لندن – «القدس العربي»: في عالم مواز لموجة التضخم ولهيب الأسعار وغلاء تكاليف المعيشة، شهدت البنوك الأوروبية طفرة في تعاملات منتصف الأسبوع الماضي، بتحويلات وتدفقات نقدية تخطت حاجز المليار يورو، 90% منها ضختها أندية الدوري الإنكليزي الممتاز، لشراء لاعبين جدد في الـ«ديد لاين» الميركاتو الشتوي، أو في اليوم الأخير، والنسبة المتبقية أنفقتها أندية الدوريات الكبرى الأخرى، دليلا على اتساع الفجوة في القوة الشرائية بين أثرياء البريميرليغ ونظرائهم في الدوريات الخمسة الكبرى، وفي رواية أخرى «مؤشرا» أو جرس إنذار، الى توحش الإنكليز وخروجهم عن السيطرة في قادم المواعيد، بعد تدمير الاعتقاد السائد عن السوق الشتوية، بأنها مجرد نافذة محدودة أو طوق نجاة للشباب الطموح والباحثين عن دقائق لعب أكثر في مكان آخر، أو انها نافذة للصفقات الطارئة.
أرقام فلكية
إذا كانت الأندية الإنكليزية أنفقت ما يزيد على 800 مليون جنيه إسترليني في الفترة بين 1 يناير / كانون الثاني وحتى أول ساعات شهر عيد الحب، فقرابة النصف كانت من نصيب «بلطجي» السوق، والحديث عن مئات الملايين التي تخرج من حسابات نادي تشلسي اللندني، منذ انتقال الملكية من الروسي رومان آبراموفيتش إلى الأمريكي تود بويلي وشركائه قبل ثمانية أشهر، بإنفاق أكثر من 600 مليون بنفس العملة، موزعة على فترتي انتقالات الصيف والشتاء، أو بالأحرى لإبرام ما يزيد على 16 صفقة منذ بداية الموسم وحتى غلق النافذة، أبرزهم أغلى صفقة في تاريخ النادي والدوري الإنكليزي الممتاز، بضم جوهرة بنفيكا إنزو فيرنانديز مقابل 121 مليون يورو، وسبقه جيش من الموهوبين والنجوم اللامعة، على غرار استعارة المهاجم البرتغالي جواو فيليكس من أتلتيكو مدريد، بنحو 10 لـ11 مليون يورو حتى نهاية الموسم، وخطف الجوهرة الأوكرانية ميخايلو مودريك، قبل آرسنال وباقي المنافسين، في صفقة أخرى ضخمة، قُدرت بنحو 85 مليون جنيه استرليني، وقائمة طويلة تضم كذلك بنوا بادياشيل ونوني مادويكي وأندريه سانتوس وديفيد فوفانا ومالو غوستو، فقط في السوق الشتوية، بخلاف نفس المبلغ، الذي أهدر في الهواء في فصل الصيف، للتوقيع مع لاعبين تخطوا لحظات الذروة أمثال رحيم ستيرلنغ، خاليدو كوليبالي، وبيير إيميريك أوباميانغ، حتى الظهير مارك كوكوريا، الذي كبد الخزينة أكثر من 60 مليون جنيه استرليني، لشراء عقده من برايتون، لم يظهر بنفس النسخة التي كان عليها مع فريقه السابقة، رغم وجود مدربه السابق غراهام بوتر، على رأس الجهاز الفني للفريق، ونفس الأمر بالنسبة للمدافع ويسلي فوفانا، الذي جاء في صفقة ضخمة، بلغت 80 مليون جنيه استرليني، وصفقات أخرى يصعب حصرها وكتابتها إلا بالعودة إلى منصة «ترانسفير ماركت»، بتكلفة غير مسبوقة في تاريخ كرة القدم، بأكثر من ضعفي الرقم القياسي القديم، وبالنسبة للبعض، بميزانية تفوق حجم دوريات بأكملها، مثل إجمالي ما أنفقته أندية البوندسليغا الألمانية والليغا الإسبانية، والمحصلة حتى هذه اللحظة تندرج تحت مسمى «صفر كبير»، بالخروج من كأسي الرابطة والاتحاد الإنكليزي، بجانب التقهقر في جدول ترتيب أندية البريميرليغ، باحتلال المركز العاشر برصيد 29 نقطة، ولا يتبقى له سوى محاكاة معجزة روبرتو دي ماتيو في 2012، عندما يستهل مراحل خروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا بمواجهة بوروسيا دورتموند الألماني منتصف هذا الشهر، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سينجح بوتر في السيطرة على هذا الكم الهائل من النجوم والمواهب وتطويع قدراتهم لمصلحة الفريق؟ أم سيواجه مصير سلفه توماس توخيل في المستقبل القريب؟ هذا ما سنعرفه.
المفاجأة وقائمة الشرف
بدون ضجة إعلامية أو بروباغندا في وسائل التواصل الاجتماعي، نجح آرسنال في إبرام صفقة من العيار الثقيل، بضم لاعب أقل ما يُقال عنه «لا يُقدر بثمن»، والحديث عن قلب تشلسي النابض السابق جورجينيو، في واحدة من الصفقات المفاجئة في السوق الشتوية، لكن على أرض الواقع، تعتبر «ضربة معلم» من قبل المدرب ميكيل آرتيتا، بتعزيز مركز الوسط، بجودة لا خلاف عليها، تحسبا لحدوث أي شيء مع توماس بارتي أو شريكه على الدائرة غرانيت تشاكا، في فترة ضغط مباريات في النصف الثاني من الموسم، خاصة اختبارات الحفاظ على صدارة البريميرليغ، بعد ظهور نوايا المدفعجية، باستعادة اللقب الغائب منذ العام 2004، وتشمل قائمة الصفقات المفاجئة في هذه النافذة، ما حدث مع البرتغالي جواو كانسيلو، من لاعب كان حتى أسابيع قليلة من العناصر المفضلة بالنسبة للمدرب بيب غوارديولا في مانشستر سيتي، إلى انفصال سهل، قيل إنه تم في غصون ساعات، وبدون أي تكاليف مادية، باستثناء تحمل راتب الظهير الجوكر، مع شرط في العقد، يتيح للنادي البافاري خيار ضم اللاعب بصفة نهائية في فصل الصيف، لكن في مقابل رسوم لا تقل بأي حال من الأحوال عن 70 مليون يورو، وهذا في حد ذاته، يعكس ما يدور في رأس المدرب ناغلزمان وجهازه المعاون، برفع مستوى الجودة والمنافسة في مركز الظهير الأيمن، بثلاثة لاعبين من الطراز العالمي، نصير مزراوي وبافارد والوافد الجديد كانسيلو، إلى أن يحين وقت التفكير في مصير المدافع البرتغالي، بنفس الإستراتيجية التي تعامل بها النادي في هكذا صفقات من قبل، لعل أشهرهم صفقة استعارة البرازيلي كوتينيو من برشلونة، مع شرط الشراء بمبلغ كبير، وفي الأخير اكتفى زعيم الألمان بمدة الإعارة، رغم ظهور اللاعب بصورة جيدة تحت قيادة طيب الذكر هانزي فليك. بوجه عام، يمكن القول إن بايرن ميونيخ، كان من القلائل خارج إنكلترا، الذين أحسنوا استغلال الفرص المتاحة في يناير / كانون الثاني، مثل توقيعه مع المخضرم الهولندي دالي بليند، كبديل طوارئ لألفونسو ديفيز في مركز الظهير الأيسر، وخيار محتمل تحت أي ظروف في قلب الدفاع، وعلى مستوى حراسة المرمى، جاء الحارس يان سومر من بوروسيا مونشنغلادباخ، لحل معضلة غياب الحارس الأول مانويل نوير، الذي سيواصل الغياب بضعة أشهر أخرى، بداعي العملية الجراحية التي خضع لها بعد مونديال قطر 2022. أما قائمة الأكثر إنفاقا بعد تشلسي، يأتي فيها جاره اللندني آرسنال، بما مجموعه 60 مليون إسترليني، لشراء المدافع البولندي جاكوب كيفيور من سبيزيا الإيطالي وجوكر برايتون الجناح الفرنسي لياندرو تروسار، لتعويض اخفاق إتمام صفقة مودريك، التي خطفها تشلسي، وأيضا كحل أو إضافة في الهجوم، لتخفيف حدة غياب البرازيلي غابرييل جيسوس. وبالمثل أنفق الثنائي ساوثهامبتون وبورنموث نفس ما أنفقه آرسنال في النافذة الشتوية. أما أبرز انتدابات الكبار في اليوم الأخير، فكان من أبرزها انتقال لاعب وسط بايرن ميونيخ ماتياس سابيتزر الى مانشستر يونايتد لتعويض فترة غياب فنان الوسط كريستيان إريكسن، المحتمل أن يبقى خارج الخدمة لأكثر من 4 أسابيع على أقل تقدير، وقبله جاء الهولندي فاوت فيخهورست من بيرنلي، وأيضا على سبيل الإعارة، والحارس جاك باتلاند من كريستال بالاس. بينما توتنهام، فاكتفى بضم الجناح أرناو دانجوما من فياريال، ومثله توقف بيب غوارديولا عند ضم الظهير الأرجنتيني ماكسيمو بيروني، لاعب فيليز سارسفيلد. لكن اللغز المحير، فكان في موقف إدارة ليفربول، بحصر الاستثمار في جناح آيندهوفن كودي خاكبو، رغم إجماع جُل عالم المركولة المجنونة، على حاجة المدرب يورغن كلوب، الى لاعب وسط شاب من الطراز العالمي، لإحياء المياه الراكدة في وسط الريدز، تأثرا بتقدم هيندرسون وميلنر في العمر، وتراجع مستوى فابينيو، ويأس المشجعين في الحصول على الجودة التي كان عليها تياغو ألكانتارا في موسمه الأخير مع بايرن ميونيخ، وسط حالة من الخوف والقلق تسيطر على القطاع الأكبر من المشجعين، أن يعض النادي أصابع الندم في نهاية الموسم، على تفويت فرصة الشتاء، بتعزيز الوسط بلاعب بنفس طموحات وأهداف ليفربول.
ضحية التحايل
كل ما سبق في كفة، وما فعله تشلسي في اليوم الأخير في كفة، باستنساخ الحيلة الخبيثة، التي اتبعها مانشستر يونايتد من قبل مع ريال مدريد، بتعطيل إجراءات نقل الحارس دافيد دي خيا إلى «سانتياغو بيرنابيو» في آخر ساعات «ديد لاين» صيف 2015، وكان الضحية هذه المرة، قائد المنتخب المغربي حكيم زياش، الذي هيأ نفسه وعقله، لبدء حياة جديدة في جنة كرة القدم، هناك في «حديقة الأمراء»، برفقة مواطنه أشرف حكيمي وباقي نجوم وأساطير فريق أحلام باريس سان جيرمان، وفي الأخير استفاق على كابوس البقاء في «ستامفورد بريدج» حتى إشعار آخر، رغم تواجده في عاصمة الموضة والحب في اليوم الأخير، لوضع اللمسات الأخيرة على صفقة انتقاله إلى النادي الباريسي على سبيل الإعارة، بيد أن مماطلة المسؤولين في النادي اللندني، وتعمدهم إرسال المستندات والوثائق بشكل غير صحيح على 3 مرات، والأخيرة الصحيحة بعد انتهاء موعد قيد اللاعبين في فرنسا، تسببت في إحباط الميغا ستار المغربي، لتتأجل فرصة الهروب من سفينة البلوز الى وقت آخر، مع بصيص من الأمل، بأن تتحسن أوضاعه، لا سيما بعد عودته للمشاركة بصفة أساسية في المباريات الأخيرة، وإما ستتعقد أوضاعه في معقل الأسود العاصمية، بعد ارتفاع مستوى المنافسة، في ظل هذا الكم المخيف من اللاعبين والجواهر في كل المراكز بدون استثناء، ولو أنه في كل الأحوال، سيكون تشلسي الخاسر الأكبر من هذا التحايل، لعل أبسطها السمعة السيئة في السوق، وخسارة ثقة كيان بحجم باريس سان جيرمان وأندية أخرى بنفس الوزن، تتعامل باحترافية وتعرف قيمة الالتزام بالكلمة، وليس بأساليب التلاعب ونكث العهد، ناهيك عن احتمال حدوث السيناريو الأسوأ، الذي لا نريده أبدا، أن تنخفض القيمة السوقية لزياش في يونيو / حزيران، معها ستكون خسارة مضاعفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ضياع قيمة الإعارة وتخفيف فاتورة الأجور الباهظة، بجانب التحسر على فرصة انتعاش قيمته السوقية المتوقعة بعد انفجاره مع ليو ميسي ومبابي ونيمار وباقي العصابة بعد انتهاء مدة الإعارة القصيرة.
هجرات عربية
بسيناريو مختلف، تعثرت صفقة انتقال المغربي الآخر سفيان أمرابط إلى برشلونة، وذلك ليس لتحايل ناديه فيورنتينا، بل لاختلاف كلا الطرفين على السعر النهائي للصفقة، ما تسبب في تأجيل الحلم حتى الميركاتو الصيفي، على أمل أن يرضخ ممثل فلورنسا، ويقبل بتخفيض رسوم التحويل، قبل أن يدخل في موسمه الأخير مع النادي، لكن زميله في منتخب الأسود عز الدين أوناحي، كان أكثر حظا، بحصوله على حريته من نادي آنجيه، ليبدأ مغامرة جديدة مع مارسيليا، بدأها بتسجيل هدفه الأول في أول ظهور مع أمراء الجنوب الفرنسي، فيما فضل زميله السابق في نفس النادي سفيان بوفال، إنهاء مغامرته في القارة العجوز، بقبول عرض الريان القطري، في صفقة لم يتم الكشف عن تفاصيلها المادية، وشملت الهجرة العربية الشتوية، انتقال الهداف التاريخي للمنتخب الجزائري إسلام سليماني إلى آندرلخت البلجيكي، قادما من بريست الفرنسي في صفقة انتقال حر، في مغامرة جديدة تضاف إلى أرشيفه الذهبي في أوروبا، باللعب في 5 دوريات كبرى مختلفة، مع لشبونة في البرتغال، وليستر سيتي ونيوكاسل في إنكلترا، وفناربخشة في تركيا، وموناكو وليون وبريست في فرنسا، والآن آندرلخت البلجيكي. وعلى النقيض من ذلك، سيخوض العشريني المصري إمام عاشور، أول تجربة احترافية خارج الوطن، بعد موافقة نادي الزمالك على إرساله إلى مييتلاند الدنماركي، في صفقة ضخمة بالعملة المحلية، تخطت حاجز الـ100 مليون جنيه مصري، في حين انتقل الظهير الجزائري فوزي غلام من نابولي إلى آنجيه، ليعود مرة أخرى إلى الدوري الفرنسي، بعد تألقه مع سانت ايتيان على مدار 4 مواسم العقد الماضي، وبالنسبة لرابع العالم عبد الحميد صابيري، فسوف يبقى مع ناديه سامبدوريا الايطالي حتى نهاية الموسم، على أن يبدأ رحلته مع فيورنتينا بداية من حملة 2023-2024. هذه كانت مراجعة لأبرز صفقات الميركاتو الشتوي بوجه عام والساعات الأخيرة بالأخص.