«مرايا التحولات الرقمية» كتاب سعى للربط بين الناس والرقمنة البروفسور غسان مراد: الذكاء ابتكار والذكاء الاصطناعي تكرار

زهرة مرعي
حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: مثير للأسئلة مؤلف «مرايا التحوّلات الرقميّة والتمثلات الذهنية للذكاء الاصطناعي» للبروفسور اللبناني غسّان مراد. أسئلة مبعثها الغربة المطلقة بيني وبين الثورة التكنولوجية القائمة. لكن طمأنينة تسللت إلى نفسي فنأيت بها عن تحديات جديدة. فعندما سيكون وطني مستعداً للحبو نحو الرقمنة، ستكون أجيال قد رحلت ولن يفوتني ذاك القطار.

«مرايا التحوّلات الرقميّة» مؤلف لمختص في هندسة الكمبيوتر واللسانيات، وحائز على دكتوراه في الرياضيات التطبيقية على العلوم الإنسانية من جامعة السوربون، لهذا يجذب البروفسور غسّان مراد أي متصفح لكتابه لربطه بالحياة والناس. وهكذا تولّدت عندي مجموعة من الأسئلة قد تحمل الفائدة بشكل خاص لمن تمثّل لهم «التحوّلات الرقميّة» تعبيراً منفصلاً عن أصله وفصله العلمي والتقني، إن صح التعبير.
يذكر أن الكتاب يقع في 200 صفحة من الحجم الكبير وصادر عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» 2022.
مع البروفسور غسّان مراد أستاذ حوسبة اللغة في الجامعة اللبنانية هذا الحوار:
○ بعد مطالعة كتابك «مرايا التحوّلات الرقميّة» ألحّ السؤال: الرقمنة صديقة من أو عدوة من؟
•الرقمنة نوع من التقنيات تحمل احتمال الصداقة والعداوة، وذلك يعود لعملية الاستخدام. الرقمنة بحد ذاتها ليست سلطة، إنما استخدام الأدوات هي التي تُشكّل السلطة. فكل تطور يؤدي إلى تغيير، فقد اخترع الإنسان السكين واستخدمه للصيد ولتأمين الغذاء، واستخدمها لاحقاً للقتل. الأمر نفسه يسري على كل تطور تقني وكل الأدوات الناتجة عنه، يمكننا استخدامها في شكلها الصحيح وكذلك السيئ. التعامل مع التقنيات الموجودة، يتطلب منّا بناء الإنسان المحترس. باختصار الرقمنة أو الديجيتال تعود للبنية الفيزيائية للحاسوب المتمثلة بـ «0 و1». وهي نوع من الشحنات الكهربائية إما تكون سلبية وإما إيجابية وهي تمثل المعرفة داخل ذاكرة الحاسوب والأجهزة الرقمية.
○ في مواجهة الرقمنة التي يستعد العالم لاستقبالها هل من فرق بين دول متقدمة وأخرى في طور النمو؟
•بالتأكيد. كان ممكناً للدول النامية استغلال الرقمنة كونها ترتكز على البنية الفكرية كمادة أولية، ففي ظل الرقمنة رأس المال هو الفكر. كان على الدول النامية استغلال الرأسمال الفكري لتنمية مجتمعاتها، لكنّ ذلك يحتاج لبنية تحتية متمثلة بحواسيب وأدوات وما شابه أولا، ثم إلى بنية تحتية بشرية، أي تنمية المهارات الرقمية عند البشر، وهذا يحتاج للمعرفة من خلال التعليم والتعلم. لذلك تبدأ برامج تدريس التكنولوجيا الرقمية من المرحلة الابتدائية لكي تتجذر الرقمنة في من يمثلون المستقبل. وهذا طبيعي وضروري كون المستقبل هو لمن يجيد الرقمنة التي أصبحت ثقافة شاملة في الحياة. فالفجوة الاقتصادية التي كانت قائمة بين الفقراء والأغنياء على صعيد العالم أدّت إلى فجوة رقمية. والفجوة الرقمية أدت إلى فجوة معرفية، والاختلاف واضح بين من يملك امكانية الوصول إلى المعلومات والآخر الذي يفتقدها. الدول المتقدمة هي من تصنع هذه الأدوات، وتالياً تستعملها منذ النشأة وتربي أجيالها عليها، بخلاف الدول الفقيرة المنشغلة بمشاكل كثيرة أخرى. وبرأي أن القائمين على شؤون الناس في الدول التي هي في طور التطور، لا يمارسون إلا الخطب الديماغوجية في الرقمنة ولا يفعلون، فالرقمنة ليست خطابا بل هي معرفة وفعل.
○ من المعني بالتحضير للرقمنة الناس، المسؤولون أم الشركات؟
•جميعنا معنيون. تبدأ الإنطلاقة من وضع الإستراتجيات، وتالياً من بناء الدولة. الدول الغنية كما الإمارات العربية دخلت الرقمنة، وبات على سبيل المثال، بمقدور المواطن الحصول على أوراق ثبوتية، أو على فيزا من خلال الرقمنة. إذاً من شأنها تسريع الوصول إلى المعلومات. في حين أن دولاً أخرى تبتعد عن الرقمنة كل منها لأسبابها الخاصة. ففي لبنان لا خطة لتسهيل حياة الناس عبر الرقمنة والأسباب عديدة كعدم وجود إرادة عند المسؤولين أولاً. وثانياً الرقمنة تؤدي إلى الشفافية، وإلى إرساء ثقافة الإحصاء في بلد تحكمه الطوائف. وثالثاً الجهل بأهمية التحول الرقمي. كما تبرز الحاجة لنقل كل ما هو ورقي إلى رقمي ـ إلكتروني، وهذا يستدعي وجود من يملكون الكفاءات والمهارات الرقمية. وتبدأ البنية التحتية لهذه المهمة من النظام، والمدارس والجامعات والناس الذين يفترض أن تكون لديهم تنشئة رقمية لفهم الرقمنة والبرمجة المعلوماتية. وللرقمنة تأثيرها الكبير على سلوكيات الأفراد والأطفال بشكل خاص. وهذا ما يحتّم وعي الأهل، للحد من الوقوع في مطبات الرقمنة من الأخبار المزيفة إلى التنمر وثقافة المؤامرة والتجسس وغيرها. وغير ذلك من الأمور التي تضاعف حضورها في حياتنا من خلال شبكات التواصل. لهذا معرفة الأهل ضرورية للتمكُن من مراقبة الأطفال.
○ في الصفحة 84 كتبت أن «السرعة أوقعت الغرب في المحظور القيمي، العالم الرقمي في مسار سريع… والناس في مسار بطيء». هل هو إثر الذكاء الاصطناعي على الناس؟
•تفترض فلسفة الحياة أن أي تطور يفترض أن يُثمر راحة للناس. كمثل العمل 30 ساعة أسبوعياً بدل 40. الرقمنة سريعة للغاية وليس للناس قدرة اللحاق بها. مع الرقمنة نذهب إلى العمل ومن ثمّ نحمله معنا إلى البيت. قبل الرقمنة كان علينا الإنتاج، ومعها علينا الإنتاج أكثر. وضعتنا الرقمنة في المحظور الزمني. نتسابق دائماً مع الزمن، ونحتاج منه المزيد. في حين كان مفترضاً بالرقمنة مساعدتنا على التأمل والحياة الأفضل والراحة. علاقة الدول الرأسمالية مع العاملين والموظفين أثمرت وبشكل كاركاتوري بحثهم الدائم عن عطلة الصيف وكيف سيمضونها. يعودون للعمل في الأسبوعين الأولين منه يبحثون في عطلة فصل الشتاء.
○ لماذا يشوِّق الرأسمال الناس للإجازات؟
•كي ينتجوا أكثر وأكثر. يعملون من صباح الإثنين إلى مساء الجمعة، وفي عطلة نهاية الأسبوع يتابعون مهامهم العائلية من تربية وغذاء وترفيه وغيره. جعلت الرقمنة الإنسان في حالة عمل متواصل والبحث الدائم عن الوقت.
○ ومن هذا المنطلق مبعث الشكوى من ضيق الوقت؟
•نعيش تحت ديكتاتورية الوقت. تطورت الرسائل من البريد العادي إلى التلكس، إلى الهاتف وصولاً إلى الهاتف المحمول. ما أدى إلى انتقالنا من البداوة الرقمية حيث كنا نقصد محال الإنترنت بهدف التشبيك، إلى مرحلة الترحال التواصلي. التكنولوجيا باتت رفيق درب للناس، وضاغطة على حياتهم.
○ أفردت صفحات للغة العربية فكم هي مؤهلة للتعامل مع الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟
•اللغة العربية كما غيرها من اللغات هي مجموعة من الرموز والإشارات، يُعبّر عنها كتابة أو صوتاً. ولها امكانية أن ترقمن كباقي اللغات وأن تحوسب، رغم أن التكنولوجيا اخترعت بداية للغات الأجنبية، ومن ثمّ جاءت اللغة العربية. بداية كانت العربية متخلّفة في حوسبة اللغة، حالياً تعمل فرق بحثية عديدة على هذا الموضوع الذي يحتاج لجهود كبيرة.
○ لمن تتبع هذه الفرق البحثية؟
•إجمالاً هي فرق تتبع لمؤسسات رسمية ومراكز أبحاث. وتحتاج لتعاضد فيما بينها لإنتاج تطبيقات كمحركات بحث عربية، أو تطبيقات ذكية تكون فيها اللغة العربية الأساس. والإنتاج فيما خص اللغة مرتبط بإنتاج المعرفة بحد ذاتها. فنحن ماذا سنرقمن؟ عملياً ليس لدينا إنتاجاً فكرياً لننشر المعلومات كي تستفيد الناس منه. عندما برع العرب في الطب ظهرت الحاجة للغة طبية عربية. وضعنا سيء لأننا لا ننتج المعرفة. بينما تمتلك لغتنا كافة الظواهر اللغوية التي تسمح لها بأن تكون لغة عالمية مرقمنة ومحوسبة لتساعد على إنتاج تطبيقات وبرمجيات للتنقيب عن المعلومات وبرامج الترجمة الآلية، وغيرها.
○ في عصر الرقمنة كيف ستتغير برامج التدريس وكذلك المادة الإعلامية من مرئية ومكتوبة ومسموعة؟
•نحتاج تدريب المدربين ليتابعوا فيما بعد تدريس الأطفال، وهذا ما تفتقده كليات العلوم الإنسانية في العالم العربي. في كليات العلوم الإنسانية في العالم العربي تُدرّس التكنولوجيا وكأنها آلة للطباعة، بينما المعلوماتية علم. ولهذا يجب أن تُدرّس كعلم وليس كأدوات زينة. نجحنا بإدخال مادة «مدخل إلى المعلوماتية والمعلوماتية التوثيقية» في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، وهذا غير كافٍ. نحتاج بنية بشرية متخصصة بالموضوع لتأهيل الطلاب. من جهة موازية، الاختصاصات كافة تأثرت بالرقمنة، ودخلنا كبشر مرحلة الإنسانية الرقمية، ولملاحظة ما يحصل فيها نحتاج لفهم الإنسانيات الرقمية لتجيب عن كيفية تأثر العلوم الإنسانية بالتكنولوجيا. لهذا يفترض أن يعرف المؤرخ بالرقمنة، فعملية التأريخ ومقارباتها اختلفت، والأمر نفسه في الجغرافيا والفلسفة وعلم النفس والإعلام وعلم الاجتماع وغيرها… فكافة الاختصاصات تحتاج لمختصين يعرفون الرقمنة من أجل بناء برمجيات تساعد في العمل البحثي المرتبط بهذه العلوم.
○ بالنظر إلى عامة الناس نترقب جيلاً بكامله سيُقصى عن التواصل الرقمي؟
•لو وجد في العالم العربي تدريب منهجي في المؤسسات، لوجدت السكرتيرة في عمر معين تدريباً فتصبح على بينة مما يحصل في العالم الرقمي، وهذا ما نسميه التعلم مدى الحياة ولكن ذلك لم يحصل فعلياً. فقدان التدريب يؤدي لاستبدال هذه الفئة من العاملين بالشباب. يحتاج العاملون لبرامج تأهيل، للبقاء على تماس ومعرفة بما يحصل في هذا العالم.
○ وماذا عن الفن والفنون والأدب والشعر والرسم هل سيحلُّ الذكاء الاصطناعي مكانهم؟
•الجديد لا يلغي السابق، بل يرتكز عليه، كافة المهن عليها أخذ التكنولوجيا بعين الاعتبار، وأن تستغلّها وأن تتاقلم معها وتطوعها في عملها. وهذا لا يعني أن الآلة ستحل مكان الشاعر أو القصصي، أو المفكر. هي مساعد للقيام بمجموعة من الأمور. يبقى هذا الإحساس لدى من يُنتِج، ومن يُنتَج له. ومن منظور آخر الدماغ لا يتفاعل مع منتجات الحاسوب، تماماً كما المُنتَج من إنسان.
○ وهي ردة فعلك كمختص بالمعلوماتية؟
•هي نفسها لدى جميع البشر. وذكرت في مطلع الكتاب أنه عندما نقرأ للأطفال، تختلف شبكة التفاعلات العصبية إذا قرأ الأطفال لوحدهم. وفيما يخص الذكاء الاصطناعي، وبما أن البيانات التي جُمعت من خلاله هائلة، فثمة امكانية لأن نكتب كلمة «ورد» مثلاً، والحاسوب سيبحث عن صور للورد. وتالياً يرسم ما يتعلّق بالورد، ولكن تبقى رسمة آلة. الخوف ليس أن تحلّ الآلة مكان الإنسان، بل أن يصبح الإنسان كما الآلة. وهذا ما تحاول المؤسسات الكبيرة العمل عليه. عندما نستورد التكنولوجيا يفترض أن نوطّنها بما يتناسب مع ثقافتنا، لا أن نستغلُّها كثقافة للآخر فذلك سيؤثر على هوية الفرد وهوية المجتمع. وحسب ابن خلدون الناس تُقلّد المُسيطر.
○ وهل للرقمنة قدرة تغيير الحكّام؟
•استخدام التكنولوجيا له قدرة تغيير الحكّام وتجييش الناس، كما حصل خلال الانتخابات الأمريكية السابقة مع ترامب. شركة «كامبردج انلاتيكس» استغلت 80 مليون بروفايل للناس، وراحت ترسل لهم رسائل كل حسب أصدقائه مما ترك أثراً عليهم. مثلاً عندما تعلمين أن صديقاً لك شارك في الانتخاب فقد تتحمسين للانتخاب. حاصرتنا التكنولوجيا في فقاعة المعلومات، فكل منا محصور في ما يحبه ويناسبه. كأن يراقب دائرة أصدقائه فقط بدون الانفتاح على الآخرين.
○ وكيف تستغل المخابرات بروفايلات الناس للإيقاع بهم؟
•لنفترض أحدهم يسكن فرنسا في «zone x» ويبحث عن عمل ولا يجده. وأنه يتفاعل مع مجموعة دون سواها، فيصار لاستغلال نقاط الضعف للإيقاع به. كافة المخابرات تعتمد الأسلوب نفسه. فنحن في مرحلة المراقبة الناعمة. من المؤكد أن حوالي 30 صورة التقطت لوجهك وانت في الطريق إلى حيث نحن الآن. فالكاميرات منتشرة في كافة الأمكنة وخاصة في الغرب. وهي تلتقط صور للناس وتخزّنها في بيانات. وخلال المظاهرات، مثلاً، يمكن معرفة هوية الناس مباشرة، وبماذا يقومون. كانت المخابرات تحتاج سابقاً لسنوات للتعرّف إلى هوية بعض الناس، والآن تحتاج لكبسة زر فقط للحصول على هويتهم ومعرفة كافة نشاطاتهم، ماذا يأكلون ويشربون ومع من يتحدثون وما هي توجهاتهم السياسية والجنسية والعنصرية وغيرها.
○ أليست جريمة بحق الناس وخصوصيتهم؟
•بالطبع وفي البلدان التي تحكمها القوانين. لذلك من لديه «مقتنى» لا يريد اظهاره له ان يفعل. أثّرت التكنولوجيا على ثقافة التمظهر، فليس لك ان تراني كما أنا، بل كما أحلم أن أكون. صارت الناس تعطي وتبرز من ذاتها على شبكات التواصل، ومنهم من يخلع ملابسه لحصد اللايكات. وهنا الناس تلعب دور الكشف عن خصوصياتها. وهذا لم يأت من فراغ، بل هيأ له ما عُرف بتلفزيون الواقع، وفيه جلست مجموعة من البشر في مكان والكاميرات مسلطة عليهم. بعضهم سرّ بتلفزيون الواقع انطلاقاً من جينات التلصلص لدى البشر، أو ما اسميه النظر من «خرق الباب».
○ وأخيراً؟
•نظراً لانبهار العالم بالذكاء الاصطناعي، فبرامج الذكاء الاصطناعي ليست ذكية بل تعمل في سلوكية الذكاء. الذكاء ابتكار وسلوكية الذكاء تكرار. والآلة تفعل ما يطلبه منها الإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية