في إيقاع أحذية المارة الهادئ على الأحجار المرصوفة في البلدة القديمة (نيدردورف) وعلى وقع ذبذبات لهجات ألمانية، إنكليزية، لاتينية، أوربية شرقية، أفريقية وآسيوية وبالقرب من الضفة اليسرى لنهر(ليمات) أي في الجزء التاريخي الأهم من زيوريخ المدينة الميتروبوليتان، يسمع المرء في المساءات الصاخبة ضجيج المقاهي والمطاعم المتنوعة وموسيقى تاريخ محايد تضج به الأمكنة، فتلمع فلاشات الكاميرات والهواتف المحمولة قرب المكتب الذي حَضَّر فيه لينين للثورة البلشفية، ينزل الزوار في زقاق ضيق حوالي سبعين متراً إلى الزاوية اليمنى لشبيغل غاسيه 10 حيث كابريه فولتير البناء الصغير المؤلف من أربع قاعات، في هذه المساحة الصغيرة، تُلِيَتْ نصوصٌ مُطَوَّلًةٌ للمسرحي التعبيري الألماني فرانك ويديكايند، وسُمِعَ صدى صوت الشاعر البولندي الفرنسي غيوم أبولينير وهو ينشد: «هنا المنزل الذي تولد فيه النجوم والآلهة». في المكان ذاته كُتِبتْ المسودات الأولى لـ(محاكمة شاب الكوبّا في ورق اللعب) التي ذُكرت في كتاب «أنطولوجيا الدعاية السوداء» لأندريه بريتون، وهناك أيضاً رقصت إيمي هينينغز، ماري ويغمان وصوفي تويبر، ووَجَّهَ لوي أراغون صفعته للكلاسيكيين عندما انتقد رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود» ذات الأجزاء السبعة – بالقول: «يحيا السيد بروست الذي يساوي وزنه من الورق!».
نشاط دادائي مكثف
في عام 1915 وصل كل من هوغوبال وعشيقته الأمريكية إيمي هيننغز إلى زيوريخ حيث كان يدرس الفلسفة والأدب الألماني في ميونيخ، ويعمل جنباً إلى جنب في (حُجرة المسرح) مع المسرحي فرانك ويديكايند، وفي الخامس من فبراير/شباط 1916 أسس هوغوبال حانة فولتير في زيوريخ، وكان من بين زملائه الأكثر أهمية، الذين كانوا مهاجرين أيضاً، كل من الرومانيين تريستان تزارا ومارسيل يانكو، هانز ريختر، وهانز آرب. بعد فترة قصيرة أرسل هوغوبال رسالة إلى صديقه ريتشارد هولسينبيك في ألمانيا، طلب منه الإسراع للانضمام إلى المجموعة بحكم صداقتهما التي تكونت في برلين. كانت أسباب لجوئهم إلى سويسرا متشابهة، حيث وصفها هولسينبيك بهذه العبارات العنيفة: (لا يستطيع أي منا أن يفهم الشجاعة التي تقتضي أن يموت أي شخص من أجل فكرة الأمة، التي في أفضل حالاتها تصبُّ في مصلحة مجموعة من متعاملي وتجار الفِراء، وفي أسوأ حالاتها تصب في مصلحة مجموعة من السيكوباثيين الألمان – دعاة نظرية أرض الأسلاف – الذين يحملون مؤلفات (غوته) في حقائبهم العسكرية ويطعنون البطون الفرنسية والروسية بِحرابِهم!).

في زيوريخ 15 مايو/أيار 1916 كتب هوغوبال في العدد صِفر من مجلة كباريه فولتير عن بداية تأسيس الكباريه، «عندما قمتُ بتأسيس كباريه فولتير، كنت أعتقد أنه سيكون هناك عدد قليل من الشباب في سويسرا، الذين يرغبون ليس فقط في التمتع باستقلاليتهم، لكنْ أيضاً بتوثيقها، فذهبتُ إلى السيد إفرايم مالك المكان وقلتُ: أرجوك سيد إفرايم، امنحني هذا المكان، أريد تحويله إلى كباريه، فوافق السيد إفرايم، ثم ذهبتُ إلى بعض معارفي وطلبتُ منهم منحي صورةً، رسماً، نقشاً أو قصيدةً، لأجعل من هذا المكان معرضاً صغيراً وكباريه، توجهتُ بعدها إلى أصدقائي في مطبعة زيوريخ وطلبتُ منهم تحضير بعض الستيكرات ليغدو هذا المكان عالمياً، سأصنع وأصدقائي أشياء جميلة، فأعطوني صوراً وزوَّدوني بستيكرات، وفي الخامس من فبراير افتُتِحَ الكباريه بأغانٍ باللغتين الفرنسية والدنماركية بصوت إيمي هينينغز والسيدة لاكونتيه. بعدها تلا تريستان تزارا أشعاراً باللغة الرومانية، وعَزفتْ أوركسترا بالاليكا أغاني ورقصاتِ شعبية روسية، مبهجة. لقد وجدتُ الكثير من الدعم والتعاطف من البولندي مارسيل سلودكي مصمم الغرافيك والرسام التوضيحي، الذي صمَّمَ مُلصق الكباريه، كذلك ساعدني هانز آرب، وقدم لي بالإضافة إلى أعماله، بعض أعمال بيكاسو وصوراً لصديقيه: الألماني الهولندي أوتوفان ريس والرسام الروماني آرثر سيغال مع الكثير من الدعم من تريستان تزارا ومارسيل يانكو وماكس أوبنهايمر، الذين وافقوا بكل سرور على الأداء في الكباريه. نظَّمنا الأنشطة معا، وبعد فترة وجيزة قدمنا الأمسية الفرنسية من أعمال أبولينير وماكس جاكوب وأندريه سالمون».
في 26 فبراير، جاء ريتشارد هولسينبيك من برلين، وفي 30 مارس/ آذار قدَّمنا موسيقى زنجية رائعة ساعدنا بها السيد رودولف لابان أستاذ الرقص في الأداء وكان متحمساً. وبمبادرة من تريستان تزارا، قام كل من هولسينبيك ومارسيل يانكو -لأول مرة في زيورخ وفي العالم بأسره – بأداء أبيات شعرية متزامنة للسيد هنري بارزون وفرناند ديفور، بالإضافة إلى قصيدة من تأليفهما المتزامن في اليومين السادس والسابع».
في العام التأسيسي أيضاً، أنتج مارسيل يانكو لوحةً تصوِّر أمسيةً في ملهى ليلي في زيورخ، إلا أن الصورة فُقِدتْ، لكنها عُرفَتْ من خلال استنساخ فوتوغرافي على بطاقة بريدية، وقَدّمَتْ مشهدا مشاغباً في النمط المتصدع للتكعيبية المبكرة. شَكلتْ مجموعة من المؤدين وسط المسرح، بأجسادهم أشكالا غريبة الزوايا بشكل مذهل. لقد كان واضحاً أنهم يستجيبون لموسيقى عازف البيانو القريب الذي يميل كرسيه للخلف، بينما يبقى منحنياً على لوحة مفاتيحه. في هذه الأثناء كان الجمهور عبارة عن غوغاء مخمورين صاخبين يجلسون على طاولات منتشرة حول القاعة الرئيسية، يضحكون، يصرخون، يشيرون ويثرثرون، وفوقهم على خشبة المسرح مشهد مشؤوم يشبه الجمجمة، وهو قناع مستوحى من الفن القبلي الافريقي، يراقب بجانبها شيئاً يشبه لافتةً متموضعة بشكل بارز فوق عازف البيانو، تحتوي على كلمة واحدة: «دادا» ويمكن قراءتها في الظلام… هذا الجو الغرائبي أدهش كل الحضور!
الدادائية
في الحقيقة لم تكن مصادفةً أن يكون الأدباء والفنانون الشباب الذين أسسوا الدادائية في زيوريخ ليسوا سويسريين، لكن الشيء الذي جمعهم في سويسرا هو كراهيتهم للحرب، وخوفهم من أن يتم تجنيدهم إلزامياً للخدمة على الجبهة. لم يتم ذلك على غرار الفنان والنحات الإيطالي المستقبلي أمبيرتو بوشيوني، أو الفنانين الانطباعيين الألمان ماكس بيكمان، أوغست ميك وإيريش هكل، فلم يقع الدادائيون بفخ التمجيد الساذج للحرب، بطريقة إقامة تجمعات شبابية أوروبية تتحدث عن بطولاتها. إلا أن الفنان الألماني فرانز مارك رأى أن الحرب هي الطريقة الأمثل لتغيير المجتمع بقوله «ذلك الإسطبل القذر، أوروبا العجوز، لا يمكن تنظيفها بأي طريقة أخرى»، فكتب إلى صديقه فاسيلي كاندينسكي في 26 سبتمبر/أيلول عام 1914: «هل هناك أي فرد يتمنى أن لا تندلع هذه الحرب؟» الأمر الذي جعل هوغوبال ينتقد مباشرة ذاك التحمس الأعمى، عندما كتب في مفكرته في نوفمبر/ تشرين الثاني 1914: «ما الذي احترق الآن؟ هل هي الآلات أم الشيطان نفسه؟ إن المثاليين مجرد أوراق تين» ثم هرب إلى سويسرا بعد ستة أشهر. عندما تم افتتاح كباريه فولتير في فبراير 1916 قُتل في الحرب كل من الفنان الإيطالي أمبيرتو بوشيوني، والفنان الألماني أوغست ميك والشاعر الألماني الانطباعي أوغست شترام، حيث غرقت الجبهة الغربية بصراع بلا رحمة. بعد وقت قصير وفي الرابع من مارس 1916 قُتل فرانز مارك الذي أسس مع كاندينسكي حركة «الفارس الأزرق» الفنية – التي سبقت ظهور الدادائية بخمس سنوات – في معركة فيردن، فمات فيها أكثر من 700000 جندي فرنسي وألماني. ردَّ الدادائيون باشمئزاز شديد على وحشية الحرب وعلى القتل مجهول الآلية، والتبرير المُقَدَّم من كلا الجانبين المتحاربَين لشرعنة سياسة الحرب واتهموا شعوب الأمم المتحاربة لمواقفهم القومية المختلفة، وبذلك صاغ الدادائيون موقفهم المنسجم مع قناعاتهم. أرادت الدادائية هدم خُدع التفسير واكتشاف نظام لاعقلاني، وفي هذه الطريقة حدد هانز آرب الهدف الذي أراد الدادائيون تحقيقه، مستخدمين طرقاً مختلفةً، فقام دادئيو برلين بالمشاركة في النقاش السياسي محاولين لفت أنظار الناس إليهم، فيما اعتمد دادائيو زيوريخ على السخرية واللاعقلانية وعلى عامل الصدمة في أعمالهم الأدبية الاستفزازية. بالنسبة لزيوريخ كان البرنامج جديداً خلال الأشهر الأولى، على الرغم من تناغمه مع المألوف، حيث نظَّم هوغوبال في برلين أمسيات مشابهة لتلك التي نَظّمها في زيوريخ بالاشتراك مع ريتشارد هولسينبيك. على أي حال، نستطيع القول إن النشاطات الأولى التي قاما بها كانت دادائية بمعنى الكلمة، ولم تكن القصائد والنصوص المكتوبة بعيدةً عن الرثاء المألوف وقوة اللغة الانطباعية.

في العام التأسيسي أيضاً، قرأ تريستان تزارا بياناً يشرح فيه كيفية كتابة قصيدة دادائية: «كي تصنع قصيدةً دادائية، خُذ جريدة، أحضر مقصاً، انتقِ من الجريدة مقالاً حسب الطول الذي تريده لقصيدتك، قطِّع كلمات المقال بعناية وَضعْها في كيس، حرِّك بهدوء، أخرج بعد ذلك قصاصة بعد الأخرى وانقل بجدية». المثال الذي طرحه تزارا نتيجة لهذه العملية لا يمكن تحقيقه بطريقة عشوائية، فقد استهل القصيدة بالكلمات التالية: «الكلاب التي تعبر الهواء في ألماسة تشبه الأفكار، أغشية الدماغ تجعلنا نعرف ساعة الاستيقاظ»، الأمر الذي جعل تعليماته في كتابة القصيدة الدادائية في غاية المتعة من خلال الطريقة التي شرح فيها كتابة القصيدة الدادائية، التي أثرت في الحركات الفنية خلال السنوات العشر التي تَلَتْ بيانه. لم يبدع الدادائيون أشكالاً جمالية جديدة بإعادة تشكيل المادة الفنية عن طريق تقنيات الكولاج، ومَنتَجَة الصورة، لكن فناني القرن العشرين البصريين استعانوا لأكثر من مرة بتقنيات مشابهة في إنتاج الصورة!
النهاية تعني الاستمرارية
في زيوريخ بدأت بوادر نهاية الحركة الدادائية بالظهور بينما كان الدادائيون يشاركون في أمسية الدادا الأولى في 14 يوليو/ تموز 1916، هذا الحدث لم يكن في حانة فولتير وإنما في دار بلدية (زور ويغ) بعد أسبوعين فقط، غادر هوغوبال المدينة وانسحب بشكل مؤقت إلى (تيشينو) – الكانتون الإيطالي في سويسرا – وكتب في مفكرته بخصوص ما حدث بتاريخ 14 يوليو: «إنَّ البيان الذي تَلَوتُهُ في أمسية الدادا الأولى، كان يُخفي بصراحة رفضي لأصدقائي وهذا ما فهموه أيضاً، هل رأيت في حياتك أن البيان الأول لأي فكرة جديدة يناقض هذه الفكرة وبحضور مُعتنقيها؟ نعم لقد كانت كذلك. عندما تكون الأمور مرهِقةً فإنني لن أستطيع الاستمرار معهم». في منتصف شهر مارس عام 1922 دعت حركة (الدادا) أقطابها لحضور مؤتمرها الأول والأخير، فألقى تريستان تزارا خطاب المنتصر في وقفة مثيرة للتأمل: «إن دادا تشق طريقها وهي ماضيةٌ لا بالتوسُّع، بل من أجل تخريب ذاتها، وهي لا تهدف إلى أن تتوصل إلى نتيجة، أو تكسب مجداً أو فائدة عبر جميع إرهاصاتها المقرفة، فقد كفَّتْ نهائيا عن الكفاح، لأنها تدرك أن ذلك لا يخدم غرضاً ما». توقَّفَ تزارا برهةً، وبلع ريقه، حرَّكَ رأسه كثيراً ثم أطرق لالتقاط ما تبقى له من المجد، وبعد نظرةٍ جال بها على رفاقه الحاضرين – فهم ما قد يكون مباركتهم له استطرد: «إنَّ دادا كانت حالتنا الذهنية الساخرة وكانت للرافضين من أمثالنا نقطة الارتكاز التي تلتقي عند نعم وعند لا، وتحتوي على كل المتناقضات السائدة، ولأن دادا كانت لا تؤمن بشيء فقد انتهت، انتهت لأنها لم تؤمن حتى بمبادئها».
على الرغم من ذلك الخطاب إلا أن الدادائيين طوروا مبادئ الدادا وتحوَّلَ معظمهم إلى سرياليين وصلوا بالسريالية إلى جيلها الخامس، وما تزال الدادائية تنبض في إرهاصاتها وإرثها لأنها غيَّرتْ كل ما جاء بعدها، وبقي كاباريه فولتير على قيد الحياة والفن والأدب، يمد لسانه ساخراً من حرائق الحروب، من ركام ذاكرتها وآلامها، ولسان حاله يقول: الحرب ذبابةٌ كبيرةٌ وفوضى حجارة في فم العالم، بل لونٌ واحدٌ يجب ترقين قيده من قائمة الألوان لمنح العالم حصته العادلة من الحرية والجمال.
كاتب سوري
