لا حاجة لمئة يوم من الرحمة لنفهم بأن هذه الحكومة تودي بالدولة إلى الهاوية، وهو ما فهمته واشنطن فوراً.
منذ قيام الدولة لا ضيف رسمياً رفيع المستوى من الخارج أعرب على الملأ عن تخوفه على سلوك الحكومة في إسرائيل مثلما يفعل هذا في زيارته هنا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، علناً على مسمع من الإعلام، ليس في الغرف المغلقة، بل في أحاديث ثنائية مع نتنياهو.
هكذا قال بلينكن: “العلاقات بين الدولتين (الولايات المتحدة وإسرائيل) مغروسة في مصالح وقيم ديمقراطية مشتركة – الحفاظ على حقوق الإنسان، وجهاز قضاء متساوٍ للجميع، وحقوق جماعات الأقلية وسلطة القانون، وإعلام حر، والحفاظ على مجتمع مدني قوي. إمكانية أن يسمع الناس في الدولتين صوتهم ويدافعوا عن حقوقهم هي إحدى العوامل الأقوى لديمقراطيتنا.
“وثمة قوة أخرى، وهي أن بناء إجماع للاقتراحات الجديدة هو السبيل الأنجع لضمان تبنيها وصمودها. نتحدث باحترام وبصدق مثلما يفعل الأصدقاء عندما نتفق وعندما لا نتفق. ستستمر المحادثات كجزء من عملية حماية وتعزيز الديمقراطية”.
كلمات قاطعة، يخيل للحظة أنها تقال من فوق منصات المتظاهرين في منتهى السبت في شارع “كابلن” أو في ميدان “هبيما”. وكم هو سخيف ومثير للشفقة يبدو نتنياهو عندما يرد على أقوال بلينكن، ويقول: “نحن ديمقراطيتان قويتان، وأعدك بأن تبقيا ديمقراطيتين قويتين”. فبعد كل شيء، من يصدق نتنياهو اليوم؟ في العبرية نسمع منه أقوالاً هي توأم مطالب بن غفير وسموتريتش اللذين حتى هما لا يصدقانه، أما بالإنكليزية فيطلق أقوالاً مختلفة تماماً.
الأقوال الثاقبة لبلينكن تناولت الحكومة المنشغلة كلها بكليلها، من الصباح حتى المساء، بتسريع الثورة القضائية والمضي بالقوانين لتثبيتها. مثل “قانون درعي” الثاني الذي يرمي إلى إعادة رئيس “شاس” إلى طاولة الحكومة عبر النافذة.
حكومة بدلاً من أن تكون منصتة لاقتصاديين كبار ولمحافظي بنوك متقاعدين ولمديري البنوك الذين يحذرون من مس باقتصاد إسرائيل – تتهم المحذرين على الأبواب كمن يمسون بالاقتصاد بالضبط مثلما يعمل كارهو إسرائيل.
“نرى حملة سياسية غير مسؤولة، تتصدرها المعارضة وتستهدف إلحاق ضرر باقتصاد إسرائيل”، قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بعد أن بدأت بوادر أضرار هذه الثورة تطل علينا في انخفاضات في البورصة، وانخفاض قيمة الشيكل الإسرائيلي مقابل الدولار، بسحب أموال المستثمرين وغيرها. هذا بالطبع ليس بسبب الثورة القضائية، وفقاً لمذهب هذه الحكومة، بل بسبب المعارضة وبسبب إطلاق آراء أولئك الاقتصاديين ومديري البنوك – الذين في نظر الحكومة يعبرون عن موقفهم انطلاقا من موقف سياسة عديم المسؤولية.
كما هو مميز للقاسم المشترك، هذا جعل المعارضين لطريقها وأفعالها أعداء الدولة، ومقتلعي إسرائيل. بالضبط مثلما فعل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بعد عملية “نافيه يعقوب” حين وجه أصبع الاتهام ضد المستشارة القانونية للحكومة غالي بهرب ميارا، وقال: “حتى هذه اللحظة لا تسمح لنا بإغلاق بيت المخرب”.
قد نفهم من هذا أن المستشارة هي التي منعت “المنقذ الوطني” من إحباط العملية في “نافيه يعقوب”، وتلك التي كانت في الغداة في مدينة داود. نعم، هذا هو طريق هذه الحكومة: إسقاط الإخفاقات والقصورات على الآخرين، ثم اتهام كل من لا يقبل طريقها بأنه يساري، بل وفي أحيان معينة يضاف إلى هذا لقب خائن.
بالطبع، جزء مهم من أعضاء الحكومة هذه يتعاطون من خلف الكواليس بهزء واستخفاف لأقوال بلينكن عن التكافل الديمقراطي، وذلك لأن وزير الخارجية الأمريكي يعتبر في نظرهم يسارياً أيضاً. ويبدو أنها مسألة وقت فقط إلى أن نسمع الأصوات الغاضبة من الحكومة التي تتهم المعارضة واليسار لممارسة ضغط على الأمريكيين أن يتدخلوا في الجدال الداخلي الجاري هنا، وبالطبع سينتقدون التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لإسرائيل.
بقلم: أفرايم غانور
معاريف 1/2/2023