بيروت – «القدس العربي»: مهرجان عنبر فعل مقاومة، يستمد قوته من الثقافة، ويحاول أن يُشرك الآخرين بها، متحديا التردّي الذي وصلناه. إنها الدورة الثالثة الممتدة من 17 الشهر الجاري إلى 25 الشهر المقبل، حيث تميز الافتتاح بحضور مفاجئ.
يُعدُّ مهرجان عنبر، وينظمه الفنان والشاعر أدهم الدمشقي، ويستضيفه في محترفه الكائن في الأشرفية – الجعيتاوي.
البداية كانت بأمسية طرب مع ريم رافع، وعازف العود رعد الشحف، أدت خلالها العديد من الأدوار والموشحات الأندلسية والفيروزيات، وأغنية خليجية تحية لذكرى طلال المدّاح. سهرة امتدت لأكثر من الزمن المقرر لها برغبة من المطربة والعازف والجمهور لمزيد من السلطنة.
المباعدة بين فعاليات المهرجان وجدها أدهم الدمشقي ضرورة كونها تقام في منزله. يقول الدمشقي في حوار مع «القدس العربي» إثر حفل الافتتاح: الافتتاح كان رائعاً، ولم أتوقع هذا الحضور في ظل أزمتنا الاقتصادية المتصاعدة. حضورهم أضاء المنزل بجميع جنباته، وتألق أكثر مع عازف العود رعد الشحف والمطربة ريم رافع. كانت الجلسة حميمة ودافئة نظراً لكوننا في منزل وقاعة صغيرة. تحوّل الجمهور إلى كورال يرافق المطربة. فقد تركت السهرة شعوراً بأن ريم رافع والحضور كانا معاً بحاجة للمزيد.
ما هي الدروس التي استقاها أدهم الدمشقي من عنبر 1 و2؟ يقول: الهم الأساسي يتمثّل بتنسيق برنامج منوّع يطال مجموعة من الفنون والاهتمامات من مسرح ورسم وموسيقى وشعر وأدب. وجدت ضرورة للمباعدة بين الفعاليات لكوني استقبلها في منزلي وليس في مركز ثقافي، وأقوم منفرداً بكافة متطلبات النشاط. تعلّمت بأني قادر فقط على تحضير نشاط واحد في الأسبوع.
وماذا عن مميزات عنبر 3؟ يقول الدمشقي: البرنامج منوع، كما الأول والثاني، وينفرد عنبر 3 بسياقه الزماني والمكاني. بيروت تسير من سيىء إلى أسوأ، والأزمة الاقتصادية إلى تفاقم، لهذا نرى في فعالياتنا مقاومة ثقافية أكبر. إنها تأكيد على كوننا مستمرون على قيد الفن والكتابة، والرسم والثقافة والحياة. إنها الرسالة الأجمل لعنبر في الدورة الثالثة حسب رأيي، والأمل أن نكون في الدورة الرابعة سائرون في طريق الحل بحيث نحتفل ببدء التعافي. أمل رغم الشكوك.
بالعودة إلى البرنامج يقول أدهم الدمشقي إن أنشطة عفوية تنشأ عادة، وهي أكثر حيوية من التنظيم ولجانه البروتوكولية، التي قد تقتل العمل الثقافي. ويتابع: يتمثُل الأساس بالمكان الحي القادر في أية لحظة على استيلاد الإبداع والثقافة. كمحترف فني يمكننا استقبال فعالية فنية ضمن المهرجان وبعيداً عنه، وليس بالضرورة طبع البرامج وتوزيعها. فالهدف هو بث الثقافة أينما وجدت.
ويلفت أن جمهور محترفه الفني يتجدد بضيوف كثر يقصدونه للمرة الأولى. ويقول: الجمهور الأول ما زال مثابراً على كافة الفعاليات، ضمن المهرجان وخارجه، فقط نفتقد بأسى من هاجروا. مروحة أنشطة منوعة تستقطب تنوعاً واسعاً من بين الباحثين عن الثقافة.
وجدتك تتمدد مع فعالياتك في يوم رسم وشعر إلى جيرانك في مكتبة السبيل القائمة في جنينة اليسوعية فماذا عنه؟ يقول: أعجبني توصيف التمدد. نعم تمدد ثقافي مناهض كلياً للحروب، التي تهدف للتمدد والسيطرة العسكرية، تمدد يُصنّف في خانة «النعمة».
التمدد الثقافي تغذية متبادلة، وفكرتي للمستقبل أن لا يقتصر عنبر على منزلي كمكان للفعاليات، بل أن يُعقد في منازل أخرى كثيرة. وعندها يتزايد عدد منازل المدينة النابضة بالفن. فالثقافة لا يمكنها أن تُحاصر في أمكنة، من الطبيعي أن تنتشر لتصل لكل الناس. من جهتي لقاءاتي الثقافية تتنقل معي، حيث أسكن في المدن والقرى، وهذا دليل أنها موجودة في الشخص وليس المقر. دعوتك دائماً عامة والمشاركة مجّانية فماذا تتكبّد؟ يقول: من الصعب أن أدعو الناس إلى منزلي وأطرح بطاقات للبيع. وفي ظروفنا الاقتصادية أتمنى لو تتاح الفرصة للشباب لدخول المسرح والسينما دون بدل. هو تمني مع العلم أن للمسارح ودور السينما كلفة تشغيل كبيرة. وليس لي طلب تمويل من أية جهة فنشاطي ومنزلي ليسا مؤسسة أو جمعية. ولهذا التمويل شخصي.
وإلى متى أفق الصمود المادي متاح؟ يقول: رتّبت أولوياتي، وجاءت الثقافة في طليعتها. رغم كوني في عمر الـ33 أرى فرحي في الثقافة وليس في سيارة جديدة أو هاتف أو ملابس. انتشار الثقافة في بيروت متعتي، وأنا من يشتريها. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وكذلك ليس بالخبز وحده يحيا الفنان. فعندما عدنا إلى منازلنا مع خيبة كبيرة بعد أسبوع من انفجار المرفأ زارت الحي جمعيات سائلة عن حاجات الناس. لم يكن متاحاً لي ابلاغهم عن حاجتي للمسرح لأعبّر وأعتاش، وليس من المساعدة. خاصة وأننا كنا بصدد عرض مسرحي ضمن مهرجان «مشكال» في مسرح المدينة في أواخر أب/أغسطس. حينها شعرت بالذنب لأني فكرت بعيداً عن تفكير الناس. ومنذ تلك اللحظة شعرت أن منزلي هو المقاومة والحياة التي استمد منها القوة للاستمرار على قيد الفن والكتابة، قبل استمراري على قيد الحياة. حتى «غودو» الكلب، الذي أعيش معه لم يعد يكتفي بالطعام والماء، وأشعر بحزنه عندما نكون معاً وحيدين، فهو دائماً بانتظار الضيوف.
عن جديده المسرحي القريب يقول أدهم الدمشقي: أستعدّ لعمل مسرحي يُعرض في نهايات فصل الربيع اسمه «حديقة غودو» مستوحى من ظروفنا، ويقوم على تجربة عشتها شخصياً، وأتعاون فيها مع عدد من الممثلين.