الفيلم الألماني «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»: عربة الحرب تسحق الحياة بوحشية تحت عجلاتها

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

على المستوى التقني، يعكس الفيلم الذي أنتجته منصة نتفليكس مدى التطور الحاصل في أدوات التنفيذ، وهي مسألة بغاية الأهمية، لأنها مرتبطة بقضية الاقناع والواقعية التي ينبغي أن تتوفر في إعادة تشكيل الحدث التاريخي وصياغته فنيا، ما يستدعي القول بأن الإنتاج السينمائي في ألمانيا وأوروبا عامة ينافس وبقوة الإنتاج الأمريكي، ويتفوق عليه في اهتمامه بالتفاصيل الإنسانية على عكس السينما الأمريكية التي عادة ما تنشغل بالحركة والايقاع السريع وغلبة التقنيات والإبهار على حساب التوقف أمام تقديم المضامين العميقة .
كيف يمكن تناول موضوع الحرب من غير أن يكون هناك موقف منها؟ هذا السؤال من الواضح أن المخرج إدوارد بيرغر قد طرحه على نفسه حالما استقر رأيه على تقديم رواية “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ” للكاتب الألماني أريش ماريا ريمارك (1898 – 1970) ولابد من أن المخرج قد وضع في حساباته، ضرورة أن يتجاوز من الناحية الفنية النسختين التي سبق إنتاجهما من قبل هووليود عام 1930و 1979 هذا ما تفرضه بلا شك عملية إعادة إنتاج أي عمل فني سبق أن حقق حضورا مؤثرا. والرواية التي صدرت عام 1928 بما تحمله من عرض مشوق وعميق لأهوال الحرب، كانت قد حققت شهرة كبيرة خاصة بعد أن تم إنتاجها سينمائيا. أما عن النسخة الألمانية الجديدة التي تجسدت في هذا الفيلم والتي تم إطلاقها في دور العرض السينمائية نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، فإن ما يجعلها متفردة عن النسختين السابقتين يتمثل في ما تمنح من جرعة قوية من المشاعر طيلة زمن الفيلم، إضافة إلى البنية البصرية المدهشة التي أسسها المخرج، بالشكل الذي بدا فيه الفيلم على درجة عالية من الكمال والإحكام في بنائه الدرامي وفي لغته السينمائية، إذ تظافرت فيه أحدث التقنيات لإيجاد مقاربة صورية ثرية في دلالاتها، لتعرّية الحرب بكل ما تحمله من بشاعة وإيقاظ الشعور برفضها لدى المتلقي .
من أكثر المشاهد التي هيأت المتلقي إلى الإحساس بمناخ الفيلم الدرامي، تلك اللقطات الأولى التي يبدأ وينتهي بها الفيلم، مثل بداية مقطوعة سمفونية كلاسيكية، حيث يسود صمت وسكون تامَّين على منظر واسع لغابة شاسعة، ثم الانتقال بهذا السكون إلى مكان آخر في ساحة المعركة وبنفس الإيقاع،عبر لقطة رأسية تكون فيها الكاميرا بعيدة بمسافة مرتفعة، حتى أننا لا نستطيع تمييز ما تراه أعيننا، وما أن تقترب الكاميرا من الأرض بحركة بطيئة، فإذا بنا نتفاجأ بأن الظلال السوداء ما هي إلاّ جثث جنود قتلى تناثرت على أرض متجمدة، ثم تنهال عليها فجأة رشقات من الرصاص ليتدفق منها الدم، هنا لا يستطيع المتلقي أن يهرب من الإحساس بالتناقض الحاد ما بين دفق الحياة الذي يسري في الطبيعة وبين الموت العبثي الذي يسقط فيه الإنسان، وقد لا يعادل قوة هذا السرد من حيث القدرة على تصوير العنف بأقسى صوره، سوى الدقائق الأولى من فيلم “إنقاذ الجندي رايان” إنتاج 1998 للمخرج ستيفن سبلبيرك .
تتناول الرواية اندفاع مجموعة من الشباب الصغار الألمان للتطوع من أجل القتال في جبهات الحرب دفاعا عن ألمانيا القيصرية، ويأتي اندفاعهم تحت تأثير الأجندة الدعائية التي تروجها السلطة في خطاب مشحون بعبارات تتغنى بالوطنية والتاريخ والأمجاد، يلقيه عليهم مسؤول كبير في مركز التطوع: “إن سيوفكم ستعود إلى أغمادها بشرف، مع صليب حديدي مثبت على صدوركم، لكن لا تخطئوا في أحلك الساعات بينما تنتظرون الهجوم، قد يبدأ الشك يتسلل إلى أفكاركم، لكن هذا ليس وقتا مناسبا لضعف العقل، أي حيرة أو تردد هما خيانة للوطن، فالحرب الحديثة أشبه بلعبة شطرنج. إن مستقبلنا ومستقبل ألمانيا بين أيدي أعظم أجيالها على الأطلاق، هذا أنتم، لذلك انطلقوا إلى المعركة من أجل القيصر والرَّب والوطن”. أمام خطاب مخادع مثل هذا، كيف لا تستحيل الحرب في مخيلة الشباب الغضة، إلى صورة رومانسية أبعد ما تكون عن حقيقتها الواقعية، دون أن يدركوا عمق الكارثة التي سيواجهونها في ما بعد، وذلك عندما يغرقون في أوحالها ومآسيها، فالشباب الأربعة يندفعون إلى التطوع، بكل ما لديهم من حماس، متخلين عن دراستهم وحياتهم حتى أن بول (فيليكس كاميرر) الشخصية الرئيسية في الفيلم يوقِّع على ورقة التطوع بدلا عن والديه، ضاربا عرض الحائط بموقفهم الرافض لتطوعه باعتباره ما يزال صغيرا في السن.
كان الأربعة يرون في رحلتهم إلى الجبهة نزهة، وما أن يصلوا أرض المعركة، فإذا بالحقيقة تتكشف أمامهم، لتنقشع الغشاوة عن أعينهم في خنادق الحرب فيما القذائف تنهال عليهم، والرصاص يصطادهم برشقات متلاحقة مثل زخات المطر من دون أن يتمكنوا من رفع رؤوسهم، حينها يدركون الكابوس الذي سقطوا فيه، في مقدمتهم بول الذي تتجسد فيه البراءة والبساطة الإنسانية، فإذا به يدخل في تجربة مريرة لم تكن تخطر على باله، ساعة يتواجه مع جندي فرنسي يشتبك معه في قتال شرس بالأيدي، ليتمكن في النهاية من حسمه لصالحه، وينجح في قتله بعد أن يطعنه بمدية عدة طعنات مميتة في صدره، ثم يتمدد متهالكا إلى جانب الجندي الفرنسي الذي ينازع الحياة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، إلاّ أن بول يجد نفسه شيئا فشيئا متعاطفا معه، فيتولد في داخله إحساس بالشفقة عليه ما يدفعه إلى بذل ما يستطيعه لانقاذه من الموت لكنه يفشل. هذا المشهد في الرواية أساسا، بات علامة فارقة في السرد، تشير إلى ما ترتكبه الحرب من حماقة وعبثية، تغيِّب عقل الإنسان ووجدانه ليستحيل بسببها إلى وحش، لا يتردد من قتل أخيه الإنسان، وما أن يستفيق من هذه الغيبوبة يعود إليه الندم ليجرفه بتياره، بالتالي من الصعب عليه أن يجتاز ما سقط فيه من عتمة مهلكة. ومع تطور الأحداث الدرامية التي تدور معظمها في خنادق تغرق بالمياه، ينضج وعيه ليرى الحرب ما هي سوى حدث عقيم، لا يترك خلفه غير الهلع والموت.

قبضة متجهمة

أحداث الفيلم تدور في الأيام التي سبقت إعلان نهاية الحرب العالمية الأولى، فبينما كان القتال يدور بين الجيشين الألماني والفرنسي في أقصى درجات الشراسة، كانت هناك مفاوضات عسيرة تدور في عربة قطار بين المفاوضين الفرنسيين والقادة الألمان، وتحت ضغط ما يطرحه الفرنسيون من شروط غبر قابلة للنقاش، يرى القائد الألماني أن الموافقة عليها بمثابة إذلال وإهانة يصعب القبول بها، إلاّ أن الخيارات أمامه باتت معدومة بعد الهزائم التي مني بيها الجيش الألماني أمام قوات الحلفاء، فيضطر مرغما إلى القبول بها والتوقيع عليها. من جانب آخر حيث ساحة الحرب ما زالت مشتعلة، نتابع جنرالا ألمانيا متغطرسا تغطي صدره النياشين، ومعبأ في داخله بفخر عسكري ورثه عن عائلته بتاريخها العسكري، يرفض قرار إعلان الهدنة بين المتحاربين ويعبِّر عن غضبه بإنهاء الحرب، وفي وسط فرحة جنوده المنهكين بقرب نهايتها، يقف في شرفته ويلقي عليهم خطابا: “هل تريدون أن يستقبلكم شعبكم كجنود أبطال أم جبناء هربوا عندما اشتدت الأوضاع؟ سننهي هذه الحرب بانتصار، وسيكون الرب معنا” ثم يأمرهم بالهجوم، ضاربا عرض الحائط ما توصلت إليه لجنة المفاوضات، ورغم حالة الصدمة التي نالت من جنوده إلاَّ أنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن عدم تنفيذ قرار الجنرال ما أن يتم إعدام عدد منهم لأنهم رفضوا القتال، وبعد أن تتم الإغارة على الجيش الفرنسي الذي كان يحتفل بالهدنة، يسقط الجندي بول في موقف مشابه للذي سبق أن واجهه عندما قتل الجندي الفرنسي وحاول أن ينقذه من الموت، لكنه يتفاجأ هنا بموقف الجندي الفرنسي بعد أن تلقى رصاصة نفذت إلى قلبه، حيث لا يبدي الفرنسي تعاطفا معه، ولم يحاول إنقاذه مكتفيا بالنظر إليه وهو في حالة من الحيرة، ثم يدير له ظهره ويغادر. إنَّها لحظة غاشمة بتوقيع الحرب، حينما يسقط فيها الإنسان تحت سطوة عداء عبثي لأخيه الإنسان، فتنكسر المشاعر بينهما في قبضة الحرب المتجهمة.
يدخل الجنود الشباب إلى أهوال الحرب وهم لا يدركون شيئا عنها فيتفاجئون بتفاصيلها، وهم في حالة من الصدمة والتساؤلات، فيكتسبون الخبرة في مواجهة الموت، لكن بعد فوات الآوان، لأن مصائدها لا تترك لهم الفرصة للنجاة، فيتساقط الأصدقاء واحدا بعد الآخر دون أن يكون أمام أي واحد منهم فرصة لإنقاذ صديقه الذي يسقط إلى جانبه برصاصة أو قذيفة مدفع. هي قسوة الدَّرس الذي تلقنهم إياه الحرب، ولكن من غير أن تمنحهم فرصة الحياة مرة أخرى أو البكاء على صديق مزق جسده الرصاص وأحاله إلى أشلاء، بهذه اللقطات تكتمل الصورة التي يواجهها الإنسان في ساحات القتال، وهو أسير مشاعر مختلطة من الهلع والصدمة، يصاب بها عندما يجد نفسه محاصرا من كل الاتجاهات بشبح الموت، ليعقب ذلك مشهد آخر حيث يسود السكون مرة أخرى مع جثث الجنود وهي مكدسة فوق بعضها، ثم يتم سحب جثة بعد أخرى وتجريدها من ملابسها، كما يعاد ترقيع الثقوب التي تسببت بها طلقات الرصاص، حتى يرتديها جنود جدد آخرون. هذه المشاهد تتلاحق سريعة في الدقائق السبع الأولى من الفيلم، مختزنة في إشاراتها حجم الفجيعة التي تتركها المعارك .
هذه النسخة السينمائية ربما تعد واحدة من أهم نتاجات السينما الحديثة، لأنها تمكنت من أن تقدم سردية درامية مؤثرة، توفرت فيها عناصر بصرية مدهشة، غنية في دلالتها الموحية، ونجحت في إيصال ما تختزنه الحرب من تفاصيل وحشية، عندما يدفع الشباب إلى محرقتها تحت عنوان عريض “من أجل القيصر والرّب والوطن” كما هي الشعارات التي عادة ما يتم من خلالها تضليل الشباب لخوض المعارك في أماكن أخرى من العالم، فلا شيء يقودهم إلى الموت سوى شعارات براقة تتاجر بالوطن والوطنية والقيم السماوية، ففي اللحظة التي يصبح فيها أحد الجنود الشباب عاجزا عن تحريك يديه المتجمدتين من شدة البرد، بينما يقف مع رفاقه في خندق غارق بمياه الأمطار يتوجب عليهم إفراغه منها، يردد مع نفسه: “ليس هذا ما تخيلته” إنها لحظة الصحو من الخديعة ولكن بعد فوات الأوان .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية