زيارة عُمان: تطبيق «انتخب» وشهاب أبي نواس!

تقمّصت، في أول زيارة لي إلى عُمان، روح قصّاص الأثر القديم، لعلّي أجد آثار من سبقوني. كان ابن بطوطة، الذي زار عُمان في ثلاثينيات القرن الرابع عشر، أحد هؤلاء، فالتقطت، من أثره، وصف سكانها بأنهم «أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبة للغرباء».
يقول الرحالة المغربي الشهير إنه زار منطقة الأحقاف في ظفار، فوجد قبرا كتب عليه «هذا قبر هود بن عابر عليه أفضل الصلاة والسلام» وهو النبي الذي تقول المأثورات الإسلامية إن الله عاقب قومه، من آل عاد، فأرسل عليهم ريحا عاتية أهلكتهم جميعا، لكن، بدلا من ريح عاد المهلكة، كان الطقس في العاصمة مسقط معتدلا وجميلا، بل إن مسؤولين عُمانيين، قدموا، ضمن حيثيات الزيارة، عرضا عن سعي السلطات الحثيث لتسخير طاقات الريح والشمس ومياه البحر لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وهي طاقة نظيفة جديدة ذات مستقبل اقتصادي واعد لعُمان والعالم.
لقد طوت عُمان، على ما ظهر لي، حقبة الرياح العاتية العالمية والإقليمية، التي هبّت عليها مرات عديدة، وتبنّت نهجا يمكن أن تمثله آية «فسخرنا له الريح تجري بأمره» الذي يستعيد إرث السلطنة القديم في قيادة السفن، بنهج يجمع بين التمسّك بالموروث والأصالة والتقاليد، والانفتاح على العالم والتحديث، والتوسّط في صراعات الإقليم والمنطقة.

«انتخب»: صفر ورق وفائزة واحدة!

كان الموضوع الذي جاء إعلاميون كثر لتوثيقه، تجربة جديدة تقوم بها السلطنة التي طوّرت تطبيقا إلكترونيا للاستخدام على الهواتف الجوالة للاقتراع، فتصبح عملية انتخاب أعضاء المجالس المحلية للولايات وفرز نتائجها أبسط وأسرع، وإضافة لأسماء الفائزين يعرف المواطنون نسبة من صوتوا من الذكور والإناث والشباب والكهول، ونسبتهم إلى عدد السكان، إلخ. تستغرق عملية الانتخاب دقائق محدودة وتظهر نتائجها في اليوم نفسه. قارنت المسألة بتجربتي الشخصية كناخب في بريطانيا، حيث يصوّت الناس عبر البريد، أو بالذهاب لمركز صندوق الاقتراع، فوجدت الخطوة العُمانية مثيرة للاهتمام فعلا، والأغلب أن دولا أخرى، قريبة من المعادلة العُمانية، أو شغوفة بالتحديث الرقمي، ستحاول تطبيقها.
دارت أسئلة الإعلاميين الرئيسية المتكررة حول الانتخاب نفسه مثل، سبب تخصيص مرشحين لكل ولاية، رغم أن بعض الولايات أكثر سكانا من غيرها، ولماذا كان عدد المرشحات قليلا، ولماذا لم تفز غير مرشحة واحدة، وكيف يقوم المرشحون بالاعتراض على النتائج. سئل أيضا إن كان التطبيق سيستخدم في انتخابات مجلس الشورى. أشار المسؤولون العمانيون إلى الفوائد التي جنتها السلطنة من توفير الأموال التي كانت تخصص في إنشاء أو اختيار مراكز الاقتراع، والإجراءات المحيطة بذلك، واختصار الوقت والجهد و»صفر ورق» وكنت أتمنى، شخصيا، أن يُطرح موضوع «التمييز» الإيجابي لصالح النساء، إن لم يكن عبر «كوتا» مخصصة لهن، فربما عبر التثقيف والتسويق ودعم المرشحات. تساءلت أيضا إن كان التطبيق يمكن استخدامه في دول عربية، مثل سوريا ومصر، لا يثق أحد بنزاهة سلطاتها؟

من الإعلام إلى ChatGPT

التقيت وزير الإعلام العُماني عبد الله بن ناصر الحراصي، وهو كاتب مثقف ومترجم، وانتبهت إلى وجود اهتمامات متشابهة لدينا بالترجمة والأدب والعلوم الحديثة، وتركز لقائي معه على قضايا ثقافية شغلته، مثل كيفية تحول اللغة إلى فعل اجتماعي، وتقاطع الثقافات والجغرافيا، كما سألته عن كيفية الموازنة بين فكرة وزارة الإعلام كأداة ضبط ورقابة ودعاية، واستثمارها في دعم الكتاب والنشر، وكذلك عن «القوة الناعمة» التي يتوقعها من عُمان. ناقشنا أيضا إصدارات الوزارة، وكان فخورا بما يقدّمه المثقفون العمانيون للعالم، وأشار على سبيل المثال، إلى ملحق جريدة عُمان الثقافي، الذي يمثّل فعلا جهدا ثقافيا مشهودا له، وكذلك مجلة «نزوى» ذات التاريخ الأدبي العريق في تمثيلها للثقافة العربية والعمانية، ولم ننس أن نتباسط حول تطبيق ChatGPT المدهش، الذي سأله أن يكتب قصيدة ترحّب بقدومي، فكتب شعرا بديعا بالإنكليزية في ثوان!
كان سيف الرحبي، الشاعر ورئيس تحرير مجلة «نزوى» رفيق عدة أمسيات، وكنت قد نشرت حوارا طويلا معه في «القدس العربي» من زمن بعيد، وأتواصل معه في قضايا أدبية كثيرة فهو أحد الشخصيات الرئيسية المعبّرة عن الوضع الثقافي العُماني والعربي. كان حمد صبحي الزميل الإعلامي، رفيقنا في إحدى تلك الأمسيات، وكانت الرحلة، بدعوة من الزميل محمد البوسعيدي الملحق الإعلامي الذي يُحسب له أنه ابتدأ نهج تواصل مع المشهد الإعلامي العريض في بريطانيا.
جلت، رفقة الإعلامي العُماني زياد المجيبي، أسواق مسقط ومطرح، والمتحف الوطني القريب من قصر العلم وقلعة الجلالي والقصر الملكي، وفي تلك الجولة القصيرة التي تتموضع فيها العمارة بين الجبال والبحر، وتنحفر بين هذين المكوّنين الطبيعيين، يمكن أن نتلمّس هذه المراوحة العمانية بين الليونة والصلابة، بين مجابهة الغزاة القادمين من البحر (قلعة الجلالي بناها البرتغاليون فوق قلعة عمانية) وضيافة الغريب (بُني قصر العلم، حسبما قيل لي، قبيل زيارة للملكة البريطانية الراحلة اليزابيث الثانية) وبين التمسّك بالمأثور والدين والأصالة، واحتضان التغيير الإيجابي المتدرج.

الأميرة سالمة الألمانية!

أحد أمثلة هذا النهج، كان عرض المتحف الوطني نموذج سرير الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان البوسعيدي، وهو دليل انفتاح وبراغماتية عظيمين، فمعلوم تاريخيا، أن الأميرة المذكورة هربت من زنجبار واعتنقت المسيحية وتزوجت ألمانيا وغيرت اسمها إلى إميلي روث، وكتبت كتابا بعنوان «مذكرات أميرة عربية» لكن سيرة حياتها، عكست أيضا تعاطف أحد إخوتها معها، ورغبتها المحبطة في العودة لبلادها، وهي أحداث تصلح لفيلم جميل. جدير بالذكر، ما دمنا نناقش دالات التسامح العُماني، أن نذكر إشارة زملاء إعلاميين كانوا حاضرين لقضية تصريحات مفتي سلطنة عُمان، أحمد بن حمد الخليلي، مثل تهنئته، عام 2021، «الشعب الأفغاني المسلم الشقيق بالفتح المبين والنصر العزيز على الغزاة المعتدين» وهو ما اعتبر تهنئة لحركة طالبان. والحقيقة أن تلك التصريحات، أيضا، يمكن ربطها بالسياق التاريخي البعيد لعُمان وطيّات شخصيتها المميزة، وسواء كنا نختلف أم نتفق مع الخليلي، فإن سياسة فتح الباب للآراء المختلفة، ما لم تتحوّل لعنف، أمر مفيد لحرية التعبير والحقوق والحريات، وقد رأينا، في نماذج الدراما السياسية في الإقليم، كيف أن كتم الأصوات، المختلف معها، يؤدي إلى فقدان الآخرين حقوقهم بإعلان آرائهم أيضا. سنفترض إذن أن عُمان تنوس، بين عنصرين بارزين دائما، وتتشكل عبر طريقتها الخاصة للتأليف بينهما، وقد وجدت، للتعبير عن هذه الفكرة تكرارا في الأدبيات العربية لثنائية البعد والقرب عند ذكر عُمان، ويمكن تتبع ذلك حين نقارن الاختلاف في ما كتبه ابن بطوطة وماركو بولو، ثم نمسك الأثر في قصائد ابن قميئة، والقتال الكلابي، وجرير، والفرزدق، وبن الدمينة، وانتقاله المشرق إلى المغرب الأقصى والأندلس، لنجد الجذامي يضع مقارنة بين الأرض برمتها وعُمان: «ذكره قد شاع في الأرض إلى أقصى عُمان» ثم يتابع الأثر ابن غلبون (من أهل مرسية) والأعمى التطيلي (من إشبيلية) فيصل الصدى شعراء العصور الحديثة، كما فعل الشقروي الموريتاني (توفي 1943): «تناشده الركبان في كل موكب وتقذفه فاس لأرض عُمان» وصولا إلى أحمد شوقي: «كلّما أن بالعراق جريح لمس الشرق جنبه في عُمانه».
في هذا النوسان الجغرافي والتاريخي، وجدت أبياتا لأبي نواس دالّة عندي، بقوله: «فقام بمبزل فأجاف دنا / كمثل سماوة الجمل الهجان / فسيّل بالبزال لها شهابا / أضاء له الفرات إلى عُمان»!
اشتريت من سوق مطرح شالين عمانيين، وحلوى، وبخور، ولبان، وعدت، من زيارتي الأولى لتلك البلاد، بفهم أعمق لذلك النوسان الجميل، الذي حضر فيه تطبيق «انتخب» وتصريحات المفتي، وشهاب أبو نواس الذي أضاء له الفرات إلى عُمان.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية