هذا المنشور الجديد يركز على الاقتصاد الفلسطيني وعلاقاته بالاقتصاد الإسرائيلي وتأثير السياسة الإسرائيلية عليه. في مواضيع معينة، أجري تمييز بين المناطق المختلفة للضفة الغربية وقطاع غزة وبين شرقي القدس. الاقتصاد الفلسطيني، مثل دولة إسرائيل، لا يزال ينتعش من وباء كورونا ويتأثر سلباً بالقوى العالمية وبخاصة الغزو الروسي لأوكرانيا الذي أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار يعود في بعضه إلى تشويشات في سلسلة التوريد وكلفة أسعار الغذاء والطاقة في العالم كله. ومثل بنوك مركزية أخرى، رفع بنك إسرائيل الفائدة، مما يؤثر على الاقتصاد الفلسطيني، حيث الشيكل والدولار هما العملتان الأساسيتان. لكن سيكون لهذه الخطوة تأثير طفيف على الفائدة التجارية العالية على أي حال، وعلى معدلات الفائدة على الائتمان من البنوك الفلسطينية التي بكل الأحوال لها قدرة وصول محدودة فقط للتمويل بالشيكل والدولار بسبب الخطر الائتماني العالي. من الشائق أن نشير إلى أن هذه العوائق تفصل الاقتصاد الفلسطيني عن التأثيرات السلبية للسياسة النقدية المقلصة. السياسة الإسرائيلية تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الفلسطيني من خلال تشغيل عمال مياومين، دخلهم في إسرائيل يساوي أكثر من رفع الناتج المحلي الفلسطيني. تشغيل العمال الفلسطينيين في إسرائيل اتسع مؤخراً عقب استئناف تشغيل العمال من قطاع غزة أيضاً.
التشغيل
في الربع الثالث من العام 2022 بلغ معدل البطالة في الضفة الغربية 12.6 في المئة، وهو معدل أدنى مما كان في العام 2021. ونبع الأمر من الارتفاع في تشغيل العاملين في الضفة الغربية، بما في ذلك التشغيل في إسرائيل الذي واصل النمو. قد نعزو الارتفاع في التشغيل داخل إسرائيل لتصنيف مكتب الإحصاء الفلسطيني المركزي العمال من شرقي القدس كعاملين في إسرائيل. باستثناء شرقي القدس، فإن نحو 165 ألف عامل من الضفة الغربية يعملون في إسرائيل في الربع الثالث من العام 2022. كما أن معدل البطالة في قطاع غزة تقلص بفضل ارتفاع طفيف في معدل التشغيل في القطاع نفسه، لكن العدد المتدني نسبياً للعمال من القطاع العاملين في إسرائيل لم ينعكس بعد في الإحصاءات الفلسطينية. في الربع الثالث من العام 2022 بلغ أجر العمال الفلسطينيين في إسرائيل 1.06 مليار دولار، توازي نحو 32 في المئة من الناتج المحلي الخام في الضفة الغربية.
تعمل إسرائيل على تقليص عدد الفلسطينيين العاملين بلا تصاريح عمل في أعقاب هجمات الإرهاب التي نفذها الماكثون غير القانونيين في آذار – نيسان 2022. بالتوازي، زادت إسرائيل عدد تصاريح العمل للعاملين الفلسطينيين. لذا، ارتفع عدد العاملين من حملة تصاريح العمل إلى 126 ألفاً؛ أعلى من عددهم قبل الوباء، فيما أن عدد العاملين بدون تصاريح قل إلى 39 ألفاً. وهذا التغيير سيتواصل، لأن إسرائيل تواصل فرض أنظمة متشددة ضد دخول وتشغيل العمال بدون تصاريح، وتستكمل الحاجز المادي بين إسرائيل وأجزاء في شمال الضفة الغربية.
في آب 2022، أعلنت إسرائيل عن سياسة جديدة تلزم أرباب العمل الإسرائيليين بنقل أجور العمال الفلسطينيين في تحويلة بنكية إلى حساباتهم في بنوك فلسطينية. وتأتي هذه الخطوة للمساعدة في تقليص تراكم الأموال النقدية لدى البنوك الفلسطينية. وستدخل اللوائح حيز التنفيذ في بداية العام 2023 للتسهيل على الرقابة على دفع الأجور وفقاً لقوانين العمل في إسرائيل، في ظل تقليص النشاط الاقتصادي غير الرسمي. هذه السياسة لا تنطبق على الفلسطينيين العاملين في المستوطنات، وعلى العمال من قطاع غزة، وعلى العمال بدون تصاريح عمل. إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يحول للعمال عبر البنوك أجر الحد الأدنى فقط، فيما سيدفع لهم باقي المبالغ نقدًا. هذا النمط سيكون جراء تخوف العمال من فرض السلطة الفلسطينية الضرائب عليهم، وعقب استخدام محدود لجزء من العمال لخدمات البنوك الفلسطينية. كما أن مطلب تحويل الأجر الشهري من رب العمل الفرد لكل عامل، غير مناسب للعمال الذين يتنقلون بين عدد من أرباب العمال في كل شهر، مثلما هو شائع في مجال البناء. السياسية الجديدة أثارت احتجاجاً من العمال الفلسطينيين الذين أضربوا في آب 2022 وهناك تخوف من أنها ستشجع الفلسطينيين على العمل في إسرائيل بدون تصاريح مثلما حصل في فترة كورونا.
ثمة افتراض بأن سيؤدي دفع أجر جزئي بتحويلة بنكية مثلما هو أيضاً تقليص فوائض النقدي بالشيكل، إلى ارتفاع السيولة بالشيكل في المنظومة البنكية الفلسطينية وتحسين الاقتصاد المالي في المناطق القروية في الضفة الغربية. من المتوقع لهذه العملية في المستقبل أن ترفع مردودات البنوك الفلسطينية على الشواكل المحفوظة في المنظومة المالية في إسرائيل وتعزيز آلية التزام سياسة الفائدة لبنك إسرائيل بمعدلات الفائدة في البنوك الفلسطينية.
توقف تشغيل العمال في إسرائيل في فترة كورونا واستؤنف في تشرين الأول 2021 حيث ارتفع عدد تصاريح العمل بالتدريج من 7 آلاف إلى 15.500 في آب 2022. في آذار 2022 قررت إسرائيل بشكل رسمي تشغيل العمال من القطاع في إسرائيل ابتداء من آب في تلك السنة بشكل مشابه لما هو في الضفة الغربية، كما قررت سقف 20 ألف عامل من قطاع غزة: 12 ألفاً في البناء و8 آلاف في الزراعة. في أيلول 2021 كان 83 في المئة من العمال -وفق استطلاع معهد بحوث الأمن القومي- لا يعملون، وكان أجر من كانوا يعملون نحو 1.040 شيكل في الشهر. بالمقابل كان الدخل الشهري المتوسط للعمال من قطاع غزة في إسرائيل 6.300 شيكل. نحو 61 في المئة من المستطلعين يعملون في فرع البناء وأجرهم عالٍ، بينما 13 في المئة يعملون في فرع الزراعة بأجر أقل نسبياً. نحو ربعهم يعملون في فروع الإنتاج، التجارة والخدمات، حيث الأجر أعلى مما في الزراعة. ينبع من هذا أن إنفاذ السقف في الفروع قد يمس بدخل نحو ربع العمال.
النمو
نما الناتج المحلي في الضفة والقطاع بـ 3.6 في المئة في الأرباع الثلاثة الأولى من العام 2022 مقارنة بالفترة الموازية من العام الماضي، وسجل نمواً ثابتاً منذ ستة أرباع، وذلك بعد ركود حاد وانكماش في الناتج المحلي في العام 2020 في أعقاب الوباء الذي استمر حتى نهاية الربع الثاني من العام 2021. بعد ذلك، سجل انتعاش سريع مع نمو مبهر بمعدل 19 في المئة في الربع الثالث من العام 2021، مقابل العام 2020 بفضل التطعيمات والتسهيل في كورونا. ونبع النمو أساساً من ارتفاع مردودات ضرائب الاستيراد في الضفة. أما النمو في قطاع غزة فنبع أساسًا من اتساع نشاط الزراعة والصيد، والإنتاج، والكهرباء والمياه، والبناء، والنشاطات العقارية، وكذا في الإدارة العامة والأمن. النشاط الاقتصادي الخاص في القطاع لا يزال مشلولاً. رغم النمو العام، بقي الناتج المحلي الفلسطيني للفرد أدنى بنحو 5 في المئة من مستواه قبل الوباء، في الربع الرابع من العام 2019. اتسعت الفجوة في مستوى المعيشة بين الضفة والقطاع في أثناء الوباء. والناتج المحلي الحقيقي للفرد في الربع الثالث من العام 2022 نما بـ 2 – 3 في المئة، سواء في الضفة أم في القطاع. وحسب البنك الدولي، من المتوقع إبطاء في النمو الاقتصادي في العام 2022 إلى مستوى سنوي 3.5 في المئة مقابل 7.1 في المئة في العام 2021. ونبع الأمر من انعدام يقين متزايد في أرجاء العالم، وتخفيض في الاستهلاك والاستثمار في ضوء الارتفاع الكبير في معدل التضخم المالي.
الوضع المالي
تعاني السلطة الفلسطينية من عجز بنيوي كبير، وارتفعت نفقاتها في العام 2021 بـ 20 في المئة عن المداخيل. وتفاقم العجز المالي بسبب انخفاض ثابت في المساعدات الدولية، التي شكلت منحها 1.8 في المئة فقط من الناتج المحلي في العام 2021 – أي انخفاض مقابل 27 في المئة في العام 2008. إضافة إلى ذلك، تخصم إسرائيل جزءاً من المداخيل الفلسطينية من مردودات الضرائب التي تجبيها والتي يفترض بها أن تنقلها إلى السلطة الفلسطينية حسب بروتوكول باريس. على الرغم من ذلك، حولت إسرائيل في العام 2021 مبلغاً أقصى هو 9.3 مليار شيكل، شكلت 63 في المئة من عموم مداخيل السلطة الفلسطينية. مداخيل الضرائب في الاقتصاد الفلسطيني متدنية، لكنها في السنة الماضي ارتفعت إلى نحو 23.5 في المئة من عموم المداخيل، مقابل 21.3 في المئة في العام 2020. والضرائب التي تجبيها إسرائيل ستزداد كماً ونوعاً بسبب الإصلاحات في السياسة التجارية الإسرائيلية. أما ضريبة الدخل التي تفرض على الفلسطينيين العاملين في إسرائيل فتشكل أقل من 3 في المئة من تحويلات الضرائب، وإن كانت هي أيضاً سترتفع في ضوء الارتفاع في عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل. صحيح أنه من غير المتوقع تغييرات جوهرية في العام 2022 لكن بعضاً من الميول الإيجابية واضحة للعيان. من كانون الثاني حتى حزيران 2022 ارتفعت مداخيل الضرائب بـ 1.19 مليار شيكل مقابل العام 2021، بفضل الارتفاع في الناتج المحلي وتحويلات مقاصات الضريبة. في الفترة نفسها، ارتفعت النفقات العامة وحجم الائتمان الصافي بـ 1.5 مليون شيكل فقط، ومعنى الأمر أن العجز في الميزانية تقلص من 1.5 مليار شيكل في النصف الأول من العام 2021 إلى 501 مليون شيكل في النصف الأول من العام 2022. ويواصل العجز في التقلص حتى 359 مليون شيكل بفضل الدعم الخارجي الذي ارتفع في النصف الأول من 2022 إلى 143 مليون شيكل مقابل 98 مليون شيكل في الفترة الموازية من العام الماضي. بلغ العجز المالي العام 5.2 في المئة من الناتج المحلي في العام 2021، وفي النصف الأول من العام 2022 انخفض إلى 0.4 في المئة من الناتج. لكن لا تزال حاجة إلى إصلاحات في جانب المداخيل والنفقات للوصول إلى وضع مالي مستقر أكثر على مدى الزمن، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل العجز المالي في السلطة إلى 3.5 في المئة من الناتج في نهاية السنة.
التضخم المالي والسياسة النقدية
إن معدل التضخم المالي في إسرائيل والأردن، جيران السلطة الفلسطينية وذوي عملات مستقرة، بلغ 5 في المئة في تموز 2022. ووصل التضخم المالي في مصر إلى 20 في المئة في أواخر 2022. أما التضخم المالي في الاقتصاد الفلسطيني فكان أدنى مه في إسرائيل، رغم أن الجدولين يحسبان بالشيكل. معدل التضخم المالي السنوي في الاقتصاد الفلسطيني بلغ 4 في المئة تقريباً بين أيار وتشرين الأول 2022.
وعلى الرغم من أن قروض البنوك الفلسطينية في الشيكل أو الدولار، فإن التأثير المباشر لرفع الفائدة في إسرائيل وفي العالم على الاقتصاد الفلسطيني سيكون محدوداً وبطيئاً أكثر. لا يوجد في السلطة الفلسطينية بنك مركزي يساعد البنوك عند الفشل بالقروض كمخرج أخير. ويشار إلى أن هذا التأثير السلبي كفيل بحماية الاقتصاد الفلسطيني من تأثيرات سلبية للتقلص النقدي بذات الشكل الذي حماه من الركود الكبير.
التجارة
يواصل الاقتصاد الفلسطيني المعاناة من عجز تجاري واسع يمول في قسم منه بتحويلات أجور العمال الفلسطينيين. استيراد البضائع إلى السلطة الذي بلغ حجمه 480 مليون دولار في الشهر من العام 2019 وحتى منتصف العام 2021 ارتفع بانتظام في النصف الثاني من العام 2021 وبلغ أكثر من 650 مليون دولار في أشهر كانون الثاني – آب 2022. في كل هذه الفترة، كان نصيب استيراد البضائع من إسرائيل 55 في المئة من إجمالي الاستيراد المسجل. أما حجم التصدير الفلسطيني فارتفع هو أيضاً في أثناء الوباء وفترة الانتعاش منه من 86 مليون دولار في الشهر قبل الوباء إلى 110 مليون دولار في الشهر في النصف الأول من العام 2021 وحتى 122 مليون دولار في النصف الأول من العام 2022. التصدير إلى إسرائيل وعبرها إلى الاقتصادات الأخرى، ما زال يشكل الأغلبية الساحقة من التصدير. وتشير الإحصاءات الإسرائيلية أيضاً إلى ارتفاع بمعدل نحو 55 في المئة في استيراد البضائع والخدمات الفلسطينية من إسرائيل في السنتين الأخيرتين إلى مستوى ذروة بنحو 1.8 مليار دولار في الأرباع الثلاثة الأولى من 2022. ونما التصدير الفلسطيني للبضائع والخدمات وقوة العمل بمعدل مشابه، وإن كان من مستوى أدني. العجز التجاري والتشغيلي الفلسطيني تجاه إسرائيل بلغ نحو نصف مليار دولار في الربع الثالث من العام 2022.
الزراعة
يتضح نمو الزراعة الفلسطينية مقارنة بالعام 2010 وفي العام 2020 وكذا من معطيات أخرى. وازدادت أهمية هذا الفرع بسبب عوامل، منها كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا والتغيير المناخي، التي أدت إلى ارتفاع في أسعار الغذاء وتخوفات في موضوع الأمن الغذائي المحلي. في العام 2022 ارتفعت أسعار الغذاء بـ 6 – 7 في المئة مقارنة بصيف 2021. والانخفاض الذي سجل مؤخرًا في أسعار الحبوب وغيرها من المواد الغذائية في أرجاء العالم يفترض أن تلطف ارتفاع الأسعار في المديين القصير والمتوسط. إن النمو السريع للسكان الفلسطينيين في أعوام 2010 – 2021 بمعدل 26 في المئة في الضفة و33 في المئة في القطاع، يفاقم تحدي تغذية السكان المحليين. القيمة المضافة العددية للإنتاج الزراعي في هذه الفترة ارتفعت بـ 26 في المئة سواء في الضفة أم في القطاع، فيما أن الاستيراد الزراعي ارتفع بمعدلات أعلى من ذلك. والنتيجة هي انخفاض في حجم الإنتاج الزراعي المحلي المستهلك والمصنع في هاتين المنطقتين. كما سجل انخفاض في معدل الفلسطينيين العاملين في الزراعة. استهلاك الغذاء من إنتاج ذاتي ظل محدوداً بل وانخفض في الضفة وبقي هامشياً في القطاع. بشكل عام، طرأ انخفاض في أهمية الزراعة الفلسطينية كمصدر للغذاء والعمل، وطرأ ارتفاع في حساسية الاقتصاد الفلسطيني للتغييرات في الأسواق العالمية والإقليمية في هذا الفرع.
المقارنة بين 2010 و2021 تبين تركيز متزايد للزراعة الفلسطينية في الخضار والبيض والدجاج، في هذه الفترة سجل ارتفاع في حجم الأراضي المخصصة لزراعة الخضار في المنطقتين، وكذا في تربية الدجاج للطعام ولإنتاج البيض.
بقلم: حجاي أتكس واستبن كلور
معهد بحوث الأمن القومي 26/1/2023