لم تتلاش بعد اليقظة التي رافقت زيارة بن غفير للحرم (المسجد الأقصى). تستعد الشرطة وقوات الأمن لصلاة الجمعة في المسجد الأقصى، التي قد تتطور إلى رد فعل فلسطيني عاصف على خلفية دعوة حماس للجمهور بالحضور بشكل جماعي. السيناريو الكابوسي الذي ستتطور بحسبه المواجهات بين المصلين والمتظاهرين وبين الشرطة إلى إطلاق النار والقتل ووصولاً إلى إطلاق الصواريخ، هو الذي يملي طبيعة الاستعدادات، وتحققه قد يحسم نتيجة المواجهات في القدس وكل الجبهة الإسرائيلية – الفلسطينية.
وقالت مصادر إسرائيلية للصحيفة بأن مصر شغلت جهازها الاستخباري – الدبلوماسي أمام حماس منذ زيارة بن غفير. ونشرت وسائل الإعلام التابعة لحماس بأن المنظمة أوضحت للمبعوثين المصريين أن التفاهمات التي تم التوصل إليها مع إسرائيل بوساطة مصرية بعد عملية “حارس الأسوار” وعمليات أخرى قد تتحطم، وأن افتراض إسرائيل الذي بحسبه “لا توجد أي مصلحة لحماس في فتح جبهة عسكرية الآن” لا يمكن أن يكون أحادي الجانب.
أبلغ المصريون قيادة حماس بأنه مع تهنئة الرئيس المصري لنتنياهو على تشكيل حكومته، أرسل إليه إشارات تحذير واضحة. مصادر في إسرائيل قالت للصحيفة بأن نتنياهو وعد السيسي بنية تنفيذ جميع التفاهمات والالتزامات التي تم الاتفاق عليها بين إسرائيل ومصر، بما في ذلك الاتفاقات مع حماس. سيكون من المهم رؤية كيف لهذه الالتزامات التي تتضمن نقل الأموال من قطر إلى غزة وتصاريح العمل لسكان غزة والسماح بإدخال مواد البناء إلى القطاع أن يتم الحفاظ عليها حتى تحت قيادة الوزير سموتريتش.
تواصل حماس بشكل علني التمسك بالموقف الذي بحسبه “القدس وغزة جبهة واحدة”، أي أن إسرائيل لا يمكنها أن تفعل كل ما يخطر ببالها في القدس والضفة، وأن تتوقع منا ضبط النفس. الفصل الذي أرادت إسرائيل إملاءه بين القدس والضفة من جهة والقطاع من جهة أخرى كأحد شروط الاتفاقات بينها وبين حماس، رفضته حماس، حتى لو تجنبت عملياً الرد على كل تطور في القدس.
مراسل يتماهى مع حماس شرح للصحيفة بأن استراتيجية حماس تستند إلى ثلاث دوائر: الدائرة الداخلية، وهي ساحة غزة التي تلزمها بالتمكين من القيام بإعادة الإعمار، وضمان تقديم الخدمات المدنية مثل الصحة والتعليم وتصاريح العمل في إسرائيل، وهذه الدائرة تملي تمسك حماس بالتفاهمات مع إسرائيل.
الدائرة الثانية تربط بين أجندة حماس وأجندة الجهاد الإسلامي والتنظيمات الأخرى، “ما لم يكن هناك اتفاق بين التنظيمات أمام التطورات التي على الأرض، في غزة والقدس والضفة، فسيحافظ الجهاد الإسلامي على الهدوء ولن يعرض سياسة حماس للخطر”، شرح المراسل. وذكر بأن شعار “وحدة الساحات” لا يتم تطبيقه بالضرورة، كما نرى من غياب رد حماس على عمليات الجيش الإسرائيلي ضد نشطاء الجهاد الإسلامي في جنين أو حتى بعد قصف قواعد الجهاد في غزة في الصيف الماضي. في هذه الدائرة، لا تحدد حماس قواعد اللعب للجهاد، لكنها تحدد الخطوط الحدودية للتعاون مع تنظيمات أخرى، التي بدورها “تستخلص الدروس العملياتية المطلوبة”.
الدائرة الثالثة هي الدائرة الأيديولوجية القومية، الفلسطينية العامة. وهذه الدائرة لا تسمح لحماس بأن تكون خارج الصورة. المس بالحرم هو القاسم المشترك الأوسع بينها وبين الشعب الفلسطيني والعالم الإسلامي، وهي تقتضي من حماس، على الاقل نظرياً، الرد. ولكنه ليس رداً تلقائياً بالضرورة مثل رد إسرائيل على كل إطلاق لصاروخ من غزة. هو يرتبط بتحليل الأضرار التي تسببت بها إسرائيل وبضغط مصر وباعتبارات الربح والخسارة التي تكتنف كل دائرة من هذه الدوائر.
في الوضع الذي نشأ بعد زيارة بن غفير للحرم، تجد حماس نفسها محاطة بتحالف عربي يضم في عضويته دولاً وقعت على اتفاقات سلام مع إسرائيل وطبعت علاقاتها معها، ومحاطة أيضاً بالولايات المتحدة والدول الأوروبية. وإذا كانت الإمارات قد اكتفت في عملية “حارس الأسوار” بدعوة جميع الأطراف إلى وقف النار بدون تحديد من هو المعتدي، فإنها قامت في هذه المرة بمبادرة سياسية استثنائية. الإمارات، وهي الدولة التي مثلت الإنجاز الكبير لنتنياهو في إدارة العلاقات الخارجية والتي وفرت في نظر نتنياهو الدليل على أنه يمكن عقد سلاماً مع الدول العربية حتى بدون حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ودفعت بذلك القضية الفلسطينية إلى أدنى سلم الأولويات العربية، هي التي قادت إلى عقد جلسة مجلس الأمن لمناقشة قضية بن غفير والإضرار بالوضع الراهن في الحرم.
انتهت الجلسة في الأمم المتحدة بدون قرار أو بيان إجمالي، لكن مبادرة الإمارات لذلك هو الذي يحتاج إلى التوضيح بأنه حتى لو كان السلام بين دولتين لن يتحطم في القريب، لكن لا توجد نية لأبو ظبي في التخلي عن الرافعة السياسية التي تعطيها لها وأن القضية الفلسطينية لن تختفي.
خلال ذلك، يجدر الانتباه إلى زيارة وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، الأربعاء في دمشق، والتقائه بشار الأسد. بدأت العلاقات بين الدولتين تتحسن قبل نحو سنة، لكن الطرفين في هذه المرة أعلنا عن نية توسيع نطاق التجارة بينهما في إطار “علاقات الأخوة الخاصة”. ومعنى ذلك أن الإمارات ستكون مستعدة لاستثمار الكثير من الأموال في سوريا والدفع بشرعية الأسد في الشرق الأوسط.
أوضحت واشنطن بأنها غير راضية عن هذه الخطوة، مثلما صرحت ضد اللقاء بين وزراء دفاع سوريا وتركيا وروسيا في موسكو، لكن لأبوظبي أجندة خاصة بها، أجندة ليست بالضرورة تتفق مع الأجندة الأمريكية أو حتى مع أجندة جاراتها دول الخليج. فاستقلال الحليفة العربية لإسرائيل كان يمكن أن يفيدها في حالة سوريا كرافعة لدق إسفين بين سوريا وإيران أو على الأقل منع نقل السلاح والوسائل القتالية منها إلى لبنان. ولكن عندما تغرس إسرائيل أصبعها في عين محمد بن زايد داخل الحرم والقضية الفلسطينية بشكل عام، فمن المشكوك فيه أن يرغب في القيام بدور سفير إسرائيل في دمشق.
كتف بارد
تتابع حماس الحوار الذي يتطور بين مكتب نتنياهو والبيت الأبيض، الذي يدل على تعكر العلاقات منذ لحظة تشكيل الحكومة. لم يمر يومان على رسم نتنياهو لأهدافه في بداية جلسة الحكومة، التي أعلن فيها بأنه “خلافاً للرأي السائد بأن هذا الاتفاق النووي الخطير سينزل عن الأجندة بعد الأحداث الأخيرة في إيران، أعتقد أن هذه الاحتمالية لم تشطب نهائياً بعد من الأجندة”. والمتحدث بلسان وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، طلب منه التوضيح بأنه “منذ أيلول والولايات المتحدة تركز على دعم حرية المواطنين في إيران” وليس على الاتفاق النووي.
قبل يوم من ذلك، تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين مع نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن. وحسب التقارير التي خرجت من المحادثة، أكد بلينكن أن “الاتفاق مات”. صحيح أن الإدارة الأمريكية متمسكة بموقفها الذي يقول بأن القناة الدبلوماسية هي المسار المفضل لديها، وصحيح أيضاً أن إيران تواصل إجراء مفاوضات فعلية مع الوكالة الدولية للطاقة النووية لإنهاء ملحمة “المواقع المشبوهة” التي اكتشفت فيها بقايا يورانيوم مخصب- ولكن إذا اشتبه نتنياهو بأن الرئيس الأمريكي جو بايدن، يعمل من وراء ظهره ويقوم بإحياء المفاوضات، فإن الساحة العلنية ليست المكان المناسب للكشف عن ذلك، لا سيما عندما يحاول الرئيس الأمريكي إظهار كتف باردة تجاه إيران.
هذا الحوار عرض واحد، سيتبعه توبيخ أمريكي صارخ على زيارة بن غفير المستفزة في الحرم، والذي سيوضح بأنه إذا كان هناك شيء مؤكد في علاقة الإدارة الأمريكية مع حكومة نتنياهو فهو المواجهة الآخذة في التشكل بين الطرفين. قبل فترة قصيرة، أوضح بلينكن أن الإدارة الأمريكية لا تتعامل مع الأشخاص الذين يشكلون حكومة إسرائيل، بل مع السياسة التي ستتبعها، على أمل تجاوز الحاجة إلى التطرق للاعبي منتخب نتنياهو. ولكن بلينكن لم يحصل حتى على أسبوع من الرحمة. فقد حصل من نتنياهو على سياسة إسرائيلية مباشرة وحادة وواضحة يجب عليه التعامل معها.
إن تأجيل زيارة نتنياهو لأبو ظبي، وتبخر احتمالية، ولو مؤقتاً، عقد اتفاق سلام مع السعودية، إضافة إلى الضغوط المصرية والرد الأمريكي الشديد، كل ذلك قد يشكل مقابلاً كافياً لحماس كي ترى عدم ضرورة الرد بإطلاق النار. إذا كانت هذه هي النتيجة، فيمكن لحماس أن تحافظ على ميزان الردع مع إسرائيل، وحتى أن تطالب بمقابل آخر من مصر وإسرائيل بدون المخاطرة بمواجهة عنيفة. بل ويمكنها الظهور كالطرف العقلاني الذي يستند إلى اعتبارات سياسية، مقابل استعراض المسيحانية الذي تعرضه حكومة إسرائيل. بالنسبة لحماس، التي تسيطر بشكل مستقل تقريباً على أراضيها والتي أجرت بنفسها مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل وتأمل في الاعتراف الدولي، تجد في الحرم هدية لا تتوقف عن العطاء.
لكن هذا السيناريو، الذي تعد فيه حماس شريكة كاملة في اللعبة السياسية إلى جانب دول كبيرة مثل مصر والإمارات، موضوع فوق حقل ألغام حساس وزر تشغيله على طاولة نتنياهو. لأنه حتى لو مرت صلاة الجمعة اليوم بسلام، فلا ضمانة باكتفاء بن غفير وشركائه بزيارة واحدة، أو أن الوزير لن يقرر فتح فرع لمكتبه هناك.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 6/1/2023