رمزية الأعلام في خطاب تكريم جوليا كريستيفا

عثرت بالصدفة على خطاب الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون بمناسبة تكريم جوليا كريستيفا الأديبة وعالمة النفس والباحثة في اللسانيات الفرنسية من أصول بلغارية، يعود الخطاب إلى شهر مايو/أيار 2021 يومها منحت وسام جوقة الشرف وهو وسام أنشأه نابليون بونابرت في مايو عام 1802 وحصل عليه من المشاهير تشارلي تشابلن ومن العرب المطربة فيروز.
ما شدني في كلمة الرئيس الفرنسي أنها كتبت بأناقة وإتقان، وفيها استفادة كبيرة من سيرة كريستيفا ومن كثير من الأعلام الذين عرفتهم في حياتها، وكيف أنه استعمل هؤلاء الأعلام مداخل إلى قضايا ثقافية وسياسية حارقة لا تنقطع مع الماضي، بل قد تستمر إلى الحاضر، وفي الخطاب آثار بعيدة الغور لفخر فيه صلف بثقافة الحريات، وتعريض مزر بثقافة المركزية والأحادية.
أقدّم في ما يلي تعريبا لجزء مهم من الخطاب ثم أثنّي بحديث عن توظيف الاسم العلم رمزيا إذ الأعلام تبدو في هذا الخطاب ذات شأن مهم في بناء المواقف والأفكار. يقول ماكرون:
« عزيزتي جوليا كريستيفا، أنتِ بلغارية إن نسبناكِ إلى عائلتكِ، وإن قصرنا نظرنا على ولادتك ومراهقتك. وأنت فرنسية بكتاباتك وبأحبتك وباختياراتك. لكنك أيضا من هذه الجمهورية République (كتبت بحرف التاج) جمهورية الآداب، هذه الجمهورية التي تكون جوازات سفرها كتبا، وتكون حدودها طرقا. أنت تقولين مع سانت أوغستان (موطني هو طريقي) إنه التساؤل المستمر والبحث الدائم عن المعرفة وراء الأفكار المسبقة. إن كان معلمك وصديقك رولان بارت قد وصفك بالـ«أجنبية» فوصفه لك بهذه العبارة لم يكن لأنك جئت من مكان آخر، بل لأنك كنت منذ البداية وبشكل منهجي، غير متعودة على نظراتنا؛ لقد كنت تربكين أفكارنا، كان ذاك راجعا لأن لدراسة اللغة هذه السلطة القادرة على تحويل العالم. لقد جربتِ ذلك بشكل حميم، أنت من وُلِدت في بلغاريا السوفييتية حيث لم يكن لك الحق لا في التظاهر ولا في التفكير ولا حتى في التحدث بحرية. أنت من التحق والداك بما أنهما كانا مثقفين مستنيرين، بالتحالف الفرنسي (لباريس) لتمهيد طريقك إلى التحرر وكنت طفلة في الثامنة من عمرها، عندما كنت تتسلقين أشجار البرقوق في حديقة جدتك وكنت تلقين أشعارا لفيكتور هوغو، ومنها قصيدة «على حاجز» وهي من أولى القصائد التي ستلقنينها لابنك دافيد.

وحين بلغت الثامنة عشرة كنتِ ما زلت متعطشة للأعالي؛ لقد أردت التغلب على النجوم، أردت أن تصبحي عالمة في الفيزياء الفلكية. كان والدك أرثوذكسيا مسلما ومثقفا منشقا، ولم يكن جزءا من هذه النموكلاتورا Nomenclatura (أي من قائمة الأشخاص المرموقين أيام الاتحاد السوفييتي) وكان انخراطه في تلك القائمة شرطا لا بد أن يتوفر كي يدخل طالب إلى دراسات الفضاء. وفي غياب الكوسموس سوف تكتشفين كوسموسا جديدا مصغرا كان مشرقا وغامضا عند الكثيرين هو عالم ما بعد البنيوية. ستفوزين بمنحة من الحكومة الفرنسية كي تقدمي إلى باريس وتدرسي فيها. سوف تقضين يوما رائعا في العاصمة غنيا بكل شيء ولكل شيء وأنت ليس لك غير حقيبة وخمسة دولارات وربيعا من خمسة وعشرين عاما».

كانت فرنسا حاضرة بشاعرها العلم فيكتور هوغو الرومانسي البديع وقصديته «على حاجز» قصيدة تلعن الجماعة المدنية الضاغطة وتتغنى بالطفولة الثائرة.. تحب حريتك إن كنت طفلا شرط أن تختار السماع إلى علم لا إلى آخر إلى هوغو وليس إلى المتغنين بالغطرسة الشيوعية.

جوليا كريستيفا هي اسم علم للشخص، وبلغاريا وفرنسا هما اسمان علمان للبلدان، والجمهورية التي كتبت بخط التاج هو اسم علم يحيل على تحقيب سياسي في فرنسا خلفت فيه الجمهورية الملكية والتحالف الفرنسي اسم علم لجمعية فرنسية. فالاسم العلم هو اسم يعين كيانا فرديا سواء أكان شخصا، أم مكانا، أم زمانا، أم جماعة أم غير ذلك. في لغات كالفرنسية أو الإنكليزية يكتب أول الاسم العلم بحرف التاج إشارة إلى أنه علم، لكن العربية ليس فيها هذا الوسم لا في الكتابة ولا في الملفوظ. الاسم العلم يمكن أن يكون في أحيان كثيرة اسما مستمدا من المعجم وقد يكون اسما مشتركا يسمى في التراث النحوي «اسم الجنس» وهو اسم يدل في الأصل على حقيقة واحدة وذوات كثيرة مثل (أسد) أو (ربيع) أو (سهام) فإنها أسماء للأعلام كانت في الأصل تدل على معانيها في اللغة قبل أن تصبح أعلاما. يقول النحاة العرب أن الأعلام حين تنقل من المعجم العام تسلب دلالتها القديمة، وتضحى دوال على مرجعيات لا على المعاني التي حملتها في اللغة، ولذلك تعد الأعلام علامات تقع على ما تسمه من غير أن تعين فيه دلالة.. غير أن الأعلام يمكن أن تكون مختصرة لكثير من الأشياء، فأنا حين أقول جوليا كريستيفا فأنا اختصر بالاسم كثيرا من صفاتها التي ذكرها عنها خطاب ماكرون وهو يكرمها: نشأتها في بلغاريا، حبها للشعر، رغبتها في دراسة الفيزياء الفلكية، ثم توجهها إلى فرنسا لدراسة الآداب والعلوم الإنسانية. غير أن ما يعنينا في هذا السياق أن نبين كيف أن الاسم العلم كان مدخلا مهما إلى إثارة جملة من الأفكار السياسية والثقافية التي تتجاوز دائرة الفرد، كريستيفا، إلى دائرة الجماعة الثقافية والسياسية.

بلغاريا وفرنسا عَلمان للمكان لكنهما في هذا الخطاب رمزان لفضاءي انتساب فكريستيفا بلغارية الميلاد قدرية النشأة لا تربطها ببلغاريا قطعة من الزمان هي الطفولة وأشتاتها، والمراهقة وعسرها وكثير من النسيان.. بينما يمثل الخطاب فرنسا على أنها بلد الإنتاج والإبداع وبلد الكتابة والصداقة والاختيار.. إن أردت أن تعرف بلغاريا فقارنها بفرنسا، وإن أردت أن تعرف سياستها فادمج بلغاريا في الاتحاد السوفييتي.. بلغاريا السوفييتية بلد تكبيل التعبير وقمع الحريات بلد الحرمان من الأحلام في الدراسة، بلد لم يسمح لكريستيفا بأن تدرس علوم الفلك ولا أن تطير إلى السماء.. بلد هاجر منه الأب والأم وتركت فيه الجدة في حديقة البرقوق.. شجر البرقوق هذا شجر فينوسي الروح يحرك الغرائز ويلهب النساء فينتظرن المساء.. ككل نساء الشرق اللائي ينتظرن من الصباح أن يأتي لهن المساء بغنيمة لذيذة شرعية.. بلغاريا بهذا الشكل القدري الذي لا يثمر غير الصبر على القدر ومتابعة تحقق تفاصيله السود.. لن يكون وطنا سيكون وطنها هو الطريق على حد عبارة القديس أنطونيوس أن تحيا، أن تعيش وأن تتجدد هو أن تسافر فلا تكن قدريا في موطنك ترضى بما اختير لك، سافر واترك الشرق إلى الغرب.. إلى فرنسا.. ليس لك غير الله والطريق.

كانت فرنسا حاضرة بشاعرها العلم فيكتور هوغو الرومانسي البديع وقصديته «على حاجز» قصيدة تلعن الجماعة المدنية الضاغطة وتتغنى بالطفولة الثائرة.. تحب حريتك إن كنت طفلا شرط أن تختار السماع إلى علم لا إلى آخر إلى هوغو وليس إلى المتغنين بالغطرسة الشيوعية.. في فرنسا -الثقافة يكون اليوم رائعا وغنيا بكل شيء، وتكون المرأة وحدها ليس لها غير حقيبة وخمسة دولارات وأفق من الربيع آت هناك تعيش وتدرس وتبدع ولن تكون نادمة لأنها تركت وراءها بلغاريا، وقد وقعت بين فكي الدب الروسي.. رسالة ماكرون إلى روسيا اليوم عبر بلغاريا الأمس السوفييتية وعبر بنت نجت من الوقوف على حاجز وقف عليه الشاب ذو الاثني عشر قمرا يسأله في قصيدة هوغو قناص قاتل: (هل أنت واحد من هؤلاء؟ ثم يثني وقد ذكر الطفل أنه منهم وأنه ماكث بينهم: لا بأس، سنطلق النار عليك.. انتظر دورك.. يرى الطفل وميضا يلمع.. وكل أصحابه يسقطون تحت الجدار..). ليس ماكرون هنا اسما علماً، بل الضابط الذي سمح للطفلة بأن تنجو وليست كريستيفا جندي الشرف في هذا التكريم، بل هي شخص وهبه الغرب حياة وثقافة ونجاة من مصير كان سيكون داكنا، أو في أحسن الحالات رماديا.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية