يتكوّن الخطاب الأدبيّ من الشّعر والنّثر، وما بينهما لا يعدو الفروق التي لا ترقى إلى مستوى التّقابل، فالتّقابل ليس بين الشّعر والنّثر، وإنّما هو بين الخطاب الأدبيّ والخطاب العاديّ.
ما أشدّد عليه في السياق الذي أنا به، أنّنا نحتاج في قراءة الأدب العربي الحديث شعرا وسردا، إلى إنشائيّة كلّ من الشّعر والنّثر؛ لأنّ هذه الإنشائية تلازم كلّ مستويات أجناس الكتابة؛ مثلما هي تلازم أيضا وظيفة الاستعارة والكناية. ومن المفيد ألاّ نقف بهذين المصطلحين (الاستعارة والكناية) عند حدود الدّرس البلاغيّ أو الرّؤية النّقدية الضّيّقة التي تحصرها في الصّورة لا غير. بل علينا أن نجتاز منها إلى البحث في أوجه التّمايز بين العامليّة الاستعاريّة والعامليّة الكنائيّة في الخطاب الأدبي. ومن شأن هذا البحث أن يجعلنا نحكم التّمييز بين الأساليب التي يتوخّاها الشاعر أو السارد في استعمال الكلام العاديّ «النثريّ» أو ما جرت العادة به من كلام العامّة، و«النّثريّ» الفنّيّ بشتّى ضروبه؛ وما هو مورّى منها وما هو معمّى؛ طبقا لعلائق المشابهة أو المجاورة بينها وبين «الشّعري». فإذا كان «الشّعري» يقترن بـ«غير الشّعريّ» في هذا الخطاب فإنّ السّؤال الذي ينشأ: أهو اقتران استعاريّ أم هو اقتران كنائيّ؟ أم أنّ الأمر لا يعدو مناوبة بينهما تتّسع لتشمل الأنظمة اللّفظيّة على قدر ما تشمل الأنظمة الرّمزيّة؟ بل هل من حقّنا أن نميّز بين «شعريّ رفيع» و«غير شعريّ»؛ ما دامت كلّ هذه المستويات تنضوي إلى الخطاب نظما وإيقاعا؟ أليس من شأن هذا التّمييز أن يعيدنا إلى تلك القسمة القديمة التي تتوزّع الكلمات بمقتضاها على «شعريّ» و«غير شعريّ»، وهي «قسمة ضيزي» يصعب أن نفهمها حقّ الفهم، ما لم نربطها بالسّياق التّاريخيّ الذي نشأت فيه، وبوضع عما جرى عليه الشعر والنقد مثلما جرت عليه العربية نفسها؟
بل أليس في شعرنا الحديث، كما كان الشأن في «المحدث» مع أبي تمّام خاصّة، ما يبطل التّمييز بين الكلام «العاديّ» والكلام «الفنّيّ»، فالشّعريّة تعلق بهذا مثلما تعلق بذلك؟ بل إنّ الرّسالة كثيرا ما تفلح في جذب الانتباه إلى إنشائيّتها الخاصّة، من خلال ظهور «العاديّ» و«البسيط السّاذج» ظهورا مفاجئا يفاجئ القارئ المتمرّس بالشّعر القديم وبـ»لغته المثال». وما يعنينا هنا إنّما هي القاعدة التي يجري عليها «العاديّ» من «الفنّيّ» أهي تقوم على المشابهة والمطابقة الاستعاريّة أم على المجاورة والاستبدال الرّمزيّ الكنائيّ؟
فعسى إذا توضّحت لنا هذه القاعدة وقوادحها أن نستكشف في النّصّ أنماطا من الكتابة الشعريّة أو الأدبيّة غير البلاغيّة المعهودة.
إذ لا يكفي في حدّ الخطاب القول إنّه يتكوّن من كلمات، فالأصوب أنّه مكوّن من كلمات يعلق بعضها ببعض في هيئات وصور مخصوصة. ومن ثمّ أسوّغ دون ادّعاء ترجمة المصطلح الشّائع في الدّراسات الحديثة «خطاب» بالنّظم حينا أي بمفهوم عبد القاهر الجرجاني وبالإيقاع حينا، أو بالاثنين معا؛ ولا أنسى أنّ الأستاذ التونسي حمّادي صمّود ترجم «الخطاب» بـ«الكَلِم»؛ ولهذا وجه من الصواب سائغ مقبول.
بل لا أجد أيّ مسوّغ للفصل بين هذه المصطلحات الثّلاثة، إلاّ أن يكون ذلك على سبيل الإجراء المنهجيّ لا غير. من ذلك مثلا ظاهرة الاشتقاق اللّغويّ، سواء توخّى فيها الشّاعر أو السارد القياس أو خالفه، فمثل هذه ظواهر بعضها لغويّ (صرفيّ)، وبعضها بلاغيّ، وبعضها نحويّ. ولو اقتصرنا في حدّها على هذا الوصف لما أمكن أن نظفر بضالّتنا منها في اكْتناه إنشائيّة الخطاب. فهي عند شاعر مثل سعدي يوسف ومحمود درويش وأمل دنقل مترابطة إيقاعياّ بقوانين النّظم، ودلاليّا على أساس من قاعدة المجاورة. وكأنْ لا هدف للشّاعر منها سوى أن يكنّي باللّغة عن اللّغة. غير أنّني لا أحبّ أن أسارع؛ فأقرّر أنّ السّيادة في هذا الشّعر إنّما هي للكناية، وليست للاستعارة أو أنّ خطة الكتابة الشّعريّة عند هؤلاء الشعراء كنائيّة بالأساس؛ فهذا استنتاج أمسك عنه، وليس لي أن أمضي فيه وأقطع بالرأي؛ حتّى وإن وقع في الظّن أنّ المجاورة هي القاعدة التي تجري عليه خطّة الكتابة عندهم، أو أغرتنا بعض الظّواهر الأسلوبيّة في شعرهم بهذا الطّرح. وهذا وغيره ممّا آتيه على حذر، وأتريّث في اختباره، بسبب من ظواهر أخرى في هذا الشّعر من شأنها أن تكبح من غلواء أيّ تأويل لا يأخذ المحدث قديما والمحدث حديثا، بكلّ مظاهره، أو هو يتغافل عن سياقه. من ذلك مثلا اطّراد المماثلات والمحاكيات التي تحيل على مطابقات ذات طبيعة استعاريّة حيث ماهية الشيء من ماهية شبيهه؛ فبدل أن يقوله الشّاعر يقول ما يشبهه. ولو كان في هذا المقال فسحة، لقارنت بين «متنبّي» أدونيس في «الكتاب» و«متنبّي» الجواهري؛ فقد جعل الأوّل من المتنبّي «براديغم» فيما أعاد الثاني إنتاجه أو هو اتّخذه «منوالا».
وللتوضيح فـ«البراديغم» أو»المثال» أو «الأنموذج» كما يترجمه البعض، إنّما يتحدّد على أساس من جملة العناصر «المعياريّة»؛ وهو من ثمّة يتمثّل «قاعدة». لكنّه يختلف في «الكتاب» عن الأنموذج الأصلي الذي يتّخذه شاعر مثل الجواهري «مثالا» لعمله الشعري.
على أنّ المطابقات الأدونيسيّة ليست استعاريّة بالمعنى البلاغي للكلمة، وإنّما هي تعبيرات شبه استعاريّة إذ هي لا تمثّل بأيّ حال نقل المعنى نقلا اختياريّا أو مقصودا كما هو الشأن في الاستعارة البلاغيّة؛ بل هي من كتابة كنائيّة خاصّة بالشاعر. بل إنّ «الكتاب» لأدونيس شكل مستحدث في الكتابة الشعريّة عندنا (وغنيّ عن الذكر أنّ كلمة «كتاب» إنّما أطلقت على أثرين أوّلهما دينيّ هو «القرآن» والثاني لغويّ نحويّ هو «الكتاب» لسيبويه) وها نحن الآن إزاء «الكتاب» الذي يسدّ نقصا في ثقافتنا وهو الكتاب الشعري.
لأقل إنّ «الكتاب» لأدونيس «إيكرونيا». و«الإيكرونيا» مصطلح وضعه شارل رونوفييه في القرن التاسع عشر، ولا أعرف له مقابلا عربيا؛ ولا أحبّ أن أقطع برأي في ترجمته، وأن كنت أقترح له «التخييل التاريخي» أو «تخييل التاريخ» أو «يوتوبيا التاريخ». والمقصود به ضرب من التخييل، أساسه إعادة كتابة التاريخ، على أساس من إعادة صياغة الماضي. وهو من هذا الجانب، حدث لم يقع، أو قصّة مغايرة للواقع تدور أحداثها في عالم شبيه بعالمنا، ورغبة المؤلّف في أن يضع نفسه في الماضي، أو «وعي الماضي في الماضي» حيث يفترض افتراضاته على التاريخ ووقائعه وعواقبه ونتائجه، ويعدّلها متخيّلا شتى احتمالاته؛ أي التاريخ كما يمكن أن يكون. وهو بعبارة دالّة حقّا «أرض مجهولة تقع خارج الزمن» أو «زمن لا زمن له»، فالمتنبّي هو المتنبّي وليس المتنبّي؛ ممّا يقتضي منّي وقفة غير هذه.
هو «متنبّي» أدونيسيّ خالص أي «كتابيّ». وعند الجواهري أو حتّى عبد الرزّاق عبد الواحد مطابقات بلاغيّة مصدرها الشّفهيّة حيث يمكن أن نستبدل المحسوسات بالمجرّدات مثل التّعبير عن الأشكال الهندسيّة من مربّعات ودوائر… وهي مجرّدات بأسماء أشياء كأن تسمّى الدّائرة طبقا أو قمرا. أمّا عند أدونيس فهي دليل على غنى لغويّ ومرونة في استخدام الدّوالّ والتّلاعب بالمسمّيات، حيث الكلمة تتّحد جزئيّا بكل الكلمات التي تملأ مكانها، أو التي يمكن أن تحلّ محلّها. وربّما أمكن إدراكها، طالما هي تنضوي إلى كلمات أخرى إمّا معنى أو دلالة؛ كما هو الشّأن في المترادفات والمتضادّات، وإمّا أصواتا وأجراسا كما هو الشّأن في الكلمات المتجانسة؛ أي الرّاجعة عند الشاعر إلى علاقة المجاورة أو إلى علاقة المشابهة. والشّاعر إنّما يدفع كلمة بأخرى، حتى يظفر بضالّته في الكلمة التي يمكن أن تنهض بالدور المناسب في التّركيب الذي يبنيه.
وأعود إلى العنوان الذي وسمت به مقالي هذا. ففي فصل من «رسالة الغفران» ينظر ابن القارح إلى عنترة العبسيّ وهو يتلدَّدٌ في السَّعير، ويذكّره بقوله: هل غادر الشُّعراء من متردَّم. ويقول له: «إنَّما قيل ذلك وديوان الشِّعر قليلٌ محفوظٌ، فأمَّا الآن وقد كثرت على الصائد ضباب، وعرفت مكان الجهل الرِّباب». ويقول له: «لو سمعت ما قيل بعد مبعث النّبي، لعتبت نفسك على ما قلت، وعلمت أنّ الأمر كما قال حبيب بن أوسٍ [أبو تمّام]: فلو كان يفنى الشِّعر أفناه ما قَرَتْ/ حياضك منه في العصور الذّواهبِ/ ولكنَّه صوب العقول إذا انجلت/ سحائب منه، أعقبت بسحائبِ».
فيقول: وما حبيبكم هذا؟ فيقول: شاعرٌ ظهر في الإسلام. وينشده شيئاً من نظمه: فيقول: أمّا الأصل فعربيٌّ، وأمّا الفرع فنطق به غبيٌّ، وليس هذا المذهب على ما تعرف قبائل العرب. فيقول: إنَّما ينكر عليه المستعار، وقد جاءت العارية [الاستعارة] في أشعار كثيرٍ من المتقدِّمين، إلاّ إنها لا تجتمع كاجتماعها فيما نظمه حبيب بن أوسٍ. وهذا ممّا يشرع القول على مقارنة مغرية بين «إيكرونيا» أدونيس و«إيكرونيا» المعرّي.
*كاتب من تونس