«رقص الإبل» رواية المصري فتحي إمبابي: تنوع الخطاب والموقعية السردية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في رواية «رقص الإبل» للكاتب فتحي إمبابي هناك اشتغال على مجموعة أفكار أو ثيمات تغلّف وتسيّر العمل الروائي في نموّه السردي، وتؤطر الحكاية وتسهم في تجليها، فالحكاية بالرغم من وجودها وتحققها ووضوحها لا تكفّ عن الإشارة إلى مجموعة من المداخل المعرفية التي يصلح كل واحد منها لأن يكون وسيلة لقراءة العمل ومساءلة بنياته من خلاله، منها مشكل الهوية وتفتته إلى انتماءات مذهبية صغرى تفتت نصاعتها، وما يلحق بها من جزئيات قد تكون خادعة، ومنها أيضا مساحات الجدل والاشتباك والصراع بين الشمال والجنوب، مطلق الشمال والجنوب في كل تجلياته، والأيديولوجيات المضمرة الصغرى، والحداثة الزائفة التي لا تقوم أو تُبنى على أسس راسخة، فينشأ نتيجة لزيفها ولإطارها الشكلي نوع شرس من الأصوليات الدينية المتشددة.

تمثل «رقص الإبل» جزءا من إطار أكبر، فهي لبنة داخل مشروع إبداعي ممتد، لأنها تمثل العمل الثالث داخل خماسية روائية، يمكن أن نطلق عليها خماسية النهر، وتتكون من «نهر السماء»، و«عتبات الجنة»، و«رقص الإبل»، ثم روايتان أخريان لم تنشرا، هما «عشق»، و«منازل الروح»، وفي الأعمال الثلاثة التي نشرت هناك منحى فكري تلحّ عليه يتمثل في قيمة نهر النيل في تشكيل الهوية المصرية الممتدة عبر الزمن، حيث يشكل أثر هذا النهر جزءا أساسيا من وجودها الصلب المستمر.
واللافت للنظر أن هذه الخماسية يؤطرها نطاق زمني يتمثل في القرن التاسع عشر، وهذا القرن يمثل بداية الصحو والانتباه، لأنه الإطار الذي بدأت فيه تتشكل الهويات انطلاقا من الوعي بالذات، والوعي بالآخر والاختلاف معه، ووضع صورة الذات في مرآة الآخر تقليدا أو نفورا حسب الانتماء المذهبي ارتباطا بالارتكاس إلى الخلف أو اهتبالا لقيم الحداثة، ومن خلال هذا الجدل بين التوجهين تتشكل الصراعات. تستند الرواية إلى جذر تاريخي يرتبط بحركة المهدية في السودان، وصراعها مع الحكم المصري بجدائل تشكله من أتراك وإنجليز وجنسيات شتى، مما يجعل الرواية منفتحة على هذا الصراع بين الأصولية الدينية والتحديث الشكلي، فهي رواية تحذرنا من الأصولية الدينية التي تتشكل بعد كل هزيمة للتحديث، وكل خطوة فاشلة في بناء الدولة المدنية، خاصة بعد هزيمة عرابي.

تنوّع الخطاب

تستند الرواية من خلال ضمير الغائب العليم إلى سلطة النماذج المتخيلة في الأدب والثقافة العربية، وإلى التكرار الدوري الثابت للنمط الكاشف عن الاختزان المستمر، مما يعطي مشروعية، فتشكيل شخصية المهدي لا يمكن فصلها عن شخصية محمد عليه الصلاة والسلام، في إسدال التماثلات والتشابهات ومحاولة الانتساب، مما يعطي قداسة تضع الآخر في سياق خاص، ويعطي للمتشبه مساحات من المغايرة والاختلاف والعلو ودمغ الآخرين بدونية تتيح له التعامل غير الأخلاقي في ساحات المعركة بوصفه آخر مغايرا. ويمكن تلمس أثر النموجي التراثي في تشكيل قصة الحب أو العشق بين التلب وابنة عمه مسك الجنة، فكل ما روي من روايات وحكايات مخالفة للنسق المنطقي المقبول لها تأثير في تشكيل قصة الحب، وكأن الكتابة الأدبية وفق النموذجين السابقين تكرار دوري بأشكال مختلفة استجابة لأنماط لها سلطة وشيوع، مع إضافات توجبها طبيعة اللحظة والسياق الحضاري، والتساؤلات الكبرى التي تجلّي وجودها طبيعة هذه اللحظة.
إن نظرة متأملة إلى الرواية تكشف عن تعدد الخطابات، مثل الخرائط والصور والرسائل والتقارير وبيانات الدعوة أو الثورة المهدية، ومقدمات الفصول أو الأجزاء السردية السبعة. فكلّ هذه الخطابات تتآزر فيما بينها لصناعة التأويل، وفي فهم العالم، وفي تشكيل المنحى المعرفي للرواية. واستخدام الخطابات داخل النص الروائي، ربما يعود في جانب منه إلى قيمة المعارف والمصادر الثقافية، في محاولة لإثراء النص دلاليا وفكريا، ومنح العمل الروائي بعدا من الموثوقية والمصداقية، ولكن أعتقد أن السبب المهم داخل الرواية الواحدة يعود إلى طبيعة الكشف عن الجوانب المخفية التي ربما لا يكشف عنها الخطاب السردي في تجليه الأحادي.
ولكن تآزر هذه الخطابات يأخذ مدى واسعا أكثر دلالة وتأثيرا، إذا كانت هذه الخطابات لغوية بعيدا عن الخرائط أو صور الشخصيات التاريخية، لأن هذه الخطابات اللغوية المصاحبة سواء احتلت مكانها داخل المتن السردي، أو تحركت بعيدا عن هذا المتن، واحتلت مكان الصدارة في مقدمات الأجزاء والفصول تظلّ منفتحة على الفعل التأويلي للحدث، وليس الحدث بحد ذاته. فكثرة الخطابات التي يتوسّل بها الروائي جرح للخطية السردية الممتدة، واستيقاف لها، لوضعها في بؤرة التأمل والتركيز، للوصول إلى الأسباب الحقيقية لقيام الثورة المهدية وانتصارها.
فهذه المغايرة وإن كانت توحي بالحيادية، فإنها في الوقت ذاته ومن خلال حضور المتكلم تجعل النص السردي – ارتباطا بخطاب الرسائل- يحتفي بالمقدس، حيث يستمد قداسته من الانتساب، وإسدال التشابه مع نمط جاهز مثل الخضر والرسول. فنصوص المهدي بوصفها خطابا من خلال رسائله ونصوص شريعته، أو منشورات الدعوة تؤسس الرؤية المقدسة للمهدي من جانب، ومن جانب آخر تؤسس مشروعية لسلوكه، ولسلوك قوّاده في القسوة في التعامل مع المغاير.

الموقعية والحوار مع النص

في تفعيل الآلية التي قدمها النص الروائي من خلال تعدد الخطابات للقضاء على الخطية السردية، نجد أن هناك آلية تشكيلية أخرى متجاوبة مع هذا التعدد، هي آلية في الأساس مرتبطة بطبيعة تلقي النصوص، فإذا كانت عملية التفتيت ذات قيمة في الوصول إلى المخفي من وجهات النظر، ولمس الحقائق المتوارية، فإن اختيار بعض الجمل والعبارات من سياقها اللغوي والسردي، ونقلها لتحتلّ موقع صدارة الصفحة على اليمين أو اليسار، ووضعها في مربع أو دائرة مع تغيير سمكها الكتابي، يصبح في الأساس عمليات من عمليات التوجيه في تلقي النص، او على الأقل تتحول عملية النقل هذه إلى عملية مضادة للتفكيك السابق، لأنها بهذا الوضع المميز، تصبح وكأنها نسق يكيّف النص السردي ويؤسس اختيارا لتلقيه.
وتتعدد أشكال هذه الآلية ودلالتها، فهي في شكلها البدائي مؤطر زمني أو يومي للحرب بين الجانبين، ونلمح ورودا لافتا لهذه الوظيفة في الجزء الأخير من النص، ولكنها في أحيان كثيرة تتحوّل إلى موسيقى لها أزيز توجه التلقي، ويصبح حضورها مستمرا، ولا تكف عن الرنين أثناء القراءة، خاصة إذا أدركنا أن النص الروائي عند فتحي إمبابي مهموم بنقل العالم بحذافيره، واستيلاد آليات شكلية خاصة تسهم في نقل الإحساس الداخلي للشخصيات، فنقل جملة من المتن السردي، لكي تحتل موقعا خاصا على يسار الصفحة أو يمينها يحمل دلالة استكشاف داخل عالم يموج بهويات مضمرة.
تأمل بعض الجمل البارزة المنقولة من موقعية إلى موقعية أخرى قد يكون له دور في التكهن والتوقع لطبيعة العمل القادم، خاصة أن هناك إشارات لاسم العمل وجاهزيته للطبع والنشر في إطار الخماسية المقترحة للنهر. فوضع كلمة (عشق) داخل مربع خاص، بالإضافة إلى تكرارها ثلاث مرات، في بداية الفصل الذي يتمّ فيه الجمع بين (التلب)، وابنة عمه (مسك الجنة)، بعد فراق شبيه بالتيه الذي تمّ بين آدم وحواء في بداية الخليقة، يكشف عن أن هذه الحكاية التي تشكل جزءا مهما في الرواية الآنية، سوف تكون محور الرواية القادمة، وفق سياق وتوجه جديدين، يكشفان عن بداية جديدة، في سفرهما إلى جنوب السودان، في محاولتهما التخلص من آثار المهدية، في بحثها عن نصاعة، تؤدي إلى تكفير الآخر المغاير، والبحث عن هوية جديدة بعيدا عن الوصاية المصرية.
نقل الموقعية لبعض الجمل آلية مهمة لمقاربة الحادثة روائيا، للوصول إلى اسباب وجودها وانتشارها، ولكن الآلية الأكثر حضورا وأهمية تتمثل في اعتبار الخماسية الخاصة بالنهر نصا واحدا، حيث يقيم النص الآني «رقص الإبل» حوارا مع نص روائي سابق للكاتب داخل هذه الخماسية (عتبات الجنة) (النص الثاني في الخماسية). وربما كان السؤال هنا مرتبطا بالمبرّر الفني الذي يجعل الروائي في هذا الجزء أو هذا النص الاني، يعود إلى جزئية تمّ الاشتغال عليها في رواية سابقة بشكل كامل، وهي رواية متعلقة باثني عشر ضابطا مصريا من المشاركين في ثورة عرابي، تمّ الحكم عليهم بالإعدام، وخفّف الحكم إلى النفي إلى مديرية خط الاستواء.
وقد يكون المبرّر مرتبطا يتداخل العوالم، أو تداخل الأزمنة، أو مدارات الصراع التي تتشابك في لحظات معينة، ولكن طريقة تقديم الجزء الرابع في هذه الرواية (مديرية خط الاستواء) في حوارها مع الرواية السابقة، ربما يكون وراءه هدف آخر، يرتبط بتمجيد الجيش المصري، وسلوكه الحضاري والإنساني، خاصة في ظل استحضار أن هؤلاء الضباط مشدودون إلى لحظة هزيمة مرتبطة بالثورة العرابية، ولكن كل ذلك لم يغيّر طبيعتهم أو سلوكهم الإنساني. فمع القائد (الفولي) هناك دور إنساني في إعادة مفقودات ومسروقات قبيلة (ألياب)، وفكرة الزواج بالسودانيات تكشف- أيضا- عن إزالة التراتب، أو ذوبان النظرة المستعلية التي دائما ما تكون حاضرة مع كل مستعمِر، بالإضافة إلى حضور فكرة الزراعة انشدادا لهوية خاصة بالمصريين، ونقل معارفهم في هذا الجانب، وتحديد الآليات الخاصة بهذا العمل.
ويتساوق مع التوجه ذاته في التدليل على الوجه الحضاري أو الإنساني للضباط المصريين، سلوك الأورطات المصرية الذين رفضوا المشاركة في نهب قوت الأهالي، مفسرين رفضهم-حسب نص الرواية- بأن الحكومة المصرية تفرض ضرائب، أو تضع على رأس البلاد والإدارات حكاما فاسدين، ولكن القوات العسكرية ليس في تاريخها نهب قوت السكان)، ويمكن فهم سلوك الأسبران- سوادني الجنسية وهبه أبوه للخديوي ليلحقه بالجيش المصري- في رفضه محاربة الجيش المصري بعد عودته إلى السودان، ووصوله إلى أهله في الرهد مخاطبا أمه (يا أمي النفر ما يحارب أهله وإخوته، وكمان ما يحارب جيشه، والجيش المصري جيشي) في إطار المكونات والأسس الثابتة التي تشكل نسقا يؤثر على جميع المنضوين في إطاره. فالهدف من الحوار مع النص القديم يتمثل في أن التغيير في طبيعة أو توجه الحاكم لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير في الوجه الحضاري للضباط المصريين، وكذلك الغلظة الداعشية لحركة المهدية كما تجلت في النص الروائي على الوجه المقابل، لم تؤد إلى خروجهم عن المبادئ الكبرى في حركتهم وسلوكهم.

فتحي إمبابي: «رقص الإبل»
الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2022
403 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية