لندن- “القدس العربي”:
“لقد تعب الأردنيون من قادة الصدفة والارتجال”.
تلك العبارة على شكل خلاصة لم ترد على لسان معارض أردني ولا مواطن في الحراك الشعبي. لكنها وردت في مقال حاد جدا نُشر ظهر الإثنين في إطار تداعيات انعقاد قمة العقبة الأمنية المستمرة لأحد أبرز الكتاب المؤرخين المحسوبين على صف الدولة ومؤسسة العرش وهو الكاتب المستشار أحمد سلامة.
ما قاله الكاتب سلامة هنا هو تعليق في سياق رد الفعل على مجمل الجدل الذي ثار مؤخرا بسبب من وصفهما بـ”آل صفديان”.
والمقصود طبعا وزير الخارجية أيمن الصفدي ورئيس مجلس النواب أحمد الصفدي.
وهنا استذكر الكاتب مقولة شامية تشير إلى “حالنا في الإدارة وإعداد القادة بتبكي الكافر” معتقدا بأن رئيس مجلس النواب لا يجوز أن يبقى رهنا للمصادفات والأمزجة. ووزير الخارجية لا يجوز أن لا يكون قد أعد إعدادا طويل الأمد.
قال الكاتب: “لم يكن من حكمة القائمين على المؤتمر في العقبة، أن تصير العقبة وكأنها (عقبة كأداء) في وجه الدم الفلسطيني، إن سوء الإدارة وضعفها التي واكبت وسبقت وأعقبت المؤتمر، قد جعلت قمة العقبة في نظر الرأي العام المحايد وكأنها جاءت لتلتف على (الدم النابلسي الزكي ذي الأحد عشر كوكبا) والشمس تنتظر طلوع الثأر.. ما الذي قاله أيمن بيك الصفدي لنا عن الموتمر؟! إنه يشبه كلام الصفدي عن المناخ، وزيارة سوريا، وزلزال إيران”.
تلك كانت خلاصة لمقال نشرته صحيفة عمون المحلية للكاتب العتيق والمعروف والذي عمل لسنوات مستشارا في القصر الملكي الأردني.
الأهم في المضمون السياسي هو خيبة الأمل التي يشعر فيها الأردنيون بعد عبثية استضافة ما سمي بقمة العقبة الأمنية، خصوصا في ظل تصريحات ثلاثي أضواء مسرح اليمين الإسرائيلي بعد انعقاد القمة وصدور بيانها، وهم بنيامين نتنياهو وإيتمار بني غفير وثالثهما وزير المالية سموتريتش.
بكل حال، رصدت المؤسسة الأردنية تلك التفاعلات. وبرأي عضو مجلس الأعيان والوزير الأردني السابق والمطلع على الحيثيات والتفاصيل، الدكتور محمد المومني، شكّل لقاء العقبة خطوة متقدمة في تدعيم وإسناد الإستراتيجية الأردنية القائمة على بقاء خيار حل الدولتين على قيد الحياة.
المومني وبعدما استفته “القدس العربي” في إطار التعليق، شدد على أن الجانب الإسرائيلي يعرف حجم ومستوى مخاسره الكبيرة إذا ما حاول التملص من الالتزام الذي تم التوافق عليه في العقبة، لأن الفارق حتى برأي المومني كبير وواضح للمجتمع الدولي، ما بين حكومة حقيقية قادرة على تنفيذ ما التزمت به، وبين مجموعة تؤثر البلطجة على احترام كلمة الالتزامات.
وعندها برأي المومني، يفهم الإسرائيلي مخاسره وتصبح الصورة أوضح عند الأمريكيين والمصريين والأردنيين.
لكن مثل هذا التوضيح للمسار الرسمي لا يقنع الشارع الأردني، فقد صدر عن حزب جبهة العمل الاسلامي المعارض، ما يندد باستضافة “القمة العبثية” كما وُصفت. وحفلت منصات التواصل الأردنية بتلك التعليقات التي تسخر من اجتماعات مع أطراف إسرائيلية تسمح بأن تحرق قطعان المستوطنين بلدة حوارة في نابلس.
بكل حال، قمة العقبة كما تسمى، انشغلت بها كل وسائل الإعلام المحلية في الأردن توضيحا وتعليقا واشتباكا. والمصادر المطلعة تؤكد مجددا عبر “القدس العربي” بأن آليات التنفيذ لما اتفق عليه هي الأهم، وبأن الأطراف التي شاركت في الاجتماع والتزمت، هي صاحبة القرار في المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
الأردن الرسمي يراهن على ما تبقى من ممثلي الدولة العميقة في كيان الاحتلال، ويتصور بأن اجتماع العقبة ينبغي أن لا يحفل بتصريحات الثلاثي الحكومي المتطرف التي تخاطب غرائز شعبوية فقط. والأمريكيون يعرفون الحقائق والتفاصيل برأي مسؤول أردني بارز.
الانطباع شعبيا في الحالة الأردنية، أن لقاء العقبة فشل مبكرا بمجرد ظهور ما حصل في حوارة النابلسية وبدلالة أنه اجتماع أنطق من لا ينطقون، فقد صدر في عمّان بيان نادر يندد بما وصفه بـ”الخيانة” باسم حزب التحرير الإسلامي المحظور، والذي نادرا ما يتحدث أو يصدر بيانا.
رسميا، مشاورات العقبة نجحت في تأسيس حالة واختراق، لا بل فضحت حكومة نتنياهو.
ونخبويا، البوصلة الأردنية حائرة، واجتمعت بأطراف لا تملك القرار في الميدان، لا على صعيد السلطة الفلسطينية، ولا على صعيد المستوطنين الإسرائيليين.
من يراقب تفاعلات الأردنيين عموما، يفهم بأن قمة العقبة وبكل بساطة لم تحقق أيا من أهدافها بقدر ما دفعت الكثير من الأردنيين إلى “مغادرة الصمت”.