لأنها كانت شاعرة، ومعلمة، كانت جريمة الاعتداء عليها بطعنها في الظهر مؤلمة جدا بين الجزائريين، وخاصة الأساتذة والمثقفين والتربويين، فنظم الكاتب الجزائري «الطيب صياد» أبياتا شعرية وقرأها بصوته على «طعنة الغدر التي تعرضت لها الأستاذة «ريحانة»: «ياطعنة الغدر التي منيت بها… ريحانة من خنجر مسموم… من طعنة نفذت إلى أرواحنا… ذبحت بها منظومة التعليم…من ذا الذي جعل الفتى ذا غدرة…من ذا الذي يهوي بنا لجحيم؟…هذي المناهج أفسدت أبناءنا…زرعت بهم بذرا من التجريم».
وكان «الطيب صياد» قبلها قد علق على ما تعرضت له الأستاذة وسمّاه بالـ «كارثة» تلميذ يغرز خنجرا في ظهر أستاذته! هذا الخنجر قد غرز في ظهر منظومتنا الثقافية التربوية التعليمية منذ أكثر من عشرين سنة. بدأ تخريب الثقافة الجزائرية مطلع التسعينيات، ثم تلاه تخريب مناهج وزارة التربية والتعليم مطلع الألفينات… وهكذا نتج لنا جيل مريض فارغ غير موثوق فيه».
أما الأستاذة «وردة خيلية» فكتبت على صفحتها الرسمية على فيسبوك «لابد من وقفة احتجاجية وطنية للتنديد بالجريمة التي تعرضت لها الأستاذة داخل حرم المتوسطة، فهذا التصرف خطير جدا يدل على أن المؤسسات التعليمية لا تضمن الأمان للأستاذ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما معناه أن الأستاذ سوف يؤدي عمله وهو خائف من تلاميذه وحياته أصبحت في خطر داخل المؤسسة التعليمية».
أما الأستاذ «معاشو بووشمة» فدون على صفحته «(طعنة التلميذ)…ليست مجرد طعنة تلميذ لمعلمة، إنها طعنة مجتمع للعلم وللقيم الجماعية والقيمة المجتمعية للمعلم»… أما «سماح ساسي» وهي من المؤسسة التربوية نشرت على صفحتها على فيسبوك صور بعض التربويين الذين تعرضوا للإهانة والاعتداء الجسدي مثل المشرف التربوي الذي اعتدي عليه من طرف تلميذ سابق في ساحة ثانوية (أولاد هداج) في ولاية بومرداس، مع صورة الأستاذة «ريحانة» مرفقة بصورة أشعة تظهر مكان طعنة الخنجر… وعلقت «عندما يهاااااان المربي داخل حرم المدرسة على الدنيااااا السلااااام».
هكذا ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالجريمة التي تعرضت لها المعلمة «ريحانة بن شية»…»تلميذ يطعن أستاذة بسكين على مستوى الظهر داخل ساحة متوسطة في «تاكسلانت» في باتنة» (من صفحة أيمن محرزي)…الطفل قاصر والمجتمع يبدو أنه قاصر في الحد من هذه الجرائم… والمؤسسات الأخرى المخولة لها حماية الأرواح أيضا عجزت عن تأمين الحماية حتى في مواقع العمل … وفي المدرسة وما أدراك ما المدرسة… حدث هذا في مدرسة «الشهيد عماري السعيد»… وهذا بعدما توعد التلميذ (الجاني) المعلمة بالقتل، ونفذ وعده بطعنها بخنجر طوله أكثر من 17 سم. ويبدو أنه تم التكفل بالمعلمة من طرف السلطات المحلية، من والي باتنة الذي وضع طائرة هيليكوبتر تحت تصرفها إنْ احتاج الأمر لنقلها للعلاج في مكان آخر… كما زارها وزير التربية والتعليم واطمأن على حالتها. لكن المشكل عميق أيها السادة…»في الماضي كان الأب يربي والأم تعاقب، والأخ يراقب والجار يعاتب، والأستاذ ينصح، والمجتمع يعيب والمدرسة توجه. كان العيب وسوء التربية محاصرين من كل جانب… أما الآن تهردت من لجوايه كلها… ربحت كي عاد تلميذ يطعن أستاذة…البارح أستاذة واليوم مراقب وغدوة مانعرف شكون…الله يجيب الخير مع هذا الجيل…أحسنوا تربية اولادكم يا أيها الوالدين»، هكذا علق على الحادثة «أحمد صديقي».
وفي آخر الأخبار المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي عن وضع الأستاذة «ريحانة بن شية» من سريرها في مستشفى باتنة الجامعي، بأنها توجهت للجزائريين برسالة جاء فيها: «السلام عليكم كافة الشعب الجزائري وكافة الأمة العربية الواقفة معي…أنا بخير والحمد لله … وفي تحسن مستمر… دعواتكم لي…قفوا معي… فما أنا إلا عيّنة صغيرة بينكم ومنكم…ولا أنتمي إلا للجماعة …أوصل صوتي إلى أبعد حد… أعدكم ألا أخيّب ظنكم …ولن أتسامح مع أي واحد تسبب في هذه المشكلة التي كادت تودي بحياتي … وأعدكم بأنكم واقفون مع الحق، لأنني لم أظلمه لا لفظا ولا قولا ولا فعلا، وزملاؤه يشهدون».
الأشياء التي كانت ضربا من الخيال تحولت إلى واقع معيش مرير مربك للمجتمع ولقيمه ولثقافته، لكن هل فتشنا في ثنايا تاريخنا الاجتماعي وهل قيّمنا وغربلنا تراثنا الثقافي؟ وهل واجهنا المنظومة التربوية التي همها الوحيد حشو الرؤوس بالمعلومات وليس الفهم والاستيعاب وتلقي المحتويات التي تلقن للتلاميذ خاصة في الطورين الأولين، بأريحية؟
تمثال يوغرطة…وقبح الفن؟
علاوة على ما تخلفه الاحتفالات الرسمية في يناير/كانون الثاني في الجزائر من ردود أفعال وجدل «التحريم» و»التحليل» باعتباره عيدا يروج للوثنية من جهة، وعيدا ثقافيا يجمع الأسر على موائد الطعام والفرح من جهة ثانية. الجدل دخل فيه أئمة ورجال دين منهم من يفتي بتحريمه، ومنهم من يفتي بتحليله… وبعد تتويج هذه الاحتفالات السنوية بـ «نزع الستار على تمثال يوغرطة في قرية «أقبيل» بـ»عين الحمام» في «تيزي وزو» استمر الجدل واشتعل على مواقع التواصل الاجتماعي فكتب «فرج عبد الرحيم» على صفحته على فيسبوك «عين الحمام – تيزي وزو»: رفع الستار عن تمثال البطل/ الملك يوغرطة…أول تعليق ليا أنا كاش واحد يفسرلي «يوغرطة» و»تاكفريناس» و»ماسينيسا» و»يوبا» هل هم من الأوراس…شاوية ولا من تيزي وزو…قولولي يارحم والديكم…دولة نوميديا وين كان المقر تاعها».
وفي المنحى نفسه علقت «إيناس نجلاوي» عن الموضوع «يوغرطة الشاوي المولود في قسنطينة واللي حكم تونس واش داه لعين الحمام في أعالي تيزي وزو…باه ينصبولو تمثال كاريكاتوري…طيحولو في عينيه…وكمشولو وجهو…ولبسوه زي روماني…وخدمولو six-pack abs! ؟ وهو ما يبين العلاقة التاريخية بين «سيرتا» و»عين الحمام» حيث أن اول صالة رياضية في التاريخ ظهرت في دشرة «عين الحمام» (وبالتحديد بلدية اقبيل)، وكان القائد يوغرطة يشد الرحال إليها 3 مرات في الأسبوع باه يخدم لافورم ويدير six-pack كما هو موضح في النصب التمثالي… باه يزوخ بيه على الرومان».
بعد هذه العبارات الساخرة كتبت «نادية نيوز» على صفحتها «بعد تمثال شيشناق الليبي… تمثال جديد في «تيزي وزو» وهذه المرة مع «يوغرطة» القسنطيني… سكان تيزي وزو يقومون كل سنة بتبني شخصية أمازيغية تخلى عنها أهلها… كل التحية لهم ولمحافظتهم على ما تبقى من هويتنا».
لكن بالرغم من التعليقات على عودة ما سمّوه بـ «الأصنام» فهناك إجماع على أن صانع التمثال قد فشل فشلا فنيا كبيرا في ملامح التمثال باعتباره نسخة مما هو متداول من تماثيل ليوغرطة وصوره.
«آمال لعروسي» علقت على صفحتها «يتواصل مسلسل الرعب… تمثال جديد … قالك هذا يوغرطة؟». أما «حسان بن نعمان» (صاحب دار الأمة للنشر والتوزيع) فكتب على صفحته الرسمية على فيسبوك «النحت يقوم به فنان مختص وليس ماصو…احتراف الرداءة في الرداءة… يا خلق حتى الذوق الجميل انتحر».
أما «سناني أحمد» فعلق على الموضوع «يوغرطة (ابن سيرتا) (160ق.م- 104 ق.م)» الملك النوميدي البطل الذي افتك ملك نوميديا من ابني عمه بسبب خنوعهما للرومان… واعلن حربه على الاحتلال الروماني الذي وقعت فيه نوميديا (الجزائر) بسبب سياسة من قبله خاصة جده ماسينيسا !… فهزمهم في مواقع كثيرة مما اضطرهم لاستعمال خيانة صهره (بوخوص) والقبض عليه ونقله إلى «روما» مجرورا بالسلاسل وقطع اذنيه وقتله في سجونها جوعا. الغريب أن هذا البطل الجزائري المغوار صنع له حديثا تمثال في ولاية تيزي وزو وقد ظهر فيه وكأنه أحد جنود روما في زيّه ولباسه! بينما الرومان خلدوا صورته وهو معتقل بلباسه وسحنته الجزائرية في لوحة تاريخية»! ووضع «سناني أحمد» أسفل تدوينته «لوحة تبين القبض على يوغرطة بريشة Joachin Ibarra في أول تعليق».
الملك الذي حاول توحيد بلاده نوميديا وتخليصها من الرومان لم ينجح في جمع الجزائريين في الوقت الحاضر بسبب الخيانة والتخوين، وبسبب الفشل الذريع في إحياء ذكراه وتخليدها في «تمثال» رديء جدا، وبسبب المقام الذي وضع فيه. وبما أن تيزي وزو ازدانت بتمثال «شيشناق» في يناير/كانون الثاني العام الماضي فكان اولى أن تزين «قسنطينة» أو «باتنة» أو أي مدينة من مدن الشرق الجزائري بـ «تمثال يوغرطة» حتى لا نزيد الطين بلة. وهذه ليست جهوية أكثر مما هي عليه حسب رواد مواقع التواصل الاجتماعي المعارضين، بل حكمة خارج فتوى الوثنية وعبادة الأصنام. وكلما ارتفعت سنوات التقويم الأمازيغي الذي وصل إلى عامه 2973 ارتفع الجدل والأصوات المناهضة للاحتفال مقابل الأصوات المساندة له. واحتفالات «يناير» أصبحت عامة في المؤسسات التربوية أكثر من غيرها… احتفالات لم تعد تعبر عن الطقوس التي عبرت عنها شعوب شمال افريقيا بها عن ارتباطها بالأرض وطقوس الخصب، ومحظورات طقوسية لتفادي سنة جدب وقحط ونقص في الثمرات والموارد… لكن يناير أصبح حفلات موسيقية وغناء وأهازيج ولباس تقليدي في معظمه رديء بالرغم مما تسخره الدولة من مهرجانات من أجل أن يعود التراث الملبسي متنوعا ثريا يعكس خصوصيات كل منطقة.
٭ كاتبة من الجزائر