للمظاهرات حياة خاصة بها. مناحم بيغن، الذي دعا الجماهير في 1952 لتمنع إقرار اتفاق التعويضات بأي ثمن، لم يمنع الاتفاق ودفع ثمناً باهظاً على ما اعتبر اغتيالاً عنيفاً لإجراء ديمقراطي؛ متظاهرو اليسار الذين تجمعوا عام 1982 في ميدان ملوك إسرائيل، للاحتجاج على مذبحة صبرا وشاتيلا، لم يعرفوا بأن الحرب التي أرادوا الاحتجاج عليها ستستمر 18 سنة أخرى، تحت حكومات يمين ويسار؛ متظاهرو اليمين الذين ملأوا ميدان صهيون احتجاجات على اتفاقات أوسلو – هم وصور رابين بالبزة النازية – لم يفهموا بأنهم يشقون الطريق لقتل رئيس وزراء؛ مؤيدو احتجاج 2011، الذين ملأوا ميدان الدولة في تل أبيب، لم يعرفوا بأنهم يشاركون في احتفال دفن الاحتجاج الاجتماعي، ليس بالطقوس المناسبة له. كل شيء متوقع، لكن لا شيء مؤكد. “ليس لدي ما أكتبه”، بلغت زملائي في الصحيفة في نهاية المهرجان في 4 تشرين الثاني 1995. “بالحد الأقصى، كلمات للصورة”. بعد دقيقة من ذلك أطلق يغئال عمير النار على ظهر إسحق رابين.
ميدان رابين ليس شاغراً في هذه اللحظة للمظاهرات: هو موقع بناء. ستجرى المظاهرة ضد الحكومة في ميدان هبيما. حسب كل التقديرات، سيكون الميدان أصغر من أن يحتوي كل المحتجين، ولعله صغير لدرجة الخطر على الأرواح والممتلكات. ساهم في ذلك الطرفان – معارضو الائتلاف ممن جمعوا الغضب والقوة، وأعضاء الائتلاف الذين جعلوا خصومهم خونة، مجرمين حكمهم السجن.
استدعى نتنياهو المواجهة بالإرادة أو الضعف، فقد عين لحكومته عصبة مشعلي نار وأودع في أيديهم محطات إطفاء النار: لفين في جهاز القضاء، بن غفير في الشرطة، سموتريتش في “المناطق” [الضفة الغربية]، درعي في الاتصالات. التحدي الذي طرح على جمهور كبير من الإسرائيليين، لا على ماذا يحتجون بل على ماذا لا يحتجون.
العميد احتياط أساف أغمون، 74 سنة، هو من رؤساء حركة الاحتجاج، منذ المظاهرات في بلفور. قال لي تعلمت هناك بأنه “باستثناء التصميم والمثابرة، فإن الأمر الأهم هو التواضع”. روى أغمون عن بضعة قرارات اتخذها هو ورفاقه. أولاً دعوة كل السياسيين من أحزاب المعارضة لكن دون دعوتهم إلى المنصة، لا هم ولا الجنرالات والشخصيات السياسية المتماثلين مع الاحتجاج؛ ثانياً، عدم التفرغ إلى عدة مواضيع. سيكون الموضوع الوحيد الثورة التي يعمل عليها يريف لفين في جهاز القضاء. المتحدثون، مواطنون عاديون، سيروون للجمهور ما فعلته لهم محكمة العدل العليا. ثالثاً، السماح لكل متظاهر بأن يحمل يافطته، وعلمه أيضاً، لكن تجاوز المشكلة بطريقة أخرى: قبيل المظاهرة اشتروا آلاف أعلام إسرائيل بهدف غمر الميدان بالأعلام الوطنية، وسيرفع إلى جانبها يافطات كتب عليها شعار واحد “حتى هنا”؛ رابعاً، قوة كبيرة من الحراس – بعضهم مأجورون، وفقاً لطلب الشرطة وبعضهم متطوعون، من خريجي طاقم الجو – للحفاظ على النظام. تركز أكثر، مهرجان أقل.
هذا الجهد يفترض أن يمنع صوراً محرجة. المشكلة أنه لأجل خلق صور محرجة، يكفي اليوم برنامج فوتوشوب: بعد المظاهرة السابقة كان هناك من حرص على أن ينشر في الشبكة صوراً عرضت إحراقا علنياً لصورة الحاخام دروكمان. فقد زيفت الصور، بلا خجل.
هل هذه المظاهرة ستمنع إقرار رزمة القوانين لخصي المحكمة العليا، النيابة العامة والمستشارين القانونيين؟ لا أعتقد. القوانين، كلها أو بعضها، ستحظى بأغلبية في الكنيست. لكن قوة المعارضة كفيلة بأن تؤثر على تطبيق القوانين عملياً، وعلى إجراءات تعسفية أخرى للحكومة أو على فرصها للبقاء في السنوات القادمة. خيراً كان أم شراً، فإن المظاهرات تحدد الجمهور، وتخلق التزاماً، وتؤثر على الخطاب العام وعلى آراء الجمهور في البيت.
المجتمع في إسرائيل ليس ثورياً، ولم يكن كذلك ذات مرة. الحكومة الجديدة هي الأولى التي تعرض على الإسرائيليين ثورة على النظام. في هنغاريا نجح هذا، وفي بولندا أيضاً، لكن لم تكن في هذه الدول تقاليد ديمقراطية. السؤال “هل ينجح هنا؟”، سؤال منوط بعدة عوامل، أحدها طبيعة الأشخاص المتظاهرين في ميدان هبيما.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 13/1/2023