عمّار الشريعي
القاهرة ـ «القدس العربي»: دائمأ ما تصاحب الموسيقى العمل الدرامي، سواء المسرحي أو السينمائي أو التلفزيوني، نظراً لتأثيرها في المُشاهد ودورها في إيصال الحالة الدرامية للعمل أو المشهد إلى المتلقي. وتتفاوت درجات نجاح الموسيقى المُصاحبة من عمل لآخر، وفق مدى تأثيرها وتوافقها مع العمل، وأن تتعدى كونها شيئا ثانويا إلى أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من بنية العمل ودلالاته.
من ناحية أخرى يتراوح دور الموسيقى في العمل الدرامي من موسيقى شارحة ومفسرة للعمل، أو ضرورة لا يكتمل العمل دونها، والشكل الأخير هو أفضل هذه الأشكال، ويتطلب مؤلفا موسيقيا يمتلك حِساً درامياً ووعياً ثقافياً يُمكّنه من فهم واستيعاب العمل الدرامي وترجمة تفاصيله ـ الشخصيات والأحداث والمكان والزمان والجو العام ـ إلى حالة موسيقية دالة ومؤثرة.
ويُعد الموسيقار عمّار الشريعي (1948 ــ 2012) من أفضل مَن قام بوضع موسيقى تصويرية للأعمال الدرامية في مختلف أشكالها، مسرحا وسينما وتلفزيونا وإذاعة. وقد تكون هناك مقارنة ما بين (الشريعي) و(عمر خيرت) لكن تأثير الشريعي أقوى بالنسبة للمستمع المصري، لاعتماده الأكثر على مقامات الموسيقى الشرقية، والروح المصرية. فرغم انتهاجه النهج الغربي (فكراً) في التأليف والتوزيع الموسيقي، انتهج في الوقت نفسه النهج الشرقي (روحاً) في النغمات والمقامات، كمحاولة لبناء مقطوعات موسيقية تمزج ما بين هذا الفكر وهذه الروح. كذلك أدى نجاح الأعمال الدرامية التي وضع الشريعي لها الموسيقى إلى انتشار وذيوع موسيقاه ـ وربما العكس ـ وقد أصبحت هذه الموسيقى تدل على العمل، إذا ما تم سماعها في أي وقت وأي مكان، ومن أشهرها موسيقى المسلسلات التالية.. (رأفت الهجان) (الأيام) (دموع في عيون وقحة) بخلاف الأعمال السينمائية بالطبع، مثل.. (البريء) (أحلام هند وكاميليا) (ملف في الآداب) و(حب في الزنزانة).
الموتيف/اللحن الدال
يعتبر اللحن الدال (الموتيف) أو الثيمة الرئيسية من أهم أساليب التأليف في الموسيقى الدرامية، وهي عبارة عن «فكرة متكررة ومعاودة الظهور على المدى الزمني للعمل الدرامي في فترات متنوعة، دالة فيها على شخصية درامية بعينها أو رمز لها أو حتى موقف معين.. فاللحن الدال من أهم أعمدة التأثير الدرامي، وهو بمثابة إيجاز العمل موسيقياً». (أحمد عبد الشافي. اللحن الدال في موسيقى رأفت الهجان. مجلة علوم وفنون الموسيقى. كلية التربية الموسيقية جامعة حلوان 2012). ونضيف إلى ذلك حالات التداعي ـ التداعي الصوتي ـ الذي يحل محل شخصية غائبة عن الحدث ويستحضرها، من خلال مخيلة شخصية أخرى.
مسلسل (دموع في عيون وقحة)
تم عرض مسلسل (دموع في عيون وقحة) عام 1980. من تأليف صالح مرسي وإخراج يحيى العلمي، وبطولة عادل إمام، معالي زايد، مصطفى فهمي، محمود الجندي، مشيرة إسماعيل. وجاء العمل تمجيداً لدور المخابرات المصرية في صراعها مع العدو الصهيوني قبل أكتوبر/تشرين الأول 1973. بحثاً عن بطولات يتم تمجيدها في ظل سخط شعبي ـ وقتها ـ من ظروف اقتصادية صعبة، والأهم موقف السياسة المصرية المخالف لرغبة الشعب، والمتمثل في (معاهدة كامب ديفيد 1979). فكان لا بد من عمل يعيد إحياء الشعور الوطني، ويُسجل بطولات قطاع من رجالات الدولة. وبالتالي كان لا بد من وجود بطل جماهيري مثل عادل إمام يقوم بدور رجل عادي غير معروف (أحمد الهوان) ليصبح بطلاً شعبياً في وقت اختفت فيه سمة البطولة.

هذه المقدمة ضرورية لمعرفة الأجواء العامة التي تم خلالها إنتاج العمل الفني. وكيف حاولت الموسيقى ـ ومؤلفها بالطبع ـ التعبير عن المشاعر الجمعية لشعب يحاول أن يجد أملا، ولو حتى من خلال مسلسل درامي يتحدث عن فترة مضت. فالعمل إذن يدور حول شخصية تنتمي إلى إحدى مدن القناة (السويس) التي كانت دوماً على خط النار في المعارك المصرية الإسرائيلية، بداية من العدوان الثلاثي 1956، وهزيمة يونيو/حزيران 1967. فالشوان أو الهوان لم يكن بعيداً عن هذا الصراع. لذا دارت الموسيقى حول (الشخصية) وانطباعاتها على كل ما يدور حولها، من أحداث وشخوص ومواقف وأماكن. الأمر نفسه مع اختلاف الأحداث والوقائع والفترة الزمنية يمكن تطبيقه على موسيقى مسلسل (رأفت الهجان) 1988.
الموسيقى
ومن هنا تعامل عمّار الشريعي مع لحن واحد يمثل هذه الشخصية، وما تنويعاته داخل العمل إلا تعبير عن إحساسات البطل المختلفة بكل ما يحيطه من شخوص وحداث حياتية وسياسية، من خلال «تثبيت اللحن كتسلسل نغمي مع اختلاف عناصر التآلف الأخرى، كالعنصر الزمني، فجاءت بعض الألحان بزمن أسرع أو أقل، كالتعبير عن الفرح أو لحظات الانتصار، ثم التفكير في الخطوة التالية أو المستقبل. كذلك عنصر التلوين الصوتي من حيث تغيير صوت الآلة العازفة للحن، التي تعطي انطباعات مختلفة وأجواء مختلفة سواء عربية مثل العود أو غربية كالساكسفون والفاجوت. ثم التوزيع الموسيقي المُصاحب للحن، الذي تم وضع أكثر من توزيع مصاحب بآلات مختلفة في كل مرّة». (اللحن الدال في موسيقى رأفت الهجان). ففي المقدمة نجد.. ضربات متتابعة من نغمة (مي) ثم آلات وترية ـ كمنجات ـ تكشف حالة من التوتر والحيرة والتساؤل، كذلك المارش العسكري، تمثله آلة (الكورنو) لبيان أجواء مهمة البطل، ومحور العمل.
ثم اللحن نفسه من خلال تنويعة أخرى يتصدرها الناي، ثم الدف والإيقاع البطيء، لتصبح باقي الآلات في الخلفية، وهنا مزج بين المدرستين الشرقية والغربية، هذا الناي الذي يدل على مصر، والآلات الأخرى التي ستأخذ البطل في رحلة لا يعلم نهايتها.
ثم تنويعة أخرى من خلال (العود) وفي إيقاع بطيء نسبياً، وهي حالة من الحيرة والتفكير، أكثر منها حالة تساؤل كما في موسيقى الفقرة الأولى من المقدمة، التي تُختتم بضربات كما بدأت، لكنها أقل حدة وأكثر ثقة، دلالة على انتهاء المهمة لصالحه.
تنويعات لحنية
ومن اللحن الأساسي تتباين التنويعات حسب الحالة والموقف الدرامي، ومنها.. الموسيقى أكثر رقة بداية بالوتريات (كمنجات) ثم الأورغ والساكسفون. لتصوير حالة الحب بينه وبين الفتاة الإسرائيلية، ثم الرِق والإيقاع الراقص، وكأنها حالة حلم، حتى يتصاعد هذا الإيقاع متسارعاً وأكثر قوة، وكأن هذه الحالة لن تستمر. الأورغ والكورنو، وإن كان الإيقاع أكثر هدوء، إلا أنه يشبه الدوامات التي لا تنتهي (المخابرات الإسرائيلية) ثم الآلات الوترية كالقانون والكمنجات كثيمة لـ(المخابرات المصرية).
لكن.. ونظراً لأن البطل هنا ينتمي إلى بيئة مغايرة عن القاهرة، ولها سماتها الخاصة ـ بخلاف شخصية رأفت الهجان ـ جاءت عدة تنويعات على اللحن الشعبي لأغنية (آه يا لالالي) بداية بالإيقاع الراقص، وآلات وترية مثل القانون والكمنجات، كتصوير لبيئة البطل الساحلية، وموطنه وحبيبته. (مشهد جمعة وفاطمة على شاطئ القناة، والاتفاق على موعد الزواج).
ثم المقطوعة نفسها من خلال آلة (الناي) بديل (القانون) وضربات إيقاعية تجعل من الموسيقى أشبه بموسيقى الحِداد، ثم النغمة نفسها بآلات وترية (كونترباص) و(عود) خافت في الخلفية. وتصور الموسيقى حالة التهجير من السويس إلى القاهرة، بعد 67.
وفي الأخير تأتي المقطوعة نفسها من خلال آلات غربية (الأورغ) و(الساكسفون) و(الكمان) في إيقاع راقص، لتصوير حالة الحب التي يعيشها البطل مع الفتاة الإسرائيلية ـ حالة بين هويتين ـ لكن هذه الحالة لا تستمر حتى نهاية المقطوعة، بل يعود الى الإيقاع الشرقي وكأنه يتذكر موطنه وحبيبته في مصر. التناقض نفسه كما تم تحوير اللحن الأساسي (لحن المقدمة) في علاقته بالفتاة الإسرائيلية.