تولوز (جنوب فرنسا) ـ «القدس العربي»: فيلم محمد ملص الأخير «سلم إلى دمشق» (2013) هو فيلم عن السينما قبل كل شيء، يحاول أن يروي حكاية السينما في سوريا، السينما الموؤدة كما يسميها ملص، فيما يضع عنواناً لمشروع مفكرة سينمائي تؤرخ لتجربته وجيله منذ عام 1974.
ولكن أليست حكاية السينما في هذه البلاد هي حكاية كل شيء، ويمكن عبرها أن تروى حكاية سوريا الموؤدة نفسها؟ يبدأ الفيلم (وهو عرض أخيراً في مدينة تولوز الفرنسية) بمشهد لشاب يتوجه مباشرة للجمهور متحدثاً عن وصية أبيه الذي أعطاه الكاميرا وقال له أن يصور كل ما تقع عليه عيناه في الشارع. يتحدث الشاب عن أبيه في اللحظة التي تظهر في الخلفية لقطات للسينمائي السوري الراحل نزيه الشهبندر (1913-1996)، وهو سينمائي رائد ومبتكر سبق للمخرج ملص (بالاشتراك مع زميليه عمر أميرالاي وأسامة محمد) أن حقق عنه فيلماً تسجيلياً بعنوان «نور وظلال». يظهر الشهبندر في لقطة يتحسّر فيها على أرشيف السينما، والمشهد يبدو اختصاراً لما أراد ملص قوله، حيث السينما بالنسبة له هي العالم، ولم تكن عبثاً تلك اللقطة التي استخدمها المخرج في فيلم ترويجي «كلمة السر: سينما»، كما لو أن السينما هي سرّ العالم، وليست فقط مفتاحاً لبيت.
تحضر السينما في فيلم «سلم إلى دمشق» بشكل كثيف، عبر السينمائي الشاب، ويمكن القول إنه المعادل الموضوعي للمخرج نفسه، وكان كل الوقت يعرض في منزل يجمعه مع مستأجرين شركاء، لقطات صورها بنفسه، أو من أفلام عالمية، من بينها مشاهد مداهمات وبشر مصفوفين على حائط، في إيحاء أن هذا نفسه ما يجري في الشارع السوري، الذي لم يتمكن ملص من تصوير مشاهد مباشرة منه، بالإضافة إلى مشهد يقوم فيه السينمائي الشاب بوضع بوستر من أحد أفلام الراحل أميرالاي (1944-2011) على قبره مع عبارة تقول «انكسر الخوف، الطوفان يا عمر»، في إشارة إلى فيلم أميرالاي الذي انتقد النظام السوري بجرأة «طوفان في بلاد البعث» (2003)، هناك مشاهد من تسجيلي لملص «فوق الرمل، تحت الشمس» (1995) وتستخدم المشاهد هنا كما لو أنها من شغل السينمائي الشاب نفسه في الفيلم يحققها عن والد بطلة الفيلم.
سؤال السينما سيكون هو الحاسم في ختام الفيلم، حين يسمع الناشط حسين مرعي بخبر استشهاد السينمائي الشاب باسل شحادة (1984-2012)، وهو كان تركَ دراسته في الخارج وانضم إلى ثورة شعبه، ومن بين ما قدّمه تدريب الناشطين السوريين ومساعدتهم في أمور التصوير والمونتاج. يكسر حسين جهاز التلفزيون ثم يأخذ سلّماً إلى سطح المنزل، ليختم بصرخة «حرية»، في حركة يختلط فيها اليأس بالتحدي، يليها عتم وصوت انفجار، ليبقى الفيلم أيضاً سؤالاً مفتوحاً على نهايات غامضة.
لماذا التقمص؟
الحكاية الموازية لحكاية السينما في الفيلم هي ما يعتمل في مخيلة شابة (غالية- نجلا الوزة) واعتقادها بأنها تعيش قصة تقمّص، فهي تقول إنها ولدت في اليوم نفسه الذي انتحرت فيه زينة (الممثلة جيانا عنيد) غرقاً في بحر طرطوس. الفكرة تجد مبررها بأن البنت غالية تتحدر من مدينة طرطوس، والتلميح واضح بأنها تنتمي لطائفة تؤمن بفكرة التقمص. هي مؤمنة بخيالاتها إلى حد أنها استدلت على بيت زينة، البنت الغريقة، وعائلتها حيث تسكن في دمشق.
جزء كبير من الفيلم هو هذه البنت (غالية) وعلاقتها المضطربة مع البنت (زينة) التي تسكنها. فتلك انتحرت إثر اعتقال أبيها (الدمشقيّ) المعارض للنظام (يؤدي دوره هنا الممثل غسان جباعي)، لكن هذه ستولد في عائلة ضابط مسرّح في إشارة إلى أنه معارض هو الآخر. وهي تقرر أن تلتحق بالتظاهرات المناهضة للنظام في ضوء اعتقال أخيها.
لا ندري أي معنى يريده المخرج من حكاية التقمص، لبنت انتحرت في ثمانينيات القرن الماضي، الفترة التي شهدت عنفاً مسلحاً انتهى بمجزرة رهيبة على يد نظام الأسد الأب كان ضحيتها عشرات آلاف الأبرياء من مدينة حماه، لتولد من جديد في عائلة أخرى، وتشبّ في عزّ اندلاع الثورة السورية. هل يرمي الفيلم إلى الربط بين الفترتين، ليقول إن ما بقي عالقاً هناك لا بد له أن ينبت في زمن آخر؟ أم أن هناك معنى مبطناً بخصوص العلاقة لبنتيْن تنتميان إلى طائفتين مختلفتين في سوريا؟
ربما يساعد بوستر الفيلم في تأكيد أن حكاية الفيلم تقع كلها في شخصيتيْ البنتين، حيث يجسد البوستر الفتاة التي تعطينا ظهرها وتتجه إلى الغرق في البحر، وتلك التي تقف على نافذة وترفع ستارة لترى المستقبل. في ختام الفيلم، لم يرد المخرج أن يقول ما تراه البنت، وجيلها من سكان ذلك البيت الدمشقي، في مستقبل البلاد، فترك الحكاية معلقة ومفتوحة، لكن يبدو أن الواقع هو ما حسم الحكاية، حيث قضت البنت، الممثلة نجلا الوزة في الواقع، انتحاراً، كأنها تكمل حكاية الفيلم في الواقع.
حكاية الممثلة الوزة التي قضت منذ شهور تأخذنا إلى تأمل ما يمكن أن يفعله مرور الزمن بفيلم سينمائي، فلم تكد تمضي سنتان على إنتاج «سلم إلى دمشق» حتى تحوّل إلى وثيقة وشهادة سينمائية نادرة، ليس بفعل موت الوزة فقط، وقد عُرفت الممثلة الشابة بتأييدها للثورة السورية، ولديها أعمال فنية تشكيلية تعبّر عن ذلك، ولكن لأن الفيلم يقارب بأسلوبه الفيلمَ التسجيلي، حيث بعض شخصيات الفيلم ظهرت بشخصياتها وأسمائها في الواقع، فهذه نحاتة جاءت إلى الفيلم باسمها وشخصيتها ومنحوتتها، وهذا معتقل سابق روى تجربته نفسها، وهذه لاجئة عجوز من حمص جاءت تلعب دور كومبارس تقول فيه كلمتين. كذلك فإن الفيلم يفرّخ في مكان آخر، حين يقوم زياد كلثوم، وهو يلعب دور شاب في الخدمة العسكرية الإلزامية، أي كمان كان في الواقع آنذاك، بتحقيق الفيلم السينمائي «الرقيب الخالد»، وهو في نصفه تقريباً يغطي كواليس تصوير «سلم إلى دمشق» ليكون شهادة أخرى عن السينما في سوريا. الفيلم إذن يمتد في الواقع بطريقة يصبح معها مفكرة ليوميات وشخصيات يصعب التملص منها، بل وقد ارتبط بأحداث فصار له مساره وذاكرته الخاصة، في أثناء تصويره جرى اعتقال مهندس الصوت غانم المير، بل أن المخرج نفسه جرى توقيفه لساعات أثناء مرافقته لعرض الفيلم خارج البلاد.
ايوجيما السورية
اللافت أن معظم شخصيات الفيلم بلا فاعلية أو معالجة تذكر، لأنها شخصيات لا تتطور ولا تؤثر في مسار الحكاية، الصوفيّ والملاكم والنحاتة والطالب وابن الجولان المحتل والعسكري والصحافية، أولئك ممن يتشاركون البيت، ويبدو أن المخرج أرادهم على صورة سوريا التي تلمّ طوائف وقوميات، يبدو هؤلاء، حتى لو تميز بعضهم في أدائه، وكأنهم مجرد كومبارس لرفع السلّم في المشهد الختامي، في مشهد يذكّر بالصورة الشهيرة لرفع العلم الأمريكي على قمة جبل ايوجيما.
في الفيلم نقد واضح ولاذع للنظام، وقد يكون الأقوى لفيلم مشغول في مناطق تحت سيطرته، ليس فقط بسبب الانتماء الصريح لبعض أبطال الفيلم للثورة السورية، حتى لو لم يذكر اسمها بهذا الوضوح، فهناك تجربة المعتقل غسان جباعي الذي يصف الناس مطأطئي الرؤوس في الشارع السوري، وينتقد أن يعتقل الناس لسنين طويلة بسبب كلمة أو رأي، وهناك مشهد السيدة صاحبة البيت تصف مفجوعة ما جرى للناس في الجامع الأموي بدمشق إثر تظاهرة في يوم جمعة، وهناك مشهد قوي وحوار ذكي موارب، حيث بشار الأسد يلقي خطاباً على شاشة التلفزيون، والضابط المسرّح، والد غالية، أمامه. يرفع صوت الجهاز ليسمع أفضل، بعد هنيهات، وبعد أن فهم في ضوء الخطاب ألا جدوى، تسأله زوجته بأن ابنه اتصل من خارج البلاد ويسأل إن كان عليه أن يعود، يجيبها أن تخبره بألا يأتي، يعترض بالقول، والخطاب ما زال مستمراً «إلى متى تريدون أن تنظروا لكل تمرد على أنه فتنة؟». كل هذا السخط والغضب واليأس كان بفضل خطاب الأسد كما هو واضح، وهذا اعتراض غير مألوف في سينما أنجزت «تحت سقف الوطن».
راشد عيسى