الأمن، وضعت الإمارات طلب الفلسطينيين على الطاولة لعقد جلسة طارئة. وقبل ذلك، صوتت على طلب الفلسطينيين التوجه لمحكمة العدل الدولية في لاهاي ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
السفير الأمريكي في إسرائيل، توم نايدس، قال مؤخراً في مقابلة مع صحيفة “هآرتس” بأن حكومة نتنياهو سيتم فحصها من خلال أفعالها وليس من خلال تصريحات أعضائها حتى الآن. خطوة بن غفير أمس أخرجت منه تصريحاً أقل دبلوماسية؛ ففي بيان للسفارة، كتب أن “السفير نايدس كان واضحاً جداً في محادثاته مع الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بالوضع الراهن في الأماكن المقدسة في القدس. والأفعال التي تمنع ذلك غير مقبولة”.
عشية تسلمه المنصب، أراد نتنياهو نفسه تبديد المخاوف؛ ففي محادثات مع زعماء دول قلقة أوضح مرة تلو الأخرى بأنه سيكون “رئيس حكومة الجميع”، وأنه يسيطر على حكومته. هو يعرف جيداً أن الحدث السياسي الأخير لا يتساوق مع التوقعات، ويظهر تناقضاً حاداً، الذي لا يمكنه التوفيق بين الخط السياسي المتطرف لحكومته ومواقف المجتمع الدولي، سواء في المضي بحل الدولتين أو المطالبة بتجميد الاستيطان أو المطالبة بإبقاء الوضع الراهن في الحرم.
بقلم: يونتان ليس
هآرتس 5/1/2023