دافوس ـ «القدس العربي»: بعد حصوله على جائزة شواب العالمية للريادة المجتمعية «The Schwab Foundation for Social Entrepreneurship» في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وتكريمه بلقب سفير الريادة المجتمعية العالمية، التقت «القدس العربي» المهندس الفلسطيني عارف الحسيني مؤسس ورئيس مؤسسة «النيزك» للإبداع العلمي وواحة الإبداع المقدسية، والذي أعلن عن فوزه هو و16 مبدعا عالميا بجائزة شواب العالمية وذلك ضمن هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية وبحضور مئات الشخصيات من ملوك ورؤساء دول ووفود دولية رفيعة، ليصبح الحسيني أول شخصية فلسطينية على الإطلاق يفوز بهذه الجائزة الهامة ممثلا عن فلسطين، والذي بادر إلى تأسيسها البروفيسور كلاوس شواب مؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ويجمع المنتدى، الذي يعقد سنويا في منتجع دافوس للتزلج بجبال الألب، قادة قطاع الأعمال والتجارة مع شخصيات قيادية بارزة في المجالات السياسية والأكاديمية والأعمال الخيرية يستقطب المنتدى الاقتصادي العالمي نحو 3000 شخص، ثلثهم تقريباً من قطاع الأعمال. حيث حضر المنتدى زعماء العالم وشخصيات رئيسية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ورؤساء الشركات الكبرى.
وقد حصد المهندس الحسيني جائزة شواب العالمية تقديراً لجهوده وإبداعه في تأسيس وقيادة مؤسسة «النيزك» وواحة الإبداع المقدسية والتي تخدم اليوم 30 ألف شاب وشابة من مختلف المناطق الفلسطينية وتوفر لهم الدفيئة العلمية والمهنية للنمو والتطور وتغيير واقعهم الاجتماعي والاقتصادي إلى الأفضل.
وعبر الحسيني عن سروره بالفوز بهذه الجائزة، مؤكدا أنها ستسهم في رفد العديد من المشاريع التطورية في فلسطين، والاستفادة من شبكة العلاقات العالمية الكبيرة التي يوفرها منتدى شباب قادة العالم المنتدى الاقتصادي. ويفخر المهندس الفلسطيني الشاب أنه استطاع الربط بين مدينة القدس، مكان مولده، بفلسطين أمام المنتدى العالمي في سويسرا، حيث أصر على تعريف نفسه بأنه من القدس وبأنه من فلسطين، فيما اعتمدت اللجنة الدولية للمؤسسة تعريف «الأراضي الفلسطينية» لكون سويسرا لا تعترف بالدولة الفلسطينية لغاية الآن.
والحسيني مهندس إلكترونيات وفيزيائي وروائي فلسطيني من القدس، عمل في مجالات صناعية وهندسية وتعليمية وتنموية عديدة، أسس في العام 2003 مؤسسة «النيزك» للتعليم المساند والإبداع العلمي والتي تعمل على رعاية الإبداع العلمي والتكنولوجي في فلسطين وتحتضن سنوياً آلاف الطلبة الموهوبين علمياً، وقد حصلت المؤسسة على جوائز محلية وعالمية أهمها: جائزة فلسطين الدولية للتميز والإبداع وجائزة الفكر العربي في دبي وجائزة عبد العزيز الشخشير للإنجاز. وفي العام 2017 أسس بمبادرته الشخصية «واحة الإبداع المقدسية» والتي تعتبر أكبر مجمع تعليمي إبداعي في قلب مدينة القدس.
نماذج تسريع الابتكار الاجتماعي
لأكثر من عقدين، قدمت مؤسسة شواب منصة عالمية لتسريع النماذج المتميزة للابتكار الاجتماعي، وينضم الفائزون بجوائز عام 2023 إلى مجتمع حالي يضم 435 من أبطال الابتكار الاجتماعي الذين أثرت جهودهم الجماعية على حياة ما يقرب من مليار شخص منذ عام 1998.
وفاز بالجائزة العالمية خلال الخمسة وعشرين عاماً الماضية قرابة الـ 400 مبدع مجتمعي، وتم تصنيفهم كسفراء للريادة والإبداع ودعمهم لتحسين حياة أكثر من 722 مليون إنسان من حول العالم. استقبلت الجائزة العالمية هذا العام قرابة 1500 مرشح ومرشحة من 190 دولة، وتخللت عملية اختيار الفائزين والفائزات دراسة الإنجازات بدقة وعناية كبيرة على يد لجنة دولية رفيعة المستوى، حيث تمخض عملها الذي استمر لأشهر طويلة عن فوز 16 رياديا مجتمعيا وفي طليعتهم المهندس عارف الحسيني.
ومن خلال التركيز على الشمولية والعمل جنبًا إلى جنب مع المجتمعات التي تخدمها، حققت هذه الشبكة من القادة تقدمًا هائلاً في معالجة التحديات الراسخة في الاستدامة والاستهلاك، والصحة والتعليم، والتنمية الريفية، وتدريب الشباب، حسب ما نشرت على موقع المؤسسة الإلكتروني. وتم الاحتفال بالـ 16 لهذا العام عبر أربع فئات، ما يعكس الطبيعة متعددة الأوجه لتوسيع مجال الابتكار الاجتماعي.
دعم الإبداع الفلسطيني
ويروي الحسيني لـ«القدس العربي» أن فوزه بهذه الجائزة، كان نتاج فترة طويلة لمشاريع نفذها مركز النيزك مع الممثلية السويسرية في فلسطين، علمية وريادية للشباب والشابات في المدن الفلسطينية. حيث حاول الحسيني وبالتعاون مع طاقم الممثلية السويسرية رفع اسم مركز النيزك الذي يديره، بالإضافة إلى واحة الإبداع المقدسي، إلى قائمة المتنافسين على هذه الجائزة الهامة، حيث سيمثل هذا الفوز فرصة للحسيني ومركز نيزك ولفلسطين عضوية دائمة في مجتمع الرياديين المجتمعيين الشباب بالإضافة إلى عضوية المنتدى الاقتصادي في دافوس لمدة 3 سنوات، وهو أمر تحصل عليه فلسطين للمرة الأولى منذ بدء مشاركتها في هذا المنتدى الاقتصادي العالمي الهام.
أسس شواب المنحدر من ألمانيا، وانتقل والداه للعيش في سويسرا، المنتدى الاقتصادي العالمي عام 1971 كمؤسسة غير ربحية تلتزم تطوير الوضع العالمي، وطورها فيما بعد لتكون اليوم الشراكة العالمية لقادة الأعمال والسياسة والفكر. في عام 1998 أسس مع زوجته مؤسسة شواب للمقاولة الاجتماعية وهي مؤسسة غير ربحية مقرها جنيف.
عام 2004 أسس شواب مؤسسة جديدة منتدى قادة العالم من الشاب، ويهدف إلى جمع أكثر من 1000 شخص دون الأربعين من من يعملون من مختلف مجالات العمل والحياة ويرغبون في تحسين وتطوير الوضع العالمي، وتشجيعهم على التعاون على مدى خمس سنوات لتعريف وتحقيق التغيير العالمي.
وتؤكد مؤسسة شواب للريادة الاجتماعية على موقعها الإلكتروني أن هناك وسائل مختلفة لقيادة الابتكار الاجتماعي ومناصرته: السياسة والحكومة والأسواق والأوساط الأكاديمية وكذلك المؤسسات الاجتماعية. فهي تؤمن أن رواد الأعمال الاجتماعيين ورجال الأعمال الداخليين هم المفتاح لمواجهة التحديات العالمية وتحسين حالة العالم، كما تهدف إلى إبراز وتوسيع النماذج الرائدة للابتكار الاجتماعي.
البداية كانت من النيزك
ومؤسسة النيزك التعليمية التي يديرها المهندس الحسيني عبارة عن منظمة تعليمية وعلمية مستقلة تأسست في القدس عام 2003. وهي منظمة غير ربحية وغير حزبية متخصصة في التعليم والتوجيه والبحث في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وغيرها من العلوم التربوية والتطبيقية والتدريب المهني والتقني. تخدم المؤسسة جميع قطاعات المجتمع المحلي الفلسطيني، ويوضح الحسيني كيف أن الهدف الأساسي للمركز تحويل التفكير النقدي والتصميم وكذلك المنهجيات العلمية إلى عادات مبنية يمارسها الأفراد يوميًا، وبالتالي المساهمة في بناء شبكة اجتماعية منتجة ورائدة وشاملة. تتبنى النيزك تعليمًا شاملاً ومتوازنًا متاحًا لجميع أنواع المتعلمين ويلبي احتياجاتهم الفردية كعامل أساسي في بناء مناهج مبتكرة في السياق المحلي.
وتوفر المؤسسة مساحة للابتكار من خلال فروعها في ست مدن فلسطينية إلى جانب عشرات مختبرات الابتكار المثبتة في المنظمات المجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني والمدارس الشريكة. بالإضافة إلى متحف العلوم «بيت العلوم والتكنولوجيا» الذي تم افتتاحه بشكل مستقل عام 2013 في مدينة بيرزيت القديمة. وتتبنى النيزك تعليمًا شاملاً ومتوازنًا متاحًا لجميع أنواع المتعلمين ويلبي احتياجاتهم الفردية كعامل أساسي في بناء مناهج مبتكرة في السياق المحلي.
ويترأس الحسيني بشكل طوعي فريق تأليف منهاج التكنولوجيا الوطني في وزارة التربية والتعليم منذ العام 2011 وقد صدر عن الفريق تحت قيادته سبعة كتب تدرس بكافة مدارس فلسطين. كما وانخرط الحسيني في مسيرة الإصلاح للنظام التربوي وتم اختياره من قبل رئاسة الوزراء الفلسطينية ليكون عضواً في اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم التي وضعت الإطار العام للمناهج وقانون التعليم العام، وتم اختياره من قبل الرئاسة الفلسطينية عضواً في مجلس إدارة المجلس الأعلى للإبداع والتميز ويترأس اليوم لجنة التقييم المركزي بالإضافة لرئاسته للمنتدى الدولي الرابع للإبداع في العام 2019 كما أنه عضو في مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية وهي أكبر جامعة في فلسطين ويترأس لجنة التطوير والتنمية الاستراتيجية فيها.
في العام 2008 تم اختيار الحسيني من قبل مؤسسة سينرغوس العالمية والتي تعنى بالشبكات الأهلية والدعم الاستشاري، كأحد أهم المبدعين المجتمعيين في العالم العربي وتم تصنيفه في قائمة أول 22 رياديا عربيا، في العام 2010 تم انتخابه كنائب رئيس فرع جمعية مهندسي الإلكترونيات والكهرباء العالمية في فلسطين.
ومع بداية العام 2019 أنهى الحسيني برنامجاً متخصصاً في جامعة MIT للتكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في سوق الأعمال المستقبلي، وتم تعيينه عضواً في اللجنة التحضيرية لتأسيس المنظمة العالمية للتعاون التعليمي «OEC» والتي مقرها المؤقت دولة جيبوتي ولديها 26 من الدول الأعضاء المنتشرين في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
وتعمل مؤسسة النيزك غير الربحية على تحفيز طرق التدريس التقليدية في نظام التعليم الفلسطيني لإنتاج المزيد من الطلاب ذوي التفكير النقدي والذين يتعاملون مع حل المشكلات من خلال البحث والتحليل والتفكير العلمي.
ويحلم الحسيني بنهضة تقنية علمية في فلسطين بسواعد محلية، لذلك فإن الخطوة المقبلة التي يطمح لها بعد الفوز، الاستفادة من شبكة دافوس العالمية من أجل التمكن من عقد شراكات عالمية، تعمل على رفد القطاع الفلسطيني بالخبرات الكافية والتمويل اللازم من أجل إطلاق مشاريع ريادية تخدم المجتمع الفلسطيني، ويقول: في السابق لم أكن قادرا لوحدي على انجاز مثل هذا الأمر، بيد أن الأمر أصبح ممكنا لو اجتهدنا واستطعنا اقناع الممولين العالميين والشركات الكبرى بأهمية هذه الشراكة.
يشار إلى أنه وبالإضافة إلى فلسطين، فاز 16 مبدعا من الرواد الشباب المنحدرين من دول مثل الهند وألمانيا والولايات المتحدة وباكستان، وسيراليون والمملكة المتحدة، كما فازت بشرى الملا، مدير عام هيئة رعاية الأسرة في أبو ظبي الإمارات العربية المتحدة.
وتقول المنظمة العالمية إن الدافع لإنشاء جائزة جماعية جديدة هو اعتراف بحقيقة أنه لا يمكن لمنظمة أو فرد بمفرده تحقيق تغيير اجتماعي واسع النطاق. وفي عالم اليوم المعقد، تزداد أهمية الجهود الجماعية فإذا أرادت المجموعات حشد العمل لتحقيق تغيير اجتماعي شامل ودائم ومنصف استطاعت تحقيق التغيير.