غزة ـ «القدس العربي»: أثبتت التجربة الميدانية على الأرض فشل المخططات التي أعدتها الحكومة الإسرائيلية اليمينية للفصل بين الساحات الفلسطينية، وأن المقاومة سواء المنظمة منها في غزة، أو الفردية في الضفة والقدس المحتلة، لا يمكن أن تسكت على أي هجوم تقترفه قوات جيش الاحتلال، بتوجيهات المستوى السياسي المتطرف، وهو ما دفع بالوسطاء المعنيين بالهدوء للتحرك بشكل عاجل لمنع انفجار الساحات الفلسطينية.
بداية الفعل الميداني، كان عقب التحرك العسكري الأخطر لحكومة اليمين الإسرائيلية منذ توليها مقاليد الحكم، حين نفذ جيش الاحتلال هجوما داميا على مخيم جنين قبل أكثر من أسبوعين، أسفر عن استشهاد 10 فلسطينيين بينهم نشطاء ومسنة، ليفجر ذلك الهجوم الذي أرادت من وراءه حكومة تل أبيب ترهيب الفلسطينيين من جهة وبالأخص المقاومة في شمال الضفة، وفصل الساحات الفلسطينية من جهة أخرى، بانتهاج سياسة الفصل بين الضفة وغزة والقدس، ليفجر موجة غضب شديدة، أثبتت فشل ذلك المخطط، وما تلاه أيضا من هجوم آخر مطلع الأسبوع الماضي، باستهداف مدينة أريحا، وتحديدا مخيم عقبة جبر، بسقوط خمسة شهداء، بعد حصار استمر عشرة أيام فرض على المدينة الواقعة شرق الضفة الغربية.
وقد جاء هذا التحرك الإسرائيلي باللجوء إلى القوة الغاشمة وتعمد إيقاع عدد كبير من الضحايا في صفوف الفلسطينيين، بعد هجمات ممنهجة نفذت ضد الأسرى والأسيرات في السجون، بتوجيهات مباشرة من وزير الأمن القومي المتطرف ايتمار بن غفير، والتي طالت كل مناحي الحياة في السجون، وتخللها الاعتداء الجسدي على الأسرى والأسيرات، ونقل العشرات منهم، وزج آخرين في الزنازين، ضمن مخطط كان سيقود لتقليل الطعام وتقليص وقت الفورة والزيارات، وبعد الإعلان عن سلسلة مشاريع استيطانية خطيرة، تهدد مستقبل حل الدولتين.
غير أن مجمل هذه الهجمات، أثبتت من جديد فشل المخطط الإسرائيلي، وذلك من خلال ردود الفعل التي انتهجتها المقاومة الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، فلم تجعل المقاومة الاعتداء على الأسيرات يمر بدون ردود، ففي الضفة التي تنشط فيها مجموعات مسلحة، نفذت عدة عمليات استهدفت الحواجز العسكرية، أما في غزة التي ركزت حكومة تل أبيب على فصلها عن باقي الساحات في خطتها الجديدة، لعلمها مدى تأثير هذه الجبهة التي تملك الصواريخ والأسلحة القادرة على التأثير في يوميات الإسرائيليين، فكان الرد سريعا، من خلال إطلاق المقاومة رشقات صاروخية على المستوطنات القريبة من حدودها، وهو ما تكرر في الاعتداء الدامي على مخيم جنين، والتلويح بالرد الذي لا تزال تنتظره إسرائيل، بعد مجزرة مخيم عقبة جبر.
توسيع المواجهة
وكان لافتا في التصعيدات العسكرية الأخيرة التي شهدتها غزة، حين شاركت في الردود على مجازر الضفة والهجمات ضد الأسرى، أن هناك رسائل نارية بعثت مباشرة لحكومة تل أبيب، بعد أن تجاهلت تلك الرسائل التي نقلت عبر الوسطاء المعنيين بالتهدئة، فلم تقف المقاومة هذه المرة عند حد إطلاق صواريخ على المستوطنات، وانتظار الرد على قصف مواقعها من المقاتلات الحربية الإسرائيلية، فخلال الغارات ردت المقاومة باستهداف الطيران المغير بصواريخ أرض جو، أطلقها الجناح العسكري لحركة حماس، وبأخرى استهدفت لحظة القصف مستوطنات أخرى في محيط القطاع، لتكرس بذلك نهجا يشير إلى نوايا توسيع المواجهة، والقدرة على خوض معركة «وحدة الساحات».
وفي هذا السياق قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، إن المقاومة ستبقى هي سيدة الميدان رغم المجزرة البشعة في مخيم عقبة جبر، وأن الجناح العسكري لكتائب القسام سيواصل العمليات مع كل الثوار من الشعب الفلسطيني «حتى يندحر الغزاة عن أرضنا».
وشدد هنية على أن توالي القتل الذي يمارسه الاحتلال في أرض الضفة «سيكون وبالًا عليه» مؤكدا أن التدخلات الدولية والإقليمية لن تنجح «في وقف المد الثوري لشعبنا» وأضاف متوعدا «لن ينعم العدو بالهدوء، والأيام سجال ما دام في شعبنا عرق ينبض».
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقد أكدت أن المقاومة الفلسطينية وثوارها وشبابها «يعرفون الطريق ويملكون الأدوات والمعرفة للرد على جرائم الاحتلال والإرهاب الصهيوني، والتصدي لحكومة الفاشيين الجدد» وقالت بعد مجزرة عقبة جبر «كل شهيد يرتقي سيتبعه آلاف المقاتلين، سيدفعون العدو أثمان جرائمه».
ووفق ما كشفت عنه تقارير عبرية، فإن جيش الاحتلال انتهج سياسة عسكرية مضبوطة في التصعيدات الأخيرة مع غزة، خشية من انفجار الأوضاع بشكل أخطر، ووصولها إلى حرب جديدة، على غرار تلك التي وقعت في ايار/مايو من العام 2012 حين تدخلت غزة لنصرة القدس، وهو ما دفع بمسؤولين أمنيين في تل أبيب للتحذير من سياسة الوزراء المتطرفين أمثال بن غفير، الذي يدفع صوب التصعيد.
وبدا ذلك واضحا، من تصريحات بن غفير التي طالب فيها بقصف غزة بـ 50 صاروخا، حال أطلق صاروخ واحد منها، رغم جهود التهدئة، وقد أدلى بهذه التصريحات خلال زيارته لإحدى المستوطنات القريبة من غزة، وذلك بعد أن كان قد اعترض على طريقة رد الجيش، وطالب بأن يكون الرد عنيفا، واصفا القصف الجوي لغزة بـ«الضعيف».
ولذلك كثف الوسطاء سواء الدوليين أو الإقليميين من تحركاتهم لتهدئة الضفة الغربية وغزة، والتي تمثلت بوصول وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الذي عقد مباحثات ولقاءات في تل أبيب ورام الله، من أجل نزع فتيل التصعيد، خاصة بعد قرار القيادة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، والتوجه نحو الانضمام إلى منظمات أممية جديدة، والاستمرار في مقاضاة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية، وما صاحبها من تحرك الوسيط المصري، الذي يتوكل الإشراف على تهدئة غزة، خاصة بعد مجزرة عقبة جبر، في عملية فهمت أنه منسق لها ما بين واشنطن والقاهرة، لعلمهم بعدم القدرة على فصل الساحات الفلسطينية، بعد أن غامرت حكومة اليمين الإسرائيلي في تجربة فاشلة.
وقد شهد الأسبوع الماضي، تحركا مصريا عاجلا، تمثل بزيارة مدير المخابرات اللواء عباس كامل لرام الله، ولقائه الرئيس محمود عباس، وإرسال القاهرة وفدا أمنيا إلى تل أبيب، استضافت بعض الفصائل المقاومة لعقد حوارات في القاهرة، بدأتها بحركة الجهاد الإسلامي، وتلتها بحركة حماس.
ويدور الحديث بأن جهاز المخابرات المصرية، أعد خطة للتهدئة، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، جرى نقاشها مع الرئيس عباس، وقيادة الفصائل الفلسطينية، ومن أجل إقرار التهدئة الكاملة، طالب الجانب الفلسطيني الرسمي بأن توقف إسرائيل هجماتها العسكرية ضد المناطق الفلسطينية، وتوقف تطبيق خطة الوزير المتطرف ايتمار بن غفير ضد الأسرى، وهو أمر أخذه الوسيط المصري في الاعتبار، كما قدمت الفصائل الفلسطينية في غزة، ذات المطالب للوسيط المصري الذي أجرى معها عقب التصعيدات العسكرية المحدودة في غزة اتصالات عن بعد. ويتردد أن الوسيط المصري حصل على وعد إسرائيلي بإنهاء التوتر في السجون، ووقف الإجراءات العقابية، وقد أبلغت قيادة الأسرى بهذه الخطوة، ولذلك أعلنت عن وقف إجراءاتها التصعيدية ضد إدارة السجون، والتي بدأت بالدخول في حالة «الاستنفار العام» وبعدها حل الهيئات التنظيمية، إلى الدخول في الإضراب الشامل.
ووفق المعلومات المتوفرة، فإن الوفد المصري نقل تحذيرات قوية للجانب الإسرائيلي، تنذر بتصعيد العمل المقاوم على ساحة غزة، في حال بقيت الأمور على ما هي عليه، بسبب سياسات الوزراء المتطرفين، وشدد الوفد كذلك على ضرورة خفض التصعيد العسكري في الضفة، بما في ذلك الهجمات الاستيطانية.
وأجرى وفد قيادي من حماس برئاسة هنية، وعدد من أعضاء المكتب السياسي البارزين، لقاءات حول التهدئة مع جهاز المخابرات المصرية، وذكرت الحركة أن زيارة الوفد للقاهرة خصصت لبحث «الإجراءات الخطيرة التي يقوم بها الاحتلال في مدينة القدس والمسجد الأقصى، وتصاعد الإرهاب تجاه شعبنا وعمليات الاغتيال بحق المواطنين، وحالة الحصار في القطاع، وسبل التعامل مع هذه التطورات وما تخطط له حكومة المتطرفين الحالية في تل أبيب».
وسبقه في اللقاءات وفد قيادي من حركة الجهاد الإسلامي، وقالت الحركة إن وفدها برئاسة الأمين العام زياد النخالة، الذي اختتم منتصف الأسبوع الماضي زيارته للقاهرة التي استمرت ثلاثة أيام، التقى عددا من المسؤولين المصريين، وعُقد اجتماعا رسميا مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير عباس كامل، وأن مباحثات الوفد تركزت حول الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية والقدس، بالإضافة للتطورات السياسية وأهمية تحقيق الوحدة الوطنية لـ «مواجهة حكومة التطرف الصهيوني» حيث أكدت الحركة على موقفها الثابت في مواجهة العدوان على الشعب الفلسطيني وأرضه.
وأكد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل، أن الاحتلال يسعى لفصل الساحات الفلسطينية عن بعضها، لكنه شدد على ان «فلسطين كلها في الأيام السابقة كانت ساحة مقاومة واحدة» ولوح بدخول غزة على خط المعركة، في حال استمر التصعيد في الضفة، بالقول «غزة ما زالت حاضرة وبقوة وأصابعها على الزناد».
وأشار إلى أن الاحتلال يعتقد بأنه بإراقة الدماء وتدمير البيوت والاقتحامات والاستيطان الشعب الفلسطيني قد يتراجع، وأكد ان الشعب الفلسطيني «يمتلك ثقافة المقاومة وكل شعبنا اليوم في حالة مقاومة أمام الاحتلال».
أما عضو المكتب السياسي للحركة خالد البطش، فقد أكد أن الاحتلال تعمد استهداف مخيم عقبة جبر، واعتقال القيادي في الحركة خضر عدنان، وهذا يعتبر «رسالة سلبية للجانب المصري خلال استضافته لوفود الجهاد وحماس» وأضاف «كأن إسرائيل تقول أنها لا تقيم اعتبارا لما تقوم به مصر من جهد».
وخشية من تصعيد كبير خلال شهر رمضان حيث يحل خلال أيامه أحد الأعياد اليهودية، التي تكثر فيها اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، في عمل يثير غضب الفلسطينيين، كشف النقاب عن وضع جيش الاحتلال خطة جديدة للتعامل مع تصعيد محتمل، تشمل الدفع بكتائب عسكرية للضفة والقدس، وإجراء مناورة في المسجد الأقصى تحاكي اقتحام كبير، وذلك خشية من فشل جهود الوسطاء، الذين يأملون في اتمام المهمة قبل شهر اذار/مارس، خاصة وأن أحداثا مماثلة في رمضان الذي حل في العام 2021 فجرت حربا جديدة مع غزة، بعد تدخل المقاومة لنصرة القدس.