تقطعت أرواحنا جميعاً، فقد أصابنا الموت في مقتلنا، كلنا دون استثناء، من مات مات، ومن لم يمت ماتت حواسه لعجزها عن فهم هذا الخراب، الذي يحملق بنا، ونحن نشاهد على شاشات الفضائيات حول العالم مشاهد الدّمار الهائل، التي نتجت عن زلزال جنوبي تركيا وشمال سوريّا (6 فبراير / شباط)، والذي تجاوز الآن في عدد ضحاياه زلزال ذات المنطقة عام 1939 بعدما وصل عدد الشهداء إلى أكثر من 35 ألف شخص في تركيا و3600 في سوريا المجاورة، وهي أرقام ليست نهائيّة بالطبع، ناهيك عن عشرات الآلاف من المصابين والجرحى، وملايين المشردين بلا مأوى، بعد أن أطاح الزلزال الغادر بآلاف المباني، وترك آلافاً أخرى منها آيلاً للسقوط.
ولعل مشاهد إنقاذ بعض الأفراد هنا أو هناك، لا سيّما الأطفال منهم، قد منحتنا نحن الذين نشاهد تفاصيل هذه المآسي المتراكمة عن بعد قليلاً من الضوء في عتم المقابر، لكنّها لم تكن كافية لإخفاء حقيقة أنّه مقابل كل شخص أو طفل أمكن إنقاذه فإن هنالك آلافاً آخرين لم ينجوا، فيما انتشر الرّعب في منطقة واسعة أحست بالزلزال وقت حدوثه وضمت دائرة واسعة فيها اليونان ولبنان وقبرص والأردن وفلسطين المحتلة والعراق ورومانيا وجورجيا ومصر، لا سيّما وأن هزات ارتدادية وأخرى موازية أقل قوّة تبعت زلزال 6 فبراير/شباط، وأن كل تلفزيون استضاف خبيراً في الزلازل يختلف في توقعاته عن الخبراء الذين استضافتهم الشاشات الأخرى: يقول أحدهم أعدوا حقائبكم، الزلزال آت لا محالة، ويقول آخر لا نستطيع تحديد الزمان قبل الكارثة.
ليست الطبيعة وحدها: المجرمون كثيرون!
لا يمكننا على كل الأحوال لوم الطبيعة وتحركات الصفائح الأرضيّة على ما أصابت المنطقة به، فهذه أمور خارجة عن سيطرة الكائن البشري الضعيف، وتحدث كما الأقدار دون مبررات. وقد حاول كثيرون، لا سيّما في الأنظمة الرسميّة تسييس الكارثة: بين اتهامات للغرب بالتقصير في دعم تركيا حليفته (المسلمة) لإنقاذ الأرواح، في وقت جند فيه الغرب كل طاقته وخاطرت دوله باستقرارها المحلي من أجل تقديم دعم لأوكرانيا تصعيداً للحرب هناك، وبين ادعاءات باستغلال الحكومة السوريّة للكارثة للخروج من عزلتها الدّولية وكسر العقوبات الغربيّة المفروضة عليها من خلال بوابة المساعدات.
إن هكذا تسييس، مهما كان دقيقاً أو ممكناً، فإنّه يظلّ جزئيّاً وغير كاف لتفسير كثرة عدد الضحايا والدّمار الهائل، الذي تسبب به الزلزال الأخير، والشلل الذي أصاب الأجهزة المحليّة في التعامل مع تبعاته. ولا بدّ لتفكيك الكارثة من النظر في تأثير عقود طويلة من الفساد والفوضى والحرب في البلدين (مع اختلاف التفاصيل) التي أنتجت في ما جلبته من التخلّف وغياب التنمية، كتلاً سكنيّة كثيفة وتراكمات لأبراج اسمنتيّة غبيّة خارج أيّ أكواد للبناء المقاوم للزلازل، وربما خارج التنظيم الحضري – إن وجد – وهذه تحولت خلال ما يقرب من دقيقة واحدة من غضب الطبيعة إلى مصائد موت، وتهاوت، كما أوراق اللعب، آخذة معها أرواحاً وممتلكات لا يمكن تعويضها بحال، وتركت أحياء كاملة كأّنها تلال من الرّكام الحزين.
في تركيا: الثمن الباهظ لسلاسل العفو عن تجاوزات البناء
من الأربعينيات في القرن الماضي والحكومات التركيّة تلجأ بين الحين والآخر إلى حل مربح وسهل للتجاوزات في البناء لا سيّما خارج المدن الكبرى، إذ تمنح عفواً عنها وتمنح العقارات المخالفة ترخيصات لاحقة مقابل دفع غرامات ماليّة. وتواجه حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الآن اتهامات قاسية بالتسبب في اتساع مدى الكارثة في بلاده لإشرافه في العام 2018 على عفو واسع عن عيوب في ملايين المباني في جميع أنحاء تركيا، أدى إلى تنظيم ممارسات البناء السيئة التي ظهرت خطورتها مجسدة على حياة البشر في حجم الدّمار الهائل المرافق للزلزال الأخير. وكانت الحكومة التركيّة قد وافقت في ذلك العام المشؤوم على تسوية أوضاع ملايين المباني المخالفة خلال أشهر قليلة، ومنحت وضعاً قانونياً لإنشاءات انتهكت مجموعة واسعة من قواعد الترخيص والتصميم والسلامة الأساسية، وجمعت في ذلك الوقت ما يزيد عن 4 مليارات دولار أمريكي كرسوم. ويقول خبراء التخطيط الحضري إن ذلك العفو المربح، والذي وصفوه بإجراء لكسب الأصوات قبل الانتخابات (الرئاسيّة) ذلك العام، قد كلّف تركيا الآن عشرات أضعاف المبلغ، الذي جمعته السلطات وذلك دماراً ماديّاً وضحايا وفقداناً للإنتاجيّة والبنية التحتيّة. لقد تحولت تلك المباني الرخيصة والملفقة إنشائياً إلى مقابر، ومنها كثير مما شيده أصحابها عشوائياً بعد آخر زلزال مميت كبير ضرب المنطقة عام 1999.
والخطورة أن السياسيين الأتراك في توظيفهم الشعبويّ الفج لمسألة العفو عن المخالفات تسببوا عبر العقود في وجود قناعة أكيدة لدى قطاعات عريضة من المواطنين بأن ثمّة عفواً قادماً دون شك، وأنّ أي مخالفات يرتكبونها في تشييد مبانيهم الآن يمكن تسوية أوضاعها قانونياً في وقت انتخابات مقبلة مقابل مبالغ زهيدة نسبياً، مما كرّس مبدأ البناء غير القانوني خارج أكواد البناء والتخطيط لدرجة أن نصف مباني تركيا التي تمر فيها فوالق زلزاليّة رئيسيّة أنشأت خارج القانون ومن الأغلب أنّها غير مجهزة لمقاومة الزلازل، ولا تتوافق مع المعايير الأساسيّة للسلامة.
ومن المفهوم دائماً أن انعدام العدالة الاقتصادية يدفع الطبقات الفقيرة إلى دائرة البناء العشوائيّ حكماً، لأن البديل في غياب حلول مجتمعيّة شاملة هو التشردّ أو الاكتظاظ، وهذا بالطبع إلى جانب المستثمرين الجشعين الذين يستغلون حاجة هؤلاء إلى المساكن ويشيدون لهم مباني بتكلفة مقبولة نسبياً عبر التجاوز عن المواصفات والمعايير وانتظار عفو الدّولة.
في سوريا: تكاليف الفساد والفوضى والحرب
خسرت سوريا الكثير في الصراع، الذي بدأ في 2011 ولا يزال مستمراً بأشكال مختلفة حتى وقتنا الرّاهن. ولا شكّ أن أحد جوانب هذه الخسارة هو استشراء الفوضى، بما فيها فوضى البناء خارج المعايير الهندسيّة للسلامة في مناطق واسعة من البلاد، والتي لمسنا الآن خطورتها في بلاد يقول التاريخ إنّها تتعرض للزلازل الكبرى بمعدل 3-5 مرّات في كل قرن.
لكن الأمر في سوريا لم يبدأ بالحرب، وإنما كان هناك الفساد المستشري في غير ما قطاع، وتنمية غير متوازنة دفعت ملايين المواطنين إلى هجرة الأرياف والأطراف والانتقال إلى المدن الكبرى مكدسين في أحزمة بؤس وإنشاءات عشوائيّة تفتقر في أغلبيتها الساحقة إلى الالتزام بأدنى متطلبات السلامة أو مقاومة الزلازل. ولم تساعد ثقافة استغفال الدّولة والتشاطر عليها سوى في بناء أبراج سقطت أو قابلة للسقوط عند حدوث هزّة قويّة.
لبنان والأردن في دائرة الخطر أيضاً
موضوع فوضى الإنشاءات السوريّة هذا، له تطبيقات مماثلة في الجوار أيضاً وإن بصور متفاوتة. الحالة قد تكون مثيرة للرعب في لبنان، الذي شهد منذ اندلاع الحرب الأهليّة في 1975 عقوداً من ضعف الدّولة المركزيّة انعكس فوضى إنشائيّة وتهرباً من تطبيق المعايير السليمة للبناء. ويساعد التفاوت الطبقي في الأردن أيضاً على إيجاد مناطق شعبيّة عالية الكثافة السكانية تسكن مباني متواضعة لناحية قدرتها على مقاومة الزلازل. ولذلك فإن هذه المناطق ستدفع – لا سمح الله – الثمن غالياً عندما يأتيها الزلزال المقبل.
لا مناص من الحلول الجمعيّة أو انتظار الكارثة الآتية
لا يمكن وقف الزلازل والكوارث الطبيعيّة، لكن بمقدورنا عندما تتوفر الإرادة الجمعيّة خلق الظروف المواتية للتقليل من تلك الخسائر، سواء عبر تطبيق تكنولوجيات مقاومة الزلازل والفيضانات في المنشآت أو من خلال الجهوزية العالية للتعامل معها عند حدوثها، وهذان أمران لن يتحققا دون عدالة اجتماعية اقتصاديّة تكفل للمواطنين حداً أدنى من العيش الكريم دون الحاجة للسرقة وتجاوز القوانين، وبغير ذلك سنبقى مجرد بشر على قيد الحياة مؤقتاً، بانتظار الغضبة التالية للطبيعة.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن