بفضل قانون مثير للجدل أقره عشية عيد الميلاد برلمان إقليم اسكتلندا (الخاضع لحكم لندن)، سيصبح من حق المراهقين من سن 16 عاما وما فوق الحصول على اعتراف رسمي بأنهم متحولو جنس في شهادات ميلادهم بمجرد الإقرار بذلك دون الحاجة للمرور بأي فحوص طبية أو إجراءات بيروقراطية.
وقد سبق إقرار القانون ولحقت به أجواء من نقاشات حادة بين المؤيدين والمعارضين انتقلت من قاعة البرلمان إلى نشرات الأخبار وبرامج الحوار التلفزيونية والصحف والمواقع الإخبارية والمدونات، لكنها اتخذت أعنف أشكالها على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان لافتا دور جي كي رولينغ الروائية الاسكتلندية الشهيرة مؤلفة سلسلة روايات هاري بوتر في معارضة القانون، ونشرت لها صورا على صفحتها في تويتر بينما ترتدي قميصا كتبت عليه عبارات تشير إلى القانون بالتوحش ضد حقوق المرأة. وتظاهر معارضون ومؤيدون أمام مقر البرلمان كما سمعت صرخات «عار عليكم» من شرفة الجمهور في القاعة الرئيسية لدى إجراء التصويت.
القانون، الذي تم إقراره بأغلبية مريحة (86 صوتا مقابل 39) أيده معظم نواب الحزب الوطني الاسكتلندي الحاكم، كما الأحزاب المحسوبة على اليسار (الخضر والعمال والليبراليين الديمقراطيين) وعارضه نواب حزب المحافظين ومتمردون من حزب الحكومة، تسبب في مشاعر متناقضة بين الاسكتلنديين فيما يبدو، إذ اعتبره كثيرون بمثابة اعتداء على حق النساء (البيولوجيات) بالخصوصية والأمان، وقد يؤدي إلى تزايد حوادث الاعتداء عليهن من قبل ذكور مدعي تحول تحصلوا على شهادات بأنهم نساء ليسمح لهم قانونا باستعمال المرافق العامة والحمامات والملاجىء التي تقتصر على الجنس اللطيف، كما أنه يمكن أن ينتهك تشريعات المساواة بين الجنسين من خلال السماح لمجموعة أوسع من الذكور متحولي الجنس بالوصول إلى المقاعد المخصصة للنساء، كما في مجالس إدارة الشركات مثلا، ويسمح لهم بتبني الأطفال بوصفهم نساء.
ورغم أن الجهات الرسمية الدينية لم تعرب عن مواقف علنية صريحة، إلا أن الامتعاض كان واضحا في أوساط الفئات المحافظة في المجتمع لا سيما أقليات الكاثوليك والمسلمين التي وجدت في القانون الجديد تهديدا لشبان في مقتبل العمر لا يمتلكون معرفة كافية لاتخاذ قرارات مثل هذه، وسيكونون بالتالي هدفا سهلا لذوي الغايات المشبوهة.
دعاة التحرر كسبوا جولة أخرى، لكن حربهم مستمرة
في المقابل، كان إقرار القانون مدعاة للاحتفال في أوساط متحولي الجنس ومؤيديهم من أنصار الليبرالية الفردية الذين اعتبروه يوما تاريخيا للمساواة، وتسهيلا لعملية يجدها البعض حاليا تدخلية وطبية وبيروقراطية.
وقالت وزيرة العدالة الاجتماعية للإقليم شونا روبيسون: «إقرار مشروع قانون إصلاح الاعتراف بنوع الجنس خطوة مهمة إلى الأمام في إنشاء اسكتلندا أكثر مساواة، حيث يشعر الأشخاص المتحولون جنسيا بالتقدير والإدماج والتمكين». ووفق القانون الجديد يمكن لمن يرون أنفسهم متحولين جنسيا وتبلغ أعمارهم 16 عاما أو أكثر التقدم بطلب للحصول على شهادة اعتراف بالنوع الاجتماعي عند التصريح بأنهم يعيشون بالفعل في جنسهم المكتسب منذ عدة أشهر، ويعتزمون القيام بذلك بشكل دائم. ويُسقط هذا القانون الجديد الشرط الحالي بموجب قانون الاعتراف بنوع الجنس لعام 2004 للحصول على دليل طبي على تشخيص اضطراب الهوية الجنسية قبل منح الشهادة. وسيعاقب القانون الطلبات الاحتيالية بعقوبة قصوى بالسجن لمدة تصل إلى عامين أو غرامة غير محدودة أو كليهما.
على أن هذا الانتصار لدعاة التحرر الجنسي لم يكن كافيا لبعض الجهات (الكويرية)، إذ اعتبر بعض المثليين أن القانون الجديد رغم أنه خطوة في الاتجاه السليم – على حد تعبيرهم – إلا أنه جاء مخيبا للآمال لأنه لم يمنحهم الحق ذاته على غرار المتحولين جنسيا كما كان الأمر في القراءة الأولى لمشروع القرار. ويرى هؤلاء أن المثليين يجب أن يستمروا في النضال للحصول على اعتراف قانوني خاص بهم.
الأمل الأخير للمعارضين: الكرة في ملعب لندن
هذه الهزيمة القاسية لمعارضي التحرر الجنسي في البرلمان الاسكتلندي ليست نهائية، إذ أن كلمة الحسم في إقرار القوانين في بريطانيا تظل في يد برلمان وسمنستر في العاصمة وهي تحتاج أيضا إلى موافقة ملكية. ومن المعلوم أن حزب المحافظين يهيمن بأغلبية كبيرة على مجلس العموم البريطاني، وقد يدفع نوابه إلى حظر تطبيق القانون الاسكتلندي إذا تبين أنه ينتهك تشريعات المساواة على مستوى المملكة المتحدة وذلك خلال أربعة أسابيع. ولم يستبعد ريشي سوناك، رئيس الوزراء، ذلك، وقال في تصريحات متلفزة إن «الكثير من الناس لديهم مخاوف بشأن هذا التشريع وتأثيره المحتمل على سلامة النساء والأطفال، وأجد أنه من المعقول تماما أن تلقي حكومة المملكة المتحدة نظرة على الأمر، وتقدر العواقب على سلامة النساء والأطفال في بقية المملكة المتحدة، ثم تقرر ما هو مسار العمل المناسب». ويخشى البعض من مؤيدي التشريع بأن يتحول القانون الآن إلى لعبة سياسية تقدم فيها لندن على تأديب إدنبرة تصفية لحسابات سياسية بالنظر إلى سعي الحزب الوطني الاسكتلندي الحاكم في الإقليم إلى إجراء استفتاء شعبي بشأن الاستقلال.
حرب «القيم» مستمرة، وتتجه أوروبيا إلى التصعيد
ليست اسكتلندا بسباقة في محاولة إقرار مثل هذا القانون، إذ إن عدة دول أوروبية مثل أيسلندا وأيرلندا ومالطة لديها تشريعات مماثلة تتيح لكل من هب ودب تقمص النوع الجندري الذي يريد بمجرد التصريح بذلك أمام السلطات المدنية. لكن القصة لم تعد مقتصرة على حماية مزعومة لحقوق أقلية صغيرة بقدر ما تحولت لأداة فرض قناعات على الآخرين ومنعهم من التعبير عن آرائهم على نحو يليق بالقرون الوسطى. وكنا رأينا كيف تعرضت بطولة كأس العالم الأخيرة في قطر إلى هجوم غير مسبوق عندما منعت سلطات الدوحة استخدام لعبة رياضية نبيلة مثل كرة القدم لتمرير رسائل تتعلق بدعم المثليين بما يتعارض مع القيم العائلية للمجتمع المحلي.
وللحقيقة فإن ذلك الهجوم ليس سوى إشارة لنوعية الإرهاب الفكري الذي يمارسه دعاة التحرر الجنسي باسم حقوق الإنسان في الغرب. ففي فنلندا مثلا وُجهت تهم جنائية لنائبة في البرلمان (كانت في وقت ما وزيرة للداخلية) بعدما قالت علنا في برنامج تلفزيوني بأنها تعتبر أن الزواج «مؤسسة تجمع رجلا بامرأة». واُتهمت النائبة الوزيرة السابقة بأنها تحض على الكراهية وتمارس التمييز ضد المثليين، رغم أنها كانت تردد أقوالا من الكتاب المقدس بوصفها مسيحية الديانة. ويمكن الآن للمتحولين والمثليين في السويد تبني أطفال ولدوا مسلمين ومسيحيين عند سحبهم من أهاليهم لأي أسباب.
إنها حرب تامة تجري على عدة جبهات، ولا شك أن القيم العائلية التقليدية في أوروبا تتعرض لهجوم قاس، وتفقد المواقع واحدا تلو الآخر بتأثير الإعلام والقوانين وتفلت وسائل التواصل الاجتماعي. وليس هناك من أدنى شك بأن مجتمعاتنا العربية بقيمها المحافظة ستكون هدفا ثمينا تاليا لهذا الهجوم الذي بدأت طلائعه الأولى في الدوحة، وحتما لن تتوقف عندها. فليكن المولى في عون الأمهات والآباء.
إعلامية وكاتبة لبنانية / لندن