خاص ـ «القدس العربي»: توفي صباح اليوم الخميس 09 فبراير/ الناقد والأكاديمي المغربي بنعيسى بوحمالة عن عمر يناهز 72 عاماً، على إثر أزمة صحية طارئة ألمت به، تاركاً وراءه نتاجاً أدبياً يجمع بين النقد والترجمة والمقالة الأدبية، وسمعة طيبة عن أستاذ خلوق ومتمرس في حقول النظرية الأدبية الحديثة، وكاتب من الطراز الرفيع متفتح على الأدب العالمي.
مسار حافل
ولد الراحل (1951- 2023) بمدينة مكناس، واشتغل سنوات طويلة أستاذا بالمدرسة العليا للأساتذة بالمدينة نفسها، وفيها تخرجت أجيال من طلبته الذين أخذوا عنه معارف وقضايا كانت تستجدّ في خارطة النقد ألأدبي، وأعد أطروحة الدكتوراه في الآداب عن جيل الستينيات في الشعر العراقي، وناقشها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وقد نشر دراسات نقدية وترجمات أدبية وفكرية ونصوصا إبداعية في صحف ومجلاّت مغربية وعربية وآسيوية وأوربية وأمريكية.
ورغم اهتمامه في أول عهده بفنون السرد ونظريته، إلا أنه ولاءه الصوفي للشعر لا يمكن أن يخطئه قارئ كتبه ودراساته، إذ رعى بمهماز النقد والمعرفة تحولات الشعر العربي الحديث، والمغربي في إثره، خلال العقود الأربعة الأخيرة، كما لا تجده إلا مشاركاً بنشاط وحماسة في هذا المحفل وذاك حتى يوضع النقاش الأدبي والثقافي في سياقه الأجدر، وإن كان كل ذلك لا يحرمه من إيثاره العزلة في البيت والانصراف عن الجموع والأضواء لشؤونه الذاتية: «إنّني، ومنذ وعيتُ، كنتُ أميلُ إلى العزلة والانفراد والصّمت، إذ يا ما تضجرني الجموع والضوضاء، كما أنّي لا أجدُ راحتي في محفل الطقوس والافتعالات واللياقات التي كرّستها العادات المجتمعية (…) لقد وطّنتُ نفسي، ومنذ زمن بعيد، على تمضية القسم الأوفر من يومي في منزلي.. أقرأ أو أكتبُ أو أنصتُ إلى الموسيقى أو أشاهدُ سينما راقية (…) حريّتي الشخصيّة تزهرُ في رحميّة البيت وطبغرافيته الحميمة».
من أبرز مؤلفاته النقدية التي صارت مرجعاً في بابها:
النزعة الزنجية في الشعر المعاصر، محمد الفيتوري نموذجا، جزءان، منشورات اتحاد كتاب المغرب 2004 و2014.
أيتام سومر، في شعرية حسب الشيخ جعفر، جزءان، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 2009.
شجرة أكاسيا، مؤانسات شعرية، جزءان، دار رؤية، القاهرة 2014.
كما له مساهمات في كتب جماعية في السرد والشعر والتاريخ الثقافي نشرت بالمغرب وخارجه (مكانة الشعر في الثقافة العربية المعاصرة: الشعر والأجناس الأدبية، طرائق تحليل السرد الأدبي، الحاضرة الإسماعيلية…). كما ترجم منتخبات من أشعار الألماني بول سيلان والفرنسيين إيف بونفوا و سيرج بّي والبلجيكي جيرمان دروغنبرودت والإيطالية دوناتيلا بيزوتي والكرواتية لانا ديركاك و السلوفاكي جوراج كونياك. وصدر له في نهاية العام الفائت عن منشورات بيت الشعر في المغرب كتاب مترجم يحمل عنوان «آرثور رامبو: مقاربات.. شهادات.. إضاءات»، في 234 صفحة من القطع المتوسط. وتتشكّل مادة الكتاب من مقاربات، شهادات، وإضاءات لأكاديميّين ونقّاد وشعراء خبروا جيّدا عوالمه وأدركوا جوهر تجربته، ويمكنهم، بالتالي، اقتسام خبرتهم المتحصّلة مع القارئ توخيا لإلمام أكثر سدادا بقصيدة الشاعر وصياغتها ومحمولاتها الفكرية والجمالية.
وكان قد صدر عن منشورات دار الأمان عام 2017، بدعم من وزارة الثقافة، كتاب جماعي حول أعمال الناقد المغربي الراحل، بعنوان: «بنعيسى بوحمالة: تآويل العين والروح»، وقد نسق مواده وقدم له الناقد عبد الرزاق هيضراني، ويتكون من ثلاثة أبواب (دراسات، شهادات، حوارات)، وشارك فيه نقاد وشعراء وإعلاميون من داخل المغرب ومن خارجه (سوريا، ليبيا، العراق، فرنسا، كرواتيا، موريتانيا، فلسطين..) تقديرا لعطاءاته واحتفاء بجهوده النقدية الوازنة التي تميزت بالاِنفتاح المنهجي المسؤول على بدائل نقدية مختلفة.
شهادات
الصديق العزيز بنعيسى بوحمالة، في غمرة الزلزال الزّؤام الذي ضرب تركيا وسوريا، سمعتُ فتى سوريا مفجوعا يقول: الراحلون بخير. أنا الذي أتألم. أتسمعني؟ (نجيب العوفي)
خسارة كبيرة! لا يخفف من حزني على فقدانه سوى تقديري لما بقي من إنتاجه المميز في عيون القراءة. (شربل داغر)
منذ قرأتُه في أول نص في مجلة «الزمن المغربي» بكل جِدّته وفطنته وقوّته ولغته وأفقه: الخطاب الاستجدائي بين الوظيفتين، اللغوية والشعرية (1982) وإلى آخر لقاء لنا في مؤتمر بيت الشعر في الرباط، لم أتوقف عن قراءته أبدًا.. وعن صداقته ومحبته. وها هو يغير الاتجاه والعنوان، وينتقل من علاقة قول إلى علاقة صمت. ما أقساها حتى إنني لم أصدق فالموت لايشبهه، إذ كان دائمًا خلاقًا صانعَ حياة ! كيف سأثق في انصرافه الطارئ المفاجئ المحزن؟ ولكن الموت، كما نعرف وكما لم نجرّب، يظل الحقيقةَ الوحيدةَ الممكنة. (حسن نجمي)
بنعيسى بوحمالة .. وداعا وإلى عزلتك الأبدية.. ثقافة ثريّة بروافدها المغذيّة المتشعّبة في جغرافيات وتواريخ شتى،
وأسلوب لايُضاهى، ولعلّه أن يكون ميزة تفرّد وامتياز. (إسماعيل أزيات)
مبدع وناقد عميق، يجيد الإصغاء للنصوص، ويتمثلها في لحظة تأويلها، فيصيرها.. صموت ومتأمل باستمرار، مجالسته كانت طقسا باذخا. (عبد النبي دشين)
الناقد المغربي د. بنعيسى بوحمالة ابن مكناسة الزيتون يغادرنا إلى دار البقاء. عُرف الراحل بقلمه الرصين في نقد الشعر. (عبد النبي ذاكر)
ما أقسى الموت وما أصعبه، حين يفقد المرء نموذجا للإنسانية الرائعة، وللكتابة الجادة، ولملهم حقيقي في الحياة. بنعيسى بوحمالة لم يكن أحد أعلام النقد والترجمة في المغرب وخارجه، ولكن روحاً عالية تدفعك إلى أن تكون الأحسن في مجالك وفي الحياة. (عبد الرزاق المصباحي)
وداعا بنعيسى.. ستبقى في أعين محبيك شابا أنيقا مَهْما أوْغلتَ بالرحيل في الزمن! (محمد بشكار)
نفقد اليوم اسما لامعا في استكناه اغوار الشعرية العربية والكونية بكل تشابكاتها. الدكتور بنعيسى بوحمالة أحد الذين بصموا الحقل الثقافي المغربي بأبحاثه وكتبه ومقالاته. (سعيد بن الهاني)
غصن آخر من أغصان شجرة النقد المغربي الحديث يترجل في صمت… بنعيسى بوحمالة: ما أقسى الموت… ما أقبح الرحيل! (عبد الهادي روضي)
حيل أيقونة من أيقونات النقد العربي، وعلَم من أعلامه، الذين تميزوا بأسلوب نقدي مختلف ومفارق للسائد النقدي في العالم العربي. (صالح لبريني)