يواجه أصحاب النزاعات في غزة صعوبة كبيرة في التوصل إلى حلول لقضاياهم العالقة في أروقة المحاكم النظامية، بسبب البطء الشديد في متابعة القضاة لها نتيجة تكدسها بشكل كبير داخل محاكم غزة، وتشكل هذه القضية أزمة متنامية تضاف إلى الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعيشها السكان.
ويرجع محامون السبب الرئيسي وراء تكدس قضايا المواطنين داخل المحاكم إلى قلة عدد القضاة مقارنة بحجم القضايا، حيث يعمل في محاكم غزة قرابة 80 قاضياً، وهذا العدد قليل جداً أمام مليوني مواطن، إضافة إلى تولي المحاكم النظامية الفصل في المنازعات المدنية والتجارية والضريبية والجنائية وحتى النزاعات بين الحكومة والأفراد، وهذا يتسبب في وجود عدد ضخم من الملفات أمام القضاة.
وحسب بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني، يوجد في غزة 13 محكمة فقط تقع عليها مسؤولية إنهاء جميع الدعاوى المرفوعة وهذا الأمر مستحيل، فبسبب الضغط وقلة المحاكم تعقد المحكمة العليا بثلاث صفات، هي المحكمة الدستورية ومحكمة العدل العليا ومحكمة النقض، في حين بلغ عدد القضايا المكدسة والمدورة منذ سنوات من دون الفصل فيها في المحاكم النظامية ما يقارب من 111424 قضية، منها 44 ألف قضية لا تزال عالقة منذ سنوات دون الفصل فيها.
ووفقاً للمجلس الأعلى للقضاء في غزة، فإن المحاكم النظامية استقبلت منذ نهاية العام الماضي إلى مطلع العام الحالي ما يزيد على 64 ألف دعوى قضائية وجزائية جديدة، وتمكن القضاة من الفصل في معظمها، إلى جانب بت عدد من القضايا المدورة لتفادي زيادة عدد الملفات المرحلة من العام الماضي.
وينتاب المؤسسات الحقوقية الخوف من توجه المواطنين أصحاب النزاعات إلى أخذ حقوقهم بالقوة، بعد أن فقدوا الثقة بالقضاء الذي يعيق الفصل في القضايا نتيجة تراكمها، وهو ما يهدد بنشر الفلتان الأمني والعنف داخل القطاع مع توجه البعض لأخذ حقوقهم خارج إطار القانون بعد انتظار وقت طويل.
يقول المواطن محسن الحاج «توجهت بشكل قانوني للقضاء من أجل المساعدة في استرداد مبلغ من المال فقدته خلال عملية نصب واحتيال من أحد الأصدقاء مطلع العام 2022 وحتى هذا الوقت لا تزال القضية عالقة دون تقدم، وهذا التأخير قد يدفعني خلال الفترة المقبلة لاسترداد حقي بطرق أخرى بعيداً عن القضاء، بسبب المماطلة المستمرة من قبل القضاء».
وقال لـ«القدس العربي» إن هناك مماطلة كبيرة في الفصل والعدالة وفي مواعيد الجلسات التي يتم تحديدها من قبل قاضي المحكمة في العديد من القضايا، وهذا التأخير يهد بنشر المشاكل بين المواطنين واصرارهم على جلب حقوقهم بشكل سريع، بالتزامن مع الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها سكان القطاع.
ولفت إلى أن الحكومة في غزة مطالبة بالعمل على تسريع عملية الفصل في الدعاوي، من خلال تعيين المزيد من القضاة الأكفاء ذوي الخبرة العالية داخل المحاكم، كي يتم تقسيم القضايا وتسريع متابعتها، حيث يتعامل القاضي مع أكثر من 30 قضية في وقت واحد، وهذا يشكل عبئا في اتخاذ إجراءات سريعة للتوصل إلى حلول للنزاعات القائمة بين المواطنين.
ويلجأ بعض المواطنين ممن فقدوا الثقة بالقضاء إلى العرف العشائري لحل نزاعاتهم، حيث يعتبر القضاء العشائري ركيزة أساسية من ركائز حل النزاعات العائلية داخل المجتمع، والذي تحرص أجهزة الأمن في غزة على التنسيق الكامل مع لجان الإصلاح لحل القضايا بمختلف أشكالها، كما أن رجال الإصلاح العشائري يتمتعون بموجب حصولهم على بطاقة خاصة، بصلاحيات تمكنهم من دخول مراكز الشرطة للمشاركة في حل أي خلافات، إلى جانب إنشاء وزارة الداخلية في غزة مؤخراً دائرة خاصة بشؤون العشائر، إدراكاً منها لأهمية دور رجال الإصلاح في إصلاح ذات البين، خاصة في قضايا القتل والمشاجرات العنيفة.
المواطن باسم عيد لجأ إلى سحب قضيته من المحكمة والتوجه للقضاء العشائري بعد مرور أكثر من عامين على قضيته التي لم يتمكن في الوصول إلى حل حولها من قبل القاضي، في خطوة لإيجاد حل سريع لاسترداد حقه، وتجنب الوصول لخلافات وشجار مع خصمه.
ويقول لـ«القدس العربي» إن «العرف العشائري استطاع التوصل في وقت سريع لحلول مرضية بيني وبين الخصم في موضوع مالي عالق، من خلال التوسط وإيجاد حل وسط لمنع التوصل إلى خلافات ومشاكل بعد أن طال أمد القضية داخل المحكمة» موضحاً أن شؤون العشائر أظهرت فعاليتها ومقدرتها في التخفيف من القضايا عن كاهل المحاكم والنيابة العامة والمقرات الشرطية في قطاع غزة، إلى جانب المساهمة في حفظ النسيج الاجتماعي داخل المجتمع من العنف.
ويقول المستشار القانوني يوسف عبدالعزيز إن القضاء يعاني من صعوبة في إنجاز القضايا المتراكمة، نتيجة الخلافات المستمرة واليومية التي تحدث داخل القطاع والتي يحاول القضاة المماطلة في القضايا لكسب الوقت من أجل التوصل إلى حلول مرضية لأطراف النزاع، خاصة في قضايا القتل والشجارات العنيفة بين المواطنين.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن لجان العشائر والإصلاح ساهمت مؤخراً في تخفيف الأعباء الواقعة على المحاكم، من خلال إنجاز العديد من القضايا وحل النزاعات بين المواطنين بشكل ودي وسريع، داعياً المواطنين وخاصة ممن تعثرت بهم السبل في الوصول حلول لمشاكلهم، التوجه للجان العشائر التي تعمل معاً إلى جانب القضاء المدني، لاسترداد الحقوق وتجنب الوقوع في الخلافات التي قد تودي إلى تصاعد المشاكل.