الصورة النمطية للرجل في مجتمعنا تمنعه من التعبير… والعلاج النفسي بنظر البعض وصمة عار ميا عطوي: اخترنا منتخب لبنان لكرة السلة للحملة لتمتهعم بقوة التأثير واعضاءه تعرّضوا لضغوطات كبيرة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: قررت جمعية امبرايس التي تُعنى بالصحة النفسية إطلاق حملة توعية تُسلط الضوء على أهمية العناية بالصحة النفسية لدى الرجال. تستخدم هذه الحملة كافة الوسائل المتاحة للوصول إلى الناس، والرجال تحديداً. الخيار الذي ذهبت جمعية امبرايس لإيصال الرسالة كان صائباً للغاية. فقد وقع الاختيار على مُدرّب منتخب لبنان لكرة السلة جاد الحاج، وخمسة من اللاعبين هم: وائل عرقجي، وسيرجيو الدرويش، وهيك غيوكشيان، وعلي منصور وأيلي شمعون. قدمت هذه المجموعة فيديو كليب أخرجه أيلي فهد بهدف نشر الوعي حول الصحة النفسية لدى الرجال.

في هذا التحقيق نسلط الضوء على هذه الحملة عبر حوار مع رئيسة جمعية امبرايس ميا عطوي:
○ ما هي المؤشرات التي دفعتكم للاهتمام بالصحة النفسية لدى الرجال؟
•من خلال تشغيلنا لعيادة الصحة النفسية المجانية في بيروت والتي تأسست إثر تفجير المرفأ عام 2020 لفتنا أن نسبة الرجال الذين يلجؤون للعلاج النفسي تتراوح بين 30 و40 في المئة من الذين يرتادون العيادة. ومن خلال الأشخاص الذين يقصدون العيادة وجدنا أن الرجال ما زالوا يشعرون بوصمة كبيرة باللجوء إلى العلاج النفسي، أو حتى بالتعبير عن مشاكلهم. ونعرف أن الرجال في لبنان تعرضوا لصدمات كبيرة في السنوات الماضية. صدمات سببها خسائر أموالهم، كما تعرض لها النساء أيضاً. وتشير الدراسات أن تلك الصدمات تؤثر على الصحة النفسية للرجال أكثر من النساء. وواضح في مجتمعنا أن نسبة كبيرة من الرجال تغادر لبنان بحثاً عن استقرار مهني في الخارج، وهذا ما يشكّل ضغطاً كبيراً. لا يتشجع الرجل بالتعبير عن ما يزعجه، بل يتهرّب، ويلجأ إلى سلوكيات غير صحية كالكحول والمخدرات. أو تظهر لديه عصبية كبيرة، تدّل على معاناته التي يفشل في التعبير عنها. كذلك تلعب الصورة النمطية للرجل في مجتمعاتنا دورها في كبح التعبير. صورة تصفه بالقوي، والمعطاء والضامن لعائلته. إذاً جميعها مؤشرات حفّزتنا للاهتمام بالصحة النفسية لدى الرجل، وتشجيعه على إلتماس المساعدة والمساندة النفسية، ليس المهنية وحسب، بل من الأشخاص المحيطين به أيضاً.
○ كيف وقع اختياركم على منتخب لبنان لكرة السلة للترويج والمساندة؟
•فكرنا بمنتخب لبنان لكرة السلة كونهم قدوة لشريحة واسعة من اللبنانيين وخاصة الشباب. دراساتنا تشير أن الذين يرتادون عيادتنا في المركز الرئيسي في الحمرا – بيروت، أو المتصلين عبر الخط الساخن المخصص للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة. رقم يشير بأن أكبر شريحة من الذين يعيشون في لبنان حالياً يمرون بمعاناة نفسية، ونسبة منهم تلجأ للعلاج. لهذا بحثنا عن رجل يتفاعل معه اللبناني، ويشعر بأنه يشبهه في أمور متعددة. شباب منتخب لبنان لكرة السلة مرّوا مؤخراً بضغوطات، وفي الوقت عينه ظلوا وجهاً يعطي الأمل للبنان وللشباب، وخاصة في العام المنصرم. أطلقنا حملتنا هذه بعد مرور عام على فوز منتخب لبنان لكرة السلة بكأس آسيا في 16 شباط/فبراير. تاريخ يشكل رسالة أمل للشباب وللشعب اللبناني جميعه. تقصدنا تسليط الضوء ليس فقط على الضغوط التي يمر بها الرجل لتحقيق طموحاته، بل أيضاً لتذكير كل شاب بأنه ورغم هذه الضغوطات يمكنه تحقيق النجاح. إظهار الضغوط وتالياً النجاح كان ضرورياً، وهذا ما حققه منتخب لبنان لكرة السلة بمثابرة كبيرة من فريقه ومدربه.
○ ما هو المطلوب من الحملة؟ وما هي الخطوات لإنجاحها؟ وكم ستستمر؟
•تستخدم الحملة وسائط التواصل الاجتماعي، ونواكبها بسلسلة مقالات مكتوبة، ومقابلات على شاشات التلفزيون، للوصول لأكبر شريحة من الأشخاص. في الساعات الـ48 الأولى من الانطلاقة حققت الحملة نجاحاً كبيراً، وتُسجل الآن 250 ألف متابعة أو مشاهدة على وسائط التواصل، وتفاعل كبير. ولمواصلة نجاح الحملة تتابع جمعية امبرايس التركيز في العام المقبل على صحة الرجل النفسية. إلى جانب تقديم نشاطات توعوية تطال معظم المناطق اللبنانية. ويمكن لمدرب منتخب لبنان وبعض اللاعبين مرافقتنا في بعضها بهدف التحدّث مباشرة عن الموضوع. إذاً الحملة مستمرة بتقطع على مدى أشهر متعددة. والنتيجة المرجوة منها زيادة عدد الرجال الذين يرتاحون بالتحدث عن الصحة النفسية مع محيطهم القريب في العائلة. فالروابط العائلية مهمة. ونأمل بتشجع الرجل لطلب المساعدة المهنية عندما يجد الحاجة لها. وكذلك زيادة نسبة الرجال الذين يتواصلون معنا على الخط الوطني الساخن طلباً للدعم.
○ لماذا تسود القناعة بأن حبس التعبير سلوك خاص بالرجال؟
•حبس المشاعر خاص بالنساء والرجال، إنما التقاليد الاجتماعية التي تناقلناها عبر الأجيال تشجع الرجل على حبس مشاعره. منذ طفولتنا نسمع مقولة منع الرجل من البكاء، أكثر من منع المرأة. مع العلم أن نسبة كبيرة من النساء يحبسن دموعهن. هو ليس بسلوك خاطئ، إنما نتيجة التربية، التي تعود للأهل، إما يشجعوننا على حبس المشاعر والأزمات بداخلنا، أو الحديث عنها. بعض الأهل يختلون بذاتهم عندما تكون لديهم أزمات. وبعضهم لا يشجعون سلوك أطفالهم بالحديث عن مجريات يومهم المدرسي. وإن حكى الطفل عن مشكلة يقال له «شد حالك» ويغيرون الحديث لمعرفة تفاصيل الدروس والتقدير المدرسي. إنه تركيز على الأداء أكثر من المشاعر. فمن المحتمل أن يولّد هذا النوع من التربية شخصية تحبس أزماتها لدى الجنسين. للتربية ومن عمر مبكر تأثيرها الكبير في الشخصية. إما تعبر عن مشاكلها بهدف حلّها، أو تتعلّم منذ الصغر بأن الشخص القوي لا يعبّر. درس غير صحي، متوارث عبر الأجيال.
○ لماذا يتفاخر البعض بأنه لا يبكي؟
•نلمس في أيامنا العكس. فالبعض يعبّر عن انزعاج لكونهم عاجزين عن البكاء. بعضهم يحفظ تاريخ بكائه الأخير قبل سنوات. وهذا ما قاله المدرب جاد الحاج في الفيديو، بأن المرة الأخيرة التي بكي فيها لدى وفاة والدته. وهذا يفيد بأن البكاء مسموح لدى المصاعب الشديدة فقط. محتمل أنه سلوك تعلمناه من مثالنا الأعلى، كما الأهل الذين لم نرهم يبكون إلا في أصعب الظروف. سلوك نلتقطته في عقلنا الباطني إن شاهدناه في مرحلة النمو. إذاً تمني البكاء ملموس حاضراً أكثر من المفاخرة بعدم البكاء. السلوك العنفي لدى الرجل يمثل رجولته. كذلك اللجوء إلى الكحول أو التدخين من نيكوتين أو الحشيش وسواه. نعمل لكسر الفكرة النمطية بأن البكاء علامة ضعف. البكاء عامل مساعد يولّد نوعاً من الراحة النفسية. وبعضنا وفي مناسبات معينة يبكي حين مشاهدة شخص آخر يبكي. أو يبكي حين يشاهد فيلماً حزيناً، وفي ذلك إيجابية لصحتنا النفسية، فكبت المشاعر يؤدي لضغوط وأساليب تأقلم غير صحية.
○ بكى رجال من تركيا وسوريا أمام أطفالهم من هول الكارثة. كم سيؤثر ذلك سلباً على صورة الأب بنظر طفل يحتاج الأمان؟
•بل العكس، ففي ظروف قاهرة بكاء الشخص المقابل للطفل المحتاج للأمان يمثّل مرآة لمشاعره. في مكان محدد يلمس الطفل أن ما يمرّ به صعب جداً ويعيشه مع والديه. في مثل هول الكارثة في تركيا وسوريا يلتقط الأطفال مشاعر أهلهم بسهولة كبيرة ومن دون كلام. إذاً في ظروف مماثلة البكاء عامل مساعد، وللطفل أن يرى صورة الأب بأشكال مختلفة، وبأن بكاءه ليس ضعفاً أو عيباً. وبهذا تتكوّن لدى الطفل مجموعة من ردات الفعل بعد مشاهدة مشاعر والديه.
○ على الصعيد الشخصي كامرأة ومهنية كيف تنظرين إلى هذه الحملة؟
•كنت أسأل دائماً كوني امرأة ومعالجة نفسية إن كنا سنشهد يوماً حملة تشجع الرجال على التعبير. وكمهنيين نشجع الآخرين على أهمية التعبير عن مشاعرهم لأننا ندرك سلبيات الكبت. إذاً هذه الحملة مهمة بالنسبة لي مهنياً وشخصياً.
○ كمعالجة نفسية هل خضعت للعلاج؟
•نعم. حدث ذلك منذ فترة وجيزة حيث بدأت العلاج النفسي الخاص. تأخرت، وكان ممكناً أن أباشر من قبل. فحتى الأخصائي النفسي لا يمتلك الشجاعة دائماً ليباشر علاجه الخاص. من هنا تأتي حملة التشجيع على التعبير لكل من يحتاج ذلك. ليس بالضرورة وجود مرض نفسي، بل ظروف ضاغطة يرغبون التأقلم معها بطريقة أفضل. أو اكتشاف أشياء عن الذات، فالعلاج النفسي ليس فقط للاضطرابات.

أيلي شمعون:
سعيد لنجاح الحملة

ونسأل لاعب منتخب لبنان لكرة السلة أيلي شمعون:
○ هل تخيلت يوماً المشاركة في حملة تُعنى بالصحة النفسية لدى الرجال؟
•نحن الرياضيون نظهر أمام جمهور واسع وكبير، وهذا ما يؤدي لتعرّضنا للضغط والانتقاد. ونعيش أحياناً شكاً بقدراتنا سببها المباشر الخسارات والإصابات. لهذا نعرف أهمية الصحة النفسية للرياضيين وهو جانب غير ظاهر للجمهور. شخصياً كنت أدرك جيداً أهمية الصحة النفسية لكل منا، إنما لم يخطر لي أني سأشارك يوماً مع امبرايس في حملة إعلامية عن الصحة النفسية للرجال. لم تكن الصحة النفسية بعيدة عن الأحاديث ضمن عائلتي وأصدقائي المقربين، فنحن نقدر أهميتها. أشكر امبرايس على هذه الفرصة التي مُنحت لي ولزملائي في منتخب لبنان لكرة السلة للتعاون في هذه المهمة، على أمل أن نترك الأثر المطلوب منا. ومعروف عبر السنين أن الكثير من الرياضيين العالميين يشاركون في حملات توعية كما السبّاح الكبير مايكل فانس، ولاعبة كرة المضرب سيرينا ويليامز. كذلك حكى كثير من اللاعبين في كرة السلة العالمية عن موضوع الصحة النفسية. باسمي وزملائي والمدرّب جاد الحاج أعبر عن سعادتنا لاختيارنا للترويج لهذه الحملة.
○ هل سبق وزرت معالجاً أو معالجة نفسية؟
•نعم. مؤخراً مررت بحالة صحية صعبة نتيجة اصابتين تعرّضت لهما، ما أبعدني عن الملاعب لخمسة أشهر، وأحتاج للمزيد من الوقت لأتمكن من العودة. مرحلة ليست سهلة، شعرت خلالها بإشارات قلق واكتئاب. وبما أني أخضع لعلاج فيزيائي يومي ليتمكن جسدي من استعادة حالته الطبيعية، كذلك من الضروري أن تكون صحتي النفسية في حال تعاف مماثلة. ولهذا كان خياري طلب الإستشارة من مختص.
○ كيف تقرأ بالقول السائد في شرقنا «رجّال ما بيبكي أو عيب يبكي»؟
•برأي أن هدف الحملة التي نقوم بها كوجوه من منتخب لبنان لكرة السلة التأكيد بأن هذه المقولة ظالمة وغير صحية. نعم في شرقنا يُحصر الرجل في خانة القوة وكبت المشاعر، وخاصة خلال المصاعب. وهذا لا يعني أنه كإنسان بمنأى عن الضغوط والانتقادات. وفي لبنان خاصة يعيش الرجل تحت ضغط الوضع الاقتصادي، والقلق العام، والتروما النفسية التي يحملها كل منا من تفجير المرفأ، ومن ثم القلق من الزلزال. سعادتي كبيرة بأن هذه الحملة التي نظمتها امبرايس تركت ردود أفعال إيجابية جداً.
○ ما هي ردة الفعل التي سمعتها لدى ظهورك على الشاشة تتحدث عن الصحة النفسية؟
•زملائي وأنا تلقينا الكثير من ردود الأفعال المرحبة على مواقع التواصل الاجتماعي. وكذلك خلال لقاءاتنا بالآخرين سواء كنا نعرفهم أو لا نعرفهم. وجميعهم عبروا عن الشجاعة التي تحلّى بها كل منا للتحدث بما هو خاص بصحته النفسية. وكان هناك تقدير كبير لأننا ظهرنا بشراً عاديين لدينا نقاط ضعف وقوة. ونحن لسنا على الدوام أبطالا لا نُهزم ولا نستسلم. بل نحن كما كل الناس نمر بمصاعب وتحديات.
○ هل تحفظ تعليقاً مميزاً قيل لك؟
•بالتأكيد عدد من الشباب قالوا لي شكراً أنك شاركت بتسليط الضوء على هذه المسألة المهمة بالحياة. منهم من قال كنت أنتظر «دفشة» للالتفات إلى صحتي النفسية وزيارة مختص. زملائي وأنا وجدنا في الحملة أن الرسالة المطلوبة وصلت من خلال ردود الأفعال التي تلقيناها. نعم الحملة أعطت دفعاً للرجال أقله بأن لا يهملوا صحتهم النفسية، ولسنا من يدفعهم لزيارة معالج نفسي فهذا متروك لهم. لكن الكلام بما يزعجهم يفيدهم بعكس التكتم.
○ إن كان لديك بعض التردد للمشاركة في الحملة فأنت الآن سعيد بالنتيجة؟
•زملائي وانا كنا على علم بأن بعض ضعفنا سيظهر في الإعلان. لكننا كرياضيين نشكل إلهاماً أو قدوة للآخرين في الملعب وخارجه، تحمّسنا للمهمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية