الرباط ـ «القدس العربي»: هي مسقط رأس رائد الاحتفالية في المسرح العربي، المؤلف والمبدع عبد الكريم برشيد، ومنها تحدر أيضا أحد صانعي إنجاز المنتخب المغربي لكرة القدم في مونديال قطر، والحديث هنا عن فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (الاتحاد المغربي) ولن ننسى البطل العالمي والأولمبي في ألعاب القوى، هشام الكروج، كما هي عاصمة المتصوفة المنتمين للطريقة البودشيشية القادرية عبر العالم، والتي تتخذ من قرية مداغ مقرا لها.
إنها مدينة بركان التي نقوم بجولة في أرجائها ونكتشف تفاصيل يومياتها، في محاولة لجمع بهاء صورة القلب والقالب في هذه السطور بداية بأصل التسمية ومرورا بتاريخها الحديث، كما نعرج على موقعها، وأهم ما يمزها ومن ذلك تحول إحدى المناطق التابعة لترابها إلى قبلة للمتصوفة في مناسبات دينية مثل المولد النبوي الشريف.
حكاية التأسيس
بركان الواقعة في أقصى الشمال الشرقي للمملكة المغربية، تبعد عن مدينة وجدة بحوالي 60 كيلومترا، وتقع على الطريق بين مدينة الالفية والناظور، الشاطئ غير بعيد عنها حيث يوجد على بعد 25 كيلومترا فقط، فهو يزين مدينة تابعة لها ترابيا، وهي السعيدية الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
شهرتها المتمثلة في التصوف، تضاهيها شهرة أخرى وهي عاصمة البرتقال، حيث الحوامض من أهم منتجاتها، لأنها بالأساس مدينة فلاحية، فهي نمت على ضفاف الري وأهّلها لذلك وجودها على سهل تريفة الذي يعتبر أحد أغنى السهول المغربية.
ورغم طبيعتها الزراعية بالأساس، فإنها عرفت تطورا ملحوظا في المجال الصناعي، وتمتد على مساحة 1985 كيلومترا، وهي التي كانت في بداياتها مجرد مدينة صغيرة الحجم وقليلة السكان.
وعلى حداثة تأسيسها، فإن تشعب الوقائع والأحداث التي أدت إلى نمو بركان، يظل غنيا بالمعطيات، ونذكر هنا القليل من فيض المعلومات الواردة في بعض المراجع، ومنها كون المدينة في بداية القرن العشرين، كانت تسمى فيلاج محند ابركان، والفيلاج تسمية بالفرنسية تعني المدينة الصغيرة. المراجع نفسها تفيد بأنه كان عند جنوب المدينة، تجمع سكني صغير عبارة عن قرية، لا يتعدى سكانها 90 نسمة، يجاورها سوق أسبوعي ينتظم كل خميس، وكان عبارة عن وحدتين سكنيتين بناؤها تم بالطين كما الطريقة القروية «الأرياف» وكانتا تحملان اسم الكرابة الفواكة وتعني الأكواخ الفوقية، والكرابة انبويقشار أي أكواخ الأقرع، باللغة الأمازيغية لأهل الريف في المغرب.
وهنا تدخل الاحتلال الفرنسي الذي كان قد توغل في المنطقة، لينشئ قرية على بعد كيلومتر من الدوار الأصلي، وكان أن تم بناء قنطرة وثكنة عسكرية وبعض الطرق والمنازل ومدرسة إضافة إلى مركز بريد وآخر للتمريض.
وعن أسباب نموها المتسارع، تفيد المراجع بأن الشركات الفلاحية التي انشأها المستعمر كانت سببا في ذلك، لتتحول القرية من صغيرة إلى كبيرة، بعد بداية الزحف السكاني عليها بتواجد العمال في الضيعات، لتتشكل المدينة بعد ذلك رويدا رويدا بداية بنقل السوق الأسبوعي وإنشاء عدد من المؤسسات العمومية.
الاسم لا يوجد فيه اختلاف في الأصل، فقط في مناطق الحروف، مع إضافة أو حذف التعريف أو الواو أو الألف، المهم انها كانت وما زالت كما هي شهرتها تفيد بأنها بركان أو كما قيل في زمن سابق أبركان، ويحيل ذلك على ضريح سيدي محمد أبركان أو في نطق آخر أوبركان.
بالنسبة للحضور الأمازيغي في المدينة فهو واضح ونجده في أهم قبائل الريف المغربي المتواجدة بها والحديث هنا عن بني يزناسن، ولعل الاسم يحيل على هذا الحضور القوي للأمازيغية، لأن كلمة أبركان تعني الأسمر أو الأسود.
أما الفضل الأساس في التطور السريع للمدينة فيعود إلى إنشاء سد مشرع حمادي الذي تم تشييده بين سنتي 1950 و1956 لتتحول بركان إلى مركز زراعي في المغرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وهو ما يفسر الوفرة في الإنتاج الزراعي وعلى رأسه نجد الحوامض التي تبلغ المساحة المزروعة منها 16400 هكتار، أما الإنتاج فيتجاوز 280 ألف طن سنويا، وهو ما يفيد بتشغيل يد عاملة كثيرة، وتعد أيام العمل سنويا بالملايين سواء في الضيعات أو في التلفيف.
وليست بركان مجرد مدينة زراعية، بل لها نصيب من الحداثة المعرفية ونجد ذلك متمثلا في معهد متخصص للتكنولوجيا التطبيقية، ناهيك عن مدرسة فندقية مقرها في السعيدية التابعة لها، وعلى صعيد المركز نجد عددا من الثانويات والمدارس.
المدينة الهادئة
أول ما تستقبل بركان زوارها نافورة تتوسط أهم شوارعها، وقد اعتلتها برتقالة ترمز إلى ما يميزها، حتى أن سيارات الأجرة من الحجم الصغير تزينت باللون البرتقالي، وهي بذلك فخورة بكونها من أكبر منتجي هذه الفاكهة النافعة واللذيذة.
عشاق الرياضة سيجدون ضالتهم في كورنيش مخصص لذلك، جرى تدشينه بمناسبة الذكرى 66 لعيد الاستقلال، ويندرج تشييده في إطار تهيئة ضفة وادي شراعة المحاذية لحي بوهديلة، بموجب اتفاقية شراكة متعلقة بسياسة المدينة لتأهيل المجلس البلدي لبركان 2019 -2021.
وتجسد بركان نموذج المدينة الحديثة التي تصر على التطور والنمو وتواكب مستجدات الحياة الجديدة وتستمد حضورها من روعة موقعها وطيبة ساكنتها وما يحيطها من جمال طبيعي وخير رباني جادت به الأرض المعطاء.
لا يمكن للزائر أن يمر مرور الكرام من مدينة الكرام فعلا، ففيها من الفنادق ما يكفي لإيواء الزائرين، وفيها من المقاهي والمطاعم ما يجعل الإقامة فيها سهلة وميسرة، والأهم انها تنهل من نبع صفاء سريرة أهلها وأصالتهم.
في مجال كرة القدم نجد فريقها الموجود في البطولة المغربية الاحترافية وقد انتزع ألقابا عديدة محليا وقاريا، وله حضور في مختلف المنافسات ويبصم على مسيرة ناجحة خلال السنوات الأخيرة.
الدخول إلى المدينة يمر عبر طريق أخضر من كلا الجانبين، وفجأة تبدأ البنايات في التقاطر وأنت تلتقط بعض الصور لتوثيق الزيارة، الأرصفة نظيفة لا مكان للنفايات أو ما يعكر صفاء الرؤية، كل هذا والخضرة تواصل التسرب من بين يديك أو حول عجلات المركبة التي اخترتها للسفر إلى هذه المدينة الهادئة.
بعد الوصول إلى عمق المدينة تفاجئك تلك البنايات التي اختارت اللون البرتقالي لزينتها، وهو استقبال يليق بخصوبة أرضها وكرم ناسها، حتى بعض محطات الوقود اتخذت من لون البرتقال كسوة لها، وتبقى البنايات معظمها لا يرتفع ولا يحجب السماء، داخل الأحياء السكنية لا تجد سوى البرتقالي لونا لجميع البيوت وتلك الواجهات البهية والأرصفة النقية، كل هذا ضمن مجال حركة غير سريعة، فالوتيرة لا تتصاعد لأنها تسكن إلى الهدوء ولا تتعجل زمنها كما لا تتعجل زائرها.
المرور من الشوارع الرئيسية إلى الأحياء سلس، لا مفر للزائر القادم من مدينة سريعة مثل الرباط أو الدار البيضاء، إلا أن يكيف نفسه مع الهدوء والسرعة المنخفضة، لا مجال لمسابقة الزمن فهو باق في مكانه ينتظرك حتى تنهي جولتك وتجلس في أقرب مقهى ترشف فنجان قهوة أو تشرب كأس شاي، ومن يدري قد يراودك اللون الغالب لتناول عصير برتقال طبيعي جدا.
روحانيات البودشيشية
صيت بركان لا يتوقف عند الحوامض وخاصة البرتقال، بل هناك من الروحانيات ما يجعلها قبلة المتصوفة من أتباع الطريقة البودشيشية القادرية من كل العالم، وليس في ذلك مبالغة، وأكثر من ذلك أسماء وزانة تحضر لمقر الزاوية الشهيرة في قرية مداغ.
هذه الطريقة التي تؤلف قلوب الآلاف من زوارها في مناسبات دينية معروفة مثل عيد المولد النبوي الشريف، يعود أصل تسميتها بالقادرية إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلالي الشهير، وترجع إلى القرن الخامس الهجري، أما تسمية البودشيشية فيحيل بعض الرواة ومعهم مراجع تاريخية، على انها ظهرت مع الشيخ سيدي علي بن محمد، الذي لقب به لكونه كان يطعم الناس بزاويته «الدشيشة» وهي وجبة قريبة نوعا ما من الكسكس، وذلك سنوات المجاعة والتصق به هذا اللقب حتى صارت الزاوية البودشيشية.
اليوم وبعد سنوات طويلة على وجود وحضور الطريقة في حياة المريدين، نجد بركان ومعها مداغ تتحول إلى عاصمة لما يقارب 250 ألف متصوف، يحجون إليها مثلا في ذكرى المولد النبوي الشريف، لإحياء الليلة على إيقاع المديح والذكر والصلاة على خير الأنام، وذلك وفق الطريقة المتبعة في الزاوية، التي صارت من بين أهم الزوايا في المغرب، وتعدت حدود شهرتها إلى خارج الوطن.
قد يصاب الزائر لأول مرة لمداغ بالدهشة من حجم السيارات والحافلات المركونة بجانب مقر الزاوية، لكن ذلك فيض من غيض، وقليل من كثير يعبر طيلة السنة من ممر الذكر والصلاة والابتهال إلى الخالق، من جنسيات مختلفة وأعراق عديدة، والملاحظة الأساس أن بعض الأجانب من أتباع البودشيشية، تجدهم وقد ارتدوا الجلباب المغربي بكل توابعه من بلغة وطربوش أو رزة.
أسماء وازنة
بركان الهادئة، أنجبت أسماء بصمت على حضور متميز في مختلف الميادين، وإضافة إلى ما ذكرناه في مقدمة هذا الاستطلاع، كعبد الكريم برشيد وهشام الكروج وفوزي لقجع، نجد أسماء شهيرة أوردتها صفحة «بني يزناسن» على فيسبوك، ونجد في السينما المخرج كمال كمال، وفي الغناء المختار البركاني، في مجال الآداب نورد هنا اسم سعيد بنكراد، أما الرياضة فالقائمة طويلة نذكر منها حارس المرمى الشهير البرازي، واللاعب الدولي السابق الشاوش، بالإضافة إلى حكيم زياش نجم المنتخب المغربي لكرة القدم، لأن والديه يتحدران من منطقة تافوغالت التابعة لإقليم بركان.
عموما، فإن هذه المدينة الهادئة أهدت صخب الشهرة للعديد من أبنائها الذين بصموا مساراتهم الشخصية ومعها مسارات المجالات التي تخصصوا فيها.