دمشق – «القدس العربي»: في ثاني أيام الكارثة الإنسانية، لا يزال آلاف الضحايا على امتداد الشمال السوري، من مدينة جرابلس في ريف حلب في أقصى شمال سوريا، وحتى مدينة جسر الشغور شمال غربي البلاد، تحت الأنقاض، بينما يقدر عدد المفقودين بأكثر من 20 ألف مفقود وفق مصادر ميدانية لـ “القدس العربي”.
وبعد 48 ساعة من عمليات الإنقاذ المتواصلة، ارتفعت حصيلة ضحايا الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وامتد إلى محافظات إدلب وحلب وحماة واللاذقية وطرطوس شمال غربي سوريا، فجر الاثنين، إلى نحو 2000 وأكثر من 4000 مصاب في عموم سوريا، وفق إحصائيات رسمية من جانب وزارة الصحة لدى النظام، والدفاع المدني في مناطق المعارضة السورية. وقالت وزارة الصحة في دمشق، إن عدد ضحايا الزلزال ارتفع إلى 812 وفاة و1450 إصابة في محافظات حلب، اللاذقية، حماة، طرطوس في حصيلة غير نهائية.
مدير صحة إدلب الدكتور زهير قراط قال في تصريح لـ “القدس العربي” إن عدد ضحايا الزلزال شمال غربي سوريا ارتفع إلى أكثر من 900 حالة وفاة وأكثر من 2300 مصاب، مشيراً إلى أن نحو 1500 إصابة وصلت إلى مستشفيات مدينة إدلب.
«لا مساعدات دولية»
وأكد قراط أنه “إلى الآن لم يصل أي نوع من المساعدات الدولية إلى الشمال السوري، رغم أن حجم الكارثة أكبر من قدرة القطاع الصحي والمستشفيات على الاستيعاب”.
وتحدث مدير صحة إدلب عن مبادرات فردية محلية، مشيراً إلى أن المنطقة المنكوبة في انتظار “مساعدات دولية تساوي حجم الكارثة”. وخلّف الزال العنيف كارثة إنسانية مفتوحة على كثير من المآسي في بلدات ومخيمات الشمال السوري، التي عانى أهلها ويلات النزوح والأمراض والأوبئة، فيما حوّل الزلزال المدمر قراهم وأحياءهم السكنية ومراكز إيوائهم، إلى كتل إسمنتية تجثم فوق صدور عشرات آلاف الضحايا والمصابين. وقالت مصادر محلية لـ “القدس العربي” إن مقبرة جماعية حفرت في منطقة ترحين لأكثر من 50 شخصاً قتلوا في منطقة حارم نتيجة الزلزال الذي ضرب الشمال السوري.
وعلى ضوء ما تقدم، أكد الدكتور دريد الرحمون من مديرية صحة إدلب، في تصريح لـ “القدس العربي” أن أعداد الضحايا مرشحة إلى الارتفاع، عازياً السبب إلى وجود الكثير من العوائل تحت الأنقاض حتى مساء يوم الثلاثاء، وذلك بسبب ضعف الإمكانيات المستخدمة في عمليات الإنقاذ وانتشال الناجين أو حتى المتوفين.
وأضاف: الوضع مأساوي جداً، والمشافي في قدرتها الاستيعابية القصوى، كما أننا ناشدنا العديد من المنظمات والجهات المانحة حتى منظمات الأمم المتحدة اليونيسف والصحة العالمية، وذلك ضمن سلسلة من المناشدات الرسمية من أجل تقديم المساعدات اللازمة. وأضاف: حتى الآن المساعدات المقدمة هي من طرف المنظمات المحلية، أما من ناحية دولية فلدينا اجتماعات مع لجنة الاستجابة الطارئة لدى منظمة الصحة العالمية، ولم يصلنا شيء. وتحاول مديرية الصحة وفق المتحدث، تأمين ما يمكن تأمنيه من أجل تشغل المستشفيات وتمكينها من استقبال الحالات من خلال “شراكاتنا مع المنظمات والجمعيات المحلية، ومن خلال المتوفر ضمن المستودعات” مضيفاً “الفاجعة كبيرة والكارثة أكبر من قدرات القطاع الصحي، لاسيما أن هذا القطاع منهك ولا يملك القوة بالموارد”.
ويقول مصدر ميداني يعمل ضمن فرق الإسعاف التابعة للدفاع المدني السوري لـ”القدس العربي”: إن فرق الإنقاذ أنهت عملها بشكل نسبي وبالحد الأدنى في بعض المناطق وتوجهت جميعها إلى جنديرس، مشيراً إلى أن جنديرس وحدها، تحتاج إلى أكثر من شهر عمل متواصل من أجل رفع الأنقاض، وهذا في حال عملت الطواقم بكامل طاقتها دون أن تنفد مخزوناتهم الاحتياطية.
وقال: التقديرات الحالية تشير إلى أن هناك ما لا يقل عن 2000 شخص عالق تحت الأنقاض، وهناك حاجة ماسة لتدخل فرق إنقاذ أجنبية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في كل من جنديرس وحارم وبستنا وسلقين وسرمدا، حيث نعمل بجهود ذاتية وإمكانيات قد تنفذ خلال يومين، بينما تحتاج المنطقة لأكثر من شهر من أجل رفع الأنقاض.
انهيار 700 مبنى
ويعيش السوريون في المنطقة المنكوبة، بحالة من الذهول والإحباط والشعور بالعجز، بينما يواجهون مصابهم الجلل بفقدان ودفن عوائل كاملة، إذ تزيد عدد الأبنية المنهارة في المنطقة المنكوبة عن 700 مبنى منهار بشكل كامل أو جزئي فضلا عن آلاف المباني المتصدعة.
وكررت منظمة الخوذ البيضاء في بيان رسمي الثلاثاء، دعوتها جميع المنظمات الإنسانية والجهات المانحة الدولية إلى تقديم الدعم المادي ومساعدة المنظمات التي تستجيب لهذه الكارثة وضحايا الزلزال.
وتركز أكبر عدد من الأضرار في ريف إدلب في كل من سرمدا وجسر الشغور وحارم وسلقين والدانا والأتارب وترمانين وأطمة وجندريس واعزاز وعفرين في ريف حلب.
ونشرت منظمة الخوذ البيضاء، مجموعة من الصور الجوية لكتل إسمنتية ومجمعات سكنية مدمرة في بلدة جنديرس في ريف عفرين شمالي، وأرفقت هذه الصورة بعبارات مؤثرة، حيث قالت “تحت هذا الركام أرواح تنتظر الأمل بالحياة، تنتظر القليل من الضوء والأنفاس، تنتظر من يأخذ بيدها للحياة من جديد ويزيل هذه الأنقاض الجاثمة فوقها”.
وفي مقطع مرئي، أثار مواجع السوريين، تداول ناشطون من ريف إدلب مقطعاً مصوراً لطفلة تناشد رجل إسعاف لإنقاذها وهي تضع يدها فوق رأس شقيقتها خوفاً عليها. وبينما يسألها أحد المسعفين عن ألعابها، قاطعته الطفلة قائلة “عمو طالعني، ولح أعمل لي بدك ياه… وبصير عندك خدامة”.
وفي مقطع آخر أكثر إيلاماً، يلقن أب ابنه الشهادة، ويناديه بصوت حزين، بعد أن علق الفتى بين أنقاض المبنى المنهار. كما تداول ناشطون، مقطعاً يظهر فيه فرحة عارمة بعد إنقاذ عائلة كاملة مؤلفة من أب وأم وأطفال، بأدوات بسيطة، من تحت الأنقاض بعد أكثر من 40 ساعة من العمل المتواصل. ورصدت “القدس العربي” ردوداً حول الفاجعة الإنسانية، حيث كتب الإعلامي ماجد عبد النور: منذ قليل قمنا بدفن عائلة من أقاربي استشهدوا في الزلزال، المقبرة كانت عبارة عن خلية نحل من حفاري القبور، عشرات الشهداء بعضهم يوارى الثرى وآخرون ينتظرون، مشهد خلع قلبي، عشت ثلاثة عشر سنة من الحرب ولم أشاهد كمية الموت كما هي اليوم، أم مع أبنائها وأب مع أطفاله وأخ مع إخوته في حفرة واحدة.
وأضاف: أنا عاجز عن وصف المشهد بقدر عجزي عن التعبير، اليوم هو فاجعة السوريين بحق، اليوم كل بيت هو مكلوم وفي كل زاوية خيمة عزاء، كل شيء حزين اليوم حتى الهواء الذي نتنفسه يكاد يخنقنا بعبراته.
ونشر وليد الآغا، وهو من مهجري ريف دمشق، يقول: ذقنا الموت بجميع أشكاله خلال أقل من اثني عشر عامًا فقط، القصف بجميع أنواعه، التفجيرات بجميع أنواعها، بالكيماوي، بالقنص، والرصاص الطائش، وتحت التعذيب، شنقًا، وإعدامًا، واغتيالًا، وذبحًا، وجوعًا، وعطشًا، وقهرًا، وغرقًا، وحرقًا، وبردًا، وتسممًا، وإهمالاً، والآن بالزلازل، أنعشوا ذاكرتي هلى تبقى طريقة أخرى للموت لم نجربها؟! يجب أن تستبدل معاجم اللغة كلمة الموت بكلمة سوريا، فبدل أن يُقال مات، يجب أن يُقال أصبح سوريًا، أظنها أصدق وأشد بلاغة. وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، إن آلاف الأطفال والأسر عرضة للخطر بعد أن ضرب اليوم زلزالان مدمران وعشرات الهزات الارتدادية تركيا وسوريا.
صور تدمي القلب
وقالت المديرة التنفيذية ليونيسف كاثرين راسل: “الصور التي نراها من سوريا وتركيا تدمي القلب. إن وقوع الزلزال الأول في الصباح الباكر، عندما كان العديد من الأطفال مستغرقين في النوم زاد من خطورته”.
وذكرت في بيان، أن أرقام الضحايا التي يتم إعلانها في سوريا وتركيا في ارتفاع مستمر. وتقيّم المنظمة الأممية أثر الزلزالين والاستعداد لدعم الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الشركاء في سوريا، التي تعاني من آثار أزمة فعلية نتيجة الحرب منذ 11 عاماً.
وسلطت المنظمة الضوء على هول الكارثة التي وقعت بينما كان أفراد الأسر وأطفالها نائمين، في ظل انخفاض درجات الحرارة وقسوة الشتاء. وأشارت كاثرين راسل إلى أن الهزات الارتدادية تجلب مخاطر مستمرة. وأن الحصيلة المعلنة غير نهائية، ولازالت قابلة للارتفاع نظراً لوجود عوائل لازالت عائلة تحت الانقاض.
وتعتبر “يونيسف”، أن أولويتها العاجلة الآن هي ضمان حصول الأطفال والأسر المتضررين على الدعم الذي هم في أمس الحاجة إليه في هذه الظروف. وقالت المنظمة المعنية بالطفولة، إن الأطفال لا يزالون في سوريا يواجهون إحدى أكثر الحالات الإنسانية تعقيداً في العالم على شتى المستويات التعليمية والصحية والمعيشية.