حين تتشابك الحكايا

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

هذا عنوان واحدة من ثمانية أعمال أو أكثر للروائية الصاعدة سلوى جرّاح، الفلسطينية-العراقية، وما تزال، على الرغم من إقامتها وعملها في لندن لحوالي ثلاثة عقود. والرواية مجموعة صوَر وأحداث عن فلسطين، وهو موضوعها الرئيسي. والرواية هي في الأساس حكاية، ولكنها هنا مجموعة حكايات تقوم على الذاكرة والتجربة الشخصية لدى الروائية وشخصياتها. وتشابك الحكايات في هذه الرواية هو تشابك شفيف نرى من خلاله صورة فلسطين الكبرى في ماضيها الإنساني الهادئ وفي حاضرها المتشابك الصور.
وفي الرواية في أغلب اللغات نجد حَبكة واحدة وشخصية رئيسة واحدة. ولكننا في هذه الرواية نجد حَبكتين اثنتين وشخصيتين رئيستين اثنتين. والتداخل بين الشخصيتين، مثل التداخل بين الحَبكتين، يؤدي إلى تشابك الحكايا. وهذا مما يزيد الرواية غنى، ويجعل من الضروري إعادة قراءة مقاطع منها بين حين وآخر، لكي يخفّ التشابك قليلا مما يخدم اتضاح الصورة ويشجع على الاستمرار في القراءة.
الشخصيتان هما عبد الواحد (الذي من كظا تولكرم) فلاح ابن فلاح، وزوجته لاحقا منى؛ والثاني هو غريب عطا الله وزوجته لاحقاً سهام، والجميع إما قد وُلِد في مخيَّم أو أنه قد وُلد في الشتات. ولكن الصدفة وحدها تجمع بين الفلسطيني والفلسطينية فتغدو علاقاتهم وأحاديثهم مما يشكل أمام القارئ صورة شاملة لفلسطين الأمس، إلى جانب فلسطين اليوم، صورة متشظّية، لكن أحاديث الجميع وأفعالهم تجعل فلسطين حيّة في الزمان خارج الزمان.
يبدأ التشابك بين الشخصيات والحكايات من بداية الرواية. ويظهر أن السبب في ذلك هو الصدفة التي يبدو أنها لا تحب أن تأتي إلاّ للفلسطينيين في الشتات. فالشخصية الأولى في الرواية غريب عطا الله ولد في مخيم جباليا في غزة بعد أن هُجِّر أهله من يافا. وسهام زوجته المقبلة وُلِدت في بيروت بعدما هُجِّر أهلها من عكا. وكيف اجتمع هذان الغريبان إلاّ بصُدفة أغرب! كانت سهام تتصفّح كتاباً في مكتبة أعلنت عن تنزيلات في أسعار الكتب، فلاحظها غريب وعلّق على الكتاب بما يدلّ على معرفة واسعة أثارت اهتمام سهام، ثم التقيا بصدفةٍ أخرى في حديقة صغيرة بلندن حيث جاءت سهام لتتأمّل جدارية كبيرة أقيمت في الحديقة، وجلست على طرف مصطبة تتناول شطيرة جلبتها معها للغداء. وجاء غريب يحمل شطيرته وجلس على الطرف الآخر من المصطبة يقضم شطيرته. وهنا بدأت محادثة عابرة، يمكن أن تحدث بين أي غريبَين جالسَين على مصطبة في حديقة عامة. ولكن هذه الجلسة تطوّرت من «نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ» انتهى إلى لقاء وزواج. ما أجمل الصُدَف! هل تحدث هذه إلا لغريبَين كافح كلٌّ منهما بطريقته الخاصة ليرتفع فوق مستوى التشرّد والضياع!
ويبدأ التشابك الثاني بحكاية عبد الواحد وزوجته لاحقا منى الممرضة في أحد مستشفيات عمان. كان عبد الواحد الفلاّح قد استطاع بمساعدة والده الذي باع أرضاً لهم أن يذهب إلى القاهرة لدراسة الهندسة الزراعية واستطاع بعدها أن يتخصص في جامعة آيوا الأمريكية بعد أن وجد عملاً في الكويت استطاع أن يجمع منه بعض المال ما ساعده للدراسة، التي عرضَت عليه العمل في الهيئة التدريسية بعد تخرّجه بتفوّق. ولكن الفلاّح الفلسطيني أصرَّ على العودة إلى «تول كرم» ليعمل في استصلاح أرض زراعية كانت لهم. لكن الاحتلال الإسرائيلي رفض، لأن الأرض كان فيها نبع ماء عذب، وهي قريبة من مستوطنة إسرائيلية قيد التوسّع. وحاول الفلاح الفلسطيني جهده مع قوّات الاحتلال التي أجابت باعتقاله وسجنه، وبعد ستة أشهر أُطلق سراحه، على شرط أن يغادر الضفة الغربية، فذهب إلى عمان القريبة، وحصل على وظيفة في مجال عمله وطلبت منه الشركة إجراء فحص دم، وهذا ما دفعه إلى مستشفى الخالدي حيث قامت الممرضة منى عثمان بإجراء المطلوب ولكن فعلت «الكيمياء» فعلها في تلك اللحظات القصيرة، وتقدم إلى خُطبتها من أهلها و«حصل خير». هذا مثال من الصُدَف العجيبة في حياة الفلسطيني في الشتات، لكنها لم تكسر إرادة الحياة عنده على الرغم من المخاطر غير المتوقعة في ظروف تبدو طبيعية.
ويستمر التشابك في هذه الرواية على مستويات شتى، منها أحاديث الشخصيات، ومنها تنوّع المناظر في فلسطين، ومنها استعراض المدن وتاريخها، وعلاقة بعض الشخصيات ببعض تلك المدن، وأغلبها ذكريات حنين. ويتّضح هذا في وصف سفرة «الفرسان الأربعة» عبد الواحد ومنى وغريب وسهام، إلى فلسطين التاريخية مما يجعل الفصول الأخيرة في الرواية أشبه بدليل سياحي، أو فيلم وثائقي تستمتع بمتابعته وأنت مستريح على «كنبة» مثل التي اشتراها العاشقان في أول تعارفهما من محل أثاث في لندن. والرواية لا تخلو من أحداث مثيرة، مثل وفاة العريس قبل لحظات من اجتماعه بالعروس، وذلك في حادث تصادم بين سيارته المسرعة وبين عمود النور في الشارع، يؤدي إلى وفاته. ومثل تلك الحادثة التي أدّت إلى توتّر عدد من شخصيات الرواية، بسبب تعرّض العريس غريب عطا الله إلى حالة غيبوبة بعد حادثة بسيطة إذ زلقت رجله وسقط على الأرض فنقل إلى المستشفى، وبقي فترة، والجميع في توتّر شديد وخاصة العروس سهام. ولكن هذه الحادثة المؤسفة لم تؤدِّ إلى مأساة بل انقلبت إلى مفاجأةٍ درامية بشفاء غريب من الغيبوبة لتنتهي الرواية نهاية غير محزنة، كما كان الجميع يخشى، بل انتهت إلى نهاية مفرحة، لتضيف إلى المفآجات في هذه الرواية.
وجود هذه الشخصيات الأربع على امتداد الرواية يُمثل التئام الشتات الفلسطيني باجتماع هذه الشخصيات بمصادفات عجيبة، ونجدهم يتصرّفون كأنهم واحدٌ متماسك على مبدأ «وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ». حُب الوطن الفلسطيني يجمع هؤلاء الأربعة فيقررون الذهاب إلى فلسطين التاريخية لزيارة من بقي من الأهل. ولم يكن ذلك سهلاً إذ أنهم في مداخل الوطن المُحتل كانوا يخضعون إلى أسئلة من موظفي حدود وجوازات غرباء عن الوطن أساساً، جاءوا من أصقاع مختلفة من شرق أوروبا في الغالب، ولكن ما مُنحوا من جنسية إسرائيلية أعطتهم الحق في السماح لهؤلاء الفلسطينيين أهل الأرض الأصليين، أن يدخلوا إلى بلادهم، أو لا يدخلون. لكن دخولهم بعد المصاعب وطوافهم بالمدن والبلدات الفلسطينية حرّك فيهم رغبة أن يعاودوا الدخول، ولكن إلى غزة هذه المرة «متأمّلين خيراً بالدولة الفلسطينية المنتظرة» ونواتها في غزة كما كانوا يتأمّلون.
ما يزال الفلسطيني في الشتات يحنّ إلى العودة إلى فلسطين ليقدِّم خبرته من حياته في البلاد الأجنبية لتكون في خدمة بلده فلسطين. بهذا الأمل عاود «الفرسان الأربعة» الدخول إلى غزة لعرض خدماتهم للدولة الفلسطينية المنتظرة. ولكن سرعان ما خابت آمالهم إذ وجدوا أن «كل شيء في غزه يتم بالعلاقات الشخصية مع أصحاب السلطة من وزراء ومدراء ومسؤولين، كلّهم جَمعوا حولهم من يأتمرون بأوامرهم، كلّهم نفعيّون، كلهم لا يحبّون النقد، ثم إن الخبرات القادمة من العالم الخارجي لا تفهم الواقع الفلسطيني، غير قادرةٍ على التعامل مع طبيعة الحياة الفلسطينية الجديدة، المُضحك في الأمر هو أن معظم من كانوا يروّجون لتلك الأفكار لم يعيشوا في غزة من قبل ولا يعرفون شيئاً عنها، لذلك لم يعن شيئاً تقرير عبد الواحد ولا دراسة غريب ولا خبرة مُنى وسهام الطويلة». فرجع «الفرسان الأربعة» إلى بلاد الغربة، ليعيشوا على ذكريات بلد ضاع، ولا أمل أن يستعيده أصحاب سلطةٍ ممن عرفوا في هذه الزيارة الحزينة الأخيرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية