حق اللجوء Right of asylum أو الحق في اللجوء السياسي، هو حق مكفول منذ اليونان لمن شعر بالاضطهاد في أرضه، وفي الغالب من سلطة أجنبية، وحرم حق التعبير عن آرائه، فتمكنه دولة أخرى راعية للحقوق والحريات من اللجوء إليها ليمارس ذلك الحق المفقود (وبالطبع لن يكون ذلك دون ثمن أبرزه: متاهات الهوية الثقافية). من قديم الزمان استفاد كثير من المعارضين بشكل أو بآخر بهذا الحق، لكن السياسيين الفعليين الذين «فروا» بحريتهم كانوا قلة، مقارنة إلى ما تنطبق عليهم تسمية «المثقفين». لكن الفرار من مكان إلى آخر وطلب القرار في مكان جديد، لم يكن في العصر القديم يخضع لنواميس الضيافة والحقوق المكفولة، بقدر ما كان يخضع لمزاج السلطان المضيف، وهو ما نراه اعتمادا على نموذج من العلماء قديما هو النحوي المغبون والممتحن في حياته ابن عصفور الإشبيلي.
كان ابن عصفور الإشبيلي ( 1200 – 1270) نحويا بارزا من إشبيلية في الأندلس ترك لنا أثرا في التصريف، ما فتئ يميل أعناق الدارسين إليه هو كتابه الموسوم بـ»الممتع في التصريف» وهو يعد من أشهر كتب هذا الفن الأساسي من علم النحو. تعلم ابن عصفور وبرز برعاية شيخ نحو أندلسي كبير هو، أبو علي الشلَوْبِين، وتخرج على يديه، لكن يبدو أن التلميذ، مثلما هو الحال في كل عصر، سطع نجمه وأضاء وعلا أكثر من نجم أستاذه، وبدلا من أن يكون ذلك مبهجا للأستاذ كان مزعجا، فقد نافسه في جمهور المتعلمين وفي الكفاءة التعليمية التي كان لها صيت وغَلة ودخل مهم في ذلك الوقت. كان ذلك كفيلا بأن يجعل الأستاذ يدس لتلميذه الدسائس ويمنعه من أن يمارس مهنة التدريس لا في إشبيلية حسب، بل في الأندلس كلها.
أورد المقري التلمساني صاحب «نفْح الطيب» خبرا عن بعض تلامذة الأستاذ، الشلوبين، فيه تحريض عليه يقول: « قال لنا: إذا خرجتم فاسألوا ذلك الجاهل، يعني ابن عصفور، فلما خرجنا سرنا إليه.. فلم نجسر على سؤاله لهيبته وانصرفنا» (2/209). يراد بالسؤال هنا المحاجة العلمية التي تؤدي إلى الانتصار، وبعد ذلك يظهر ابن عصفور جاهلا قليل علم في النحو. ويبدو أن استعمال الطلاب في الخصومات بين العلماء كان عادة ما تزال متواصلة إلى اليوم، لسوء الحظ، ففي قصة الخلاف بين سيبويه والفراء (المعروف بالمسألة الزنبورية) غضب سيبويه، لأن الكسائي أرسل إليه إلى المجلس بعض تلامذته يسألونه في مسائل غلّطوه فيها جميعا، حتى غضب ثم جاء المعلم الأكبر وبدأت المحاورة فعليا. يبدو أن مصير سيبويه ومغادرته العراق، حسب بعض الأخبار بعد «هزيمته» مع الكسائي وعودته إلى فارس كان نفسه مآل ابن عصفور، الذي غادر الأندلس إلى تونس والمغرب والجزائر، ثم عاد مجددا إلى تونس في ظل حكم الحفصيين، وقرّبه أول سلاطينهم وكبيرهم أبو زكرياء الحفصي، فصار الإشبيلي كبير المعلمين في تونس، وألّف بطلب منه كتابا تعليميا مبسطا لمسائل النحو هو «المقرب» وظل في مكانته حتى في عهد المستنصر ابنه وخليفته، إلى أن نكل به تنكيلا وقتله شر قتلة لعبارة لم يستسغها. فقد ذكر محمد بلخوجة (ت 1942) وهو من علماء السلطان محمد المستنصر الحفصي، أنه قال له معجبا ببذخ دولته وقوة شوكته: «قد أصبح ملكنا عظيما» فأجابه ابن عصفور بقوله: «بنا وبأمثالنا» فنقمها عليه ووكل من وضعه في جابية البستان حتى قضى غرقا.
السفر بين العلوم أمر مطلوب، لكن اللجوء الثقافي مطلوب أكثر إذا ما شعر الفكر بالتحيز إذا مارسته المؤسسات باسم المعلمين الأرثوذوكس.. ونحن نقول عن العلم ما قاله أندريه جيد عن الفن: «كل فن يخضع لأرثوذكسية ، حتى إن كان قد من أكثر المذاهب قداسة، تذهب ريحه».
تحدثت عن هذا النحوي لأنه صورة لمن يعتقد أنه بالعلم صنع عقولا، وكان له دور في صناعة دولة سياسية قوية. قد يلومنا غيرنا فيقول: وهل لنحوي أن يصنع علوما مهمة؟ وهل لنحوي من دور ثقافي كبير؟ هذان سؤالان من الأسئلة التي لا تطرح في الأصل، لكن إن أصر الطارح على الجواب يمكن أن يجاب عنهما بأمرين أولهما دور علم النحو في الثقافة الكلاسيكية، فهذا العلم هو مفتاح علوم كثيرة منها البياني كعلم البلاغة، ومنها الديني كالتفاسير والفقه والكلام، وهذه هي العلوم التي كانت سائدة في ذلك العصر. صحيح أنها ليست مؤثرة تأثيرا مباشرا في السياسة، لكنها مؤثرة في إنتاج عقول تُدين للساسة. يمكن القول إن النحوي كان قديما مثقفا إكليريكيا، كما يقال في النظام الكنسي؛ هذا المثقف كان هو من يعد كل الموظفين الذين تستعملهم الخلافة في جميع مؤسساتها بدءا من القاضي إلى الفقيه إلى الكاتب في الديوان السلطاني، أو الأميري، أو الملكي؛ ومن الصعب ألا يكون لموظف سامٍ أو غير سامٍ علما قليلا أو كثيرا بالنحو.
كان النحاة أيضا درجات: تجد النحوي الصغير الذي يختصر الكتب الطوال ويستعملها للتدريس، وتجد النحوي المفكر الذي يخرج المعلمين الصغار ولا ينزل هو بنفسه إلى حلبة تدريسهم إلا أن يطلبه للتدريس كبار رجال الدولة في دارتهم وفي قصورهم، وكان الكسائي أشهر هؤلاء لأنه أشرف على تدريس الأمين والمأمون نجلي هارون الرشيد. ويبدو أن ابن عصفور الأشبيلي كان من هذه الطبقة المقربة كثيرا من دائرة القرار.. دائرة النار. بعض النحاة من هذه الطبقة كانوا يدخلون في محاورات وصداقات فكرية أو في مماحكاة مع الفلاسفة أو الشعراء، وحتى المتكلمين فعلى سبيل المثال كان أبو سعيد السيرافي النحوي يجد في نفسه الكفاءة الثقافية العليا كي يحاور متّى بن يونس معاصره الفيلسوف. بعض الذين يعلقون على هذه المحاورة التي نقلها أبو حيان التوحيدي يعتقدون أنها محاورة فيها مبارزة بين علمين متنافسين هما النحو والمنطق، والحق أنها محاورة بين مثقفين حول التنازع على أرض مشتركة يأخذ منها النحو شيئا ويأخذ منها المنطق شيئا، هي اللغة التي تنشئ الكلام. كل يدعي أنه يتملك الأساس في هذه الأرض: النحوي يتملك القاعدة والمنطقي يتملك أساس الكلام وهو الجدال؛ لكن لا بد من أن نقول إن متّى بن يونس كان يستخدم ثقافة نحوية علمية مشتركة ويستخدم السيرافي ثقافة منطقية مشتركة ودون هذا المشترك لا تتم المحاورة. كان هذا ضربا من اللجوء الثقافي من غير سفر: المنطقي يلجأ إلى ثقافة النحوي والنحوي يلجأ إلى ثقافة النحوي.
مشكلتنا في التأريخ للنحو القديم أننا نسمي نحويا كل من كتب في النحو، والحق أن من النحويين من يكون مفكرا في العلم، ومنهم من يكون مؤدب صبيان لا غير. فمن غير النافع اليوم أن نساوي في العلم بالنحو مثلا بين السيرافي وابن يعيش ورضي الدين الاستراباذي، وابن مالك وابن هشام الأنصاري والكافيجي مثلا، فالفريق الأول كان على قدرة كبيرة وعالية في مناقشة مسائل النحو وتجريدها وشكلنتها أحيانا، بينما يكتفي الفريق الثاني بالاختصار والتعليم والشرح المبسط.. هناك فريق من النحاة أفادوا أكثر في التعليم ومنهم من أفاد أكثر في التفكير.
في العصر الحديث لا يوجد نحويون بالمعنى التقليدي للكلمة، لا لأن التفكير في النحو القديم اكتمل فلا يمكن أن يفكر في مسائله بشكل آخر، بل لأن ذلك لن يكون نافعا في ظل اكتشافات منهجية جديدة، وتبني رؤى مختلفة في دراسة اللغة تجعل الدرس القديم قابلا لأن ينظر إليه من بوابات جديدة. في هذه الأثناء ما زلنا نتحسس في مناطق كثيرة من الوطن العربي مسالكنا، إذ يقبل كثيرون على الحداثة وهم ما زالوا يدينون دينا توحيديا بالقديم ولم ينزعوا عنهم ثياب عقيدة تكفر باسم أوثان صنعوها غيلة من النحو القديم النحوية من أقبل على الدراسات اللسانية الحديثة.
السفر بين العلوم أمر مطلوب، لكن اللجوء الثقافي مطلوب أكثر إذا ما شعر الفكر بالتحيز إذا مارسته المؤسسات باسم المعلمين الأرثوذوكس.. ونحن نقول عن العلم ما قاله أندريه جيد عن الفن: «كل فن يخضع لأرثوذكسية ، حتى إن كان قد من أكثر المذاهب قداسة، تذهب ريحه».
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية