اتفاق بريطاني أوروبي يحظى بمباركة أمريكية لحل مشكلة إيرلندا الشمالية

محمد نون
حجم الخط
0

خطبت بريطانيا ود الولايات المتحدة الأمريكية لفتح الباب أمام إزالة عقبة كبيرة أمام التوصل لاتفاق تجاري معها بعد الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي الذي تم التوصل إليه بين رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لتنظيم قواعد التجارة مع إيرلندا الشمالية، وهو اتفاق يؤمل منه أن يصلح ما أفسده برتوكول إيرلندا الشمالية إثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» عام 2020.
لكن حكومة سوناك تجهد بالمقابل لنيل موافقة الحزب الوحدوي في إيرلندا الشمالية المتوجس من سريان قوانين الاتحاد الأوروبي التجارية داخل المقاطعة البريطانية المحاذية لدولة إيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي ما يعزز موقف دعاة الانفصال عن بريطانيا ويزيد نفوذهم في الحياة السياسية هناك. كما يواجه سوناك معارضة داخل حزب المحافظين الذي يتزعمه، وسيجهد لتمرير الاتفاق في البرلمان البريطاني كي يصبح نافذا، وفي ذات الوقت ستعمل المفوضية الأوروبية لنيل موافقة البرلمان الأوروبي عليه. وهكذا يبدو أن القضية برمتها ذات أبعاد معقدة داخليا وخارجيا تتوزع على ما هو ديني وما هو سياسي واقتصادي وتجاري ويمكن تلمس ملامحها من جوانبها الرئيسية من زوايا متعددة من أبرزها:

أولا: منع عودة الصراع الديني إلى إيرلندا الشمالية

يراد للاتفاق الجديد المسمى «إطار عمل ويندسور» أن يمنع عودة التوتر الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشمالية بعدما ذاقوا مرارة صراع دموي استغرق ثلاثين عاما وقتل فيه أكثر من 3500 شخص، حتى انتهى عبر توقيع «اتفاق بلفاست» للسلام برعاية من الولايات المتحدة الأمريكية في العاشر من نيسان/أبريل عام 1998 وهو اتفاق يعرف باسم اتفاق الجمعة العظيمة ووضع حدا للقتال بين الوحدويين الموالين للعرش الملكي البريطاني من جهة، والجمهوريين وعلى رأسهم الجيش الجمهوري الإيرلندي حينها، الداعين إلى الانفصال عن بريطانيا والانضمام إلى جمهورية إيرلندا من جهة ثانية. وهنا تكمن خطورة ذلك الصراع الديني بين البروتستانت والكاثوليك نظرا لامتزاجه بواقع جيوسياسي فائق الحساسية حيث أن إيرلندا الشمالية (ذات غالبية بروتستانتية) هي واحدة من المقاطعات الأربع التي تتشكل منها المملكة المتحدة بالإضافة إلى مقاطعات أو أقاليم إنكلترا واسكتلندا وويلز. وتتمثل حساسية وضع إيرلندا الشمالية وعاصمتها بلفاست، في أنها تمتلك حدودا برية طويلة بريطانيا مع أوروبا تصل إلى 500 كيلومتر عبر جمهورية إيرلندا وعاصمتها دبلن، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي الذي خرجت منه بريطانيا.
ذلك الخروج رافقته صعوبات تفاوضية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الوضع التجاري على طول الحدود المفتوحة بين مقاطعة إيرلندا الشمالية ودولة إيرلندا أي بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي.
وتمخضت المفاوضات عام 2020 عن اتفاق تم تسميته «بروتوكول إيرلندا الشمالية» في عهد رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون وينص على بقاء إيرلندا الشمالية داخل السوق الموحدة الأوروبية للسلع في محاولة لتجنب تشديد الإجراءات على الحدود مع إيرلندا ومنع تدفق البضائع بدون قيود إلى هذه السوق. وهذا يعني أن على إيرلندا الشمالية (البريطانية) اتباع قوانين الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بحركة البضائع في الوقت الذي صارت فيه بريطانيا خارج الاتحاد الجمركي مع أوروبا. وبذلك صارت إيرلندا الشمالية في ذات الوقت القاسم المشترك داخل المنطقتين الجمركيتين المنفصلتين أي الأوروبية والبريطانية وهذا أدى على أرض الواقع إلى إنشاء حدود جمركية بحرية غير معلنة، بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية لمراقبة البضائع القادمة إليها من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تعالت أصوات الرفض من الوحدويين بزعامة الحزب الوحدوي الديمقراطي (البروتستانتي) – أكبر الأحزاب في إيرلندا الشمالية – بعدما أحسوا بأن مكانتها تضعف داخل المملكة المتحدة وهذا يشكل عنصرا داعما لمنافسيهم وخصومهم دعاة الانفصال عن المملكة وعلى رأسهم حزب الشين فين الجمهوري (الكاثوليكي).
لذلك كان الحزب الوحدوي الديمقراطي يؤكد أنه ينبغي ألا تتبع إيرلندا الشمالية قوانين الاتحاد الأوروبي دون أن يكون له رأي فيها. وكان الخلاف يكبر ويتعاظم حتى أدت معارضة الحزب الوحدوي إلى مقاطعة أعمال البرلمان المحلي في إيرلندا الشمالية وتجميد عمل حكومة تقاسم السلطة المحلية منذ سنة مضت. ووصلت الحكومة البريطانية الحالية إلى قناعة بأن البرتوكول الذي أقرته حكومة جونسون شمل إجراءات بيروقراطية لجهة فحص بعض السلع وإنهاء أوراقها وشكل تهديدا لاتفاقية السلام المبرم في عام 1998 ولذلك فهي ترى أن الاتفاق الجديد الذي أبرمته حكومة سوناك مع المفوضية الأوروبية يهدف إلى تجنب قيام حدود برية بين إيرلندا الشمالية البريطانية، وجمهورية إيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي. وينص إطار العمل الجديد أيضا على إزالة الحدود المائية الداخلية في البحر الإيرلندي وإقامة ممرات خضراء معفاة من عمليات التفتيش للسلع الوافدة من بقية أنحاء المملكة المتحدة، إلى إيرلندا الشمالية وهي سلع يفترض ألا تنقل إلى إيرلندا والسوق الأوروبية المشتركة. ويوازيها ممرات حمراء للبضائع المتجهة إلى إيرلندا. كما يتضمن الاتفاق ثلاثة مقترحات تشريعية بشأن الرعاية الصحية والجمارك والرقابة الزراعية.
ومن هنا ترى رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين أن الاتفاق الجديد يمثل لحظة تاريخية ويحمي مكتسبات السلام، التي تحققت في اتفاقية الجمعة العظيمة الموقعة قبل 25 عاما. أما ريشي سوناك رئيس الحكومة البريطانية فاعتبر أن «إطار عمل ويندسور» يمثل «اختراقا حاسمًا» وبداية فصل جديد في العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويعد نقطة تحول لإيرلندا الشمالية من شأنها أن تنهي حالة عدم اليقين بشأن حركة البضائع بين بريطانيا والاتحاد، وأنه حقق ثلاثة أهداف تشمل إزالة الحدود في البحر الإيرلندي، وزيادة تدفق المنتجات البريطانية إلى إيرلندا الشمالية، وحماية سيادتها.

ثانيا: الصعوبات الداخلية لحكومة سوناك

تتحرك تلك الصعوبات على مسارين متلازمين، فالمسار الأول يتمثل في إقناع الحزب الوحدوي الديمقراطي بالموافقة على الاتفاق الجديد، ويوازيه ضغوط من خصوم سوناك داخل حزب المحافظين لعرقلة المصادقة على الاتفاق داخل مجلس العموم البريطاني. ومن بين هؤلاء يبرز رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون الذي قال: «أجد أنه من الصعوبة بمكان عليّ، التصويت لشيء مثل هذا لأنني أعتقد أنه كان يتعين علينا القيام بشيء مختلف بغض النظر عما حدث في بروكسل». ويعتبر جونسون بأنه الشخصية السياسية الأبرز المؤيدة لبريكست في البلاد وما زال رأيه مؤثرا ضد الاتفاق، إضافة إلى أنه لا ينسى بأن استقالة سوناك عندما كان وزير الخزانة في حكومته في تموز/يوليو الماضي ساهمت في التعجيل بسقوط حكومة جونسون وخسارته رئاسة الوزراء.
ويبرز أيضا الموقف الرافض لدور محكمه العدل الأوروبية في المنازعات التجارية التي ستنشأ عن الاتفاق الجديد، وهذا سيعني تطبيق قانون الاتحاد الأوروبي على إقليم بريطاني. لذلك يؤكد الحزب الوحدوي الديمقراطي أن أي ترتيب جديد يجب أن يعطي لشعب إيرلندا الشمالية الحق في إبداء رأيه في صياغة القوانين التي تحكمه. هذا الواقع أدى بسوناك إلى المسارعة لزيارة إيرلندا الشمالية يوم الثلاثاء الماضي أي بعد يوم واحد فقط على توقيع الاتفاق الجديد مع المفوضية الأوروبية في منطقة ويندسور قرب لندن. وسعى سوناك لإقناع الأطراف المختلفة وخاصة الحزب الوحدوي قائلا إن الاتفاق الجديد «سيحدث فرقا إيجابيا كبيرا» فهو اتفاق رائع يستجيب لكل اهتمامات الناس، لذلك آمل الآن أن يروا ذلك وأن يجدوا طريقة للالتقاء». وقال سوناك إن الأمر لا يتعلق «بأي حزب سياسي منفرد بل يتعلق بما هو في مصلحة الشعب والمجتمعات والشركات في إيرلندا الشمالية، وسيُحدث هذا الاتفاق فرقا إيجابيا للغاية بالنسبة لهم». وبرزت بوادر إيجابية أولية عن الحزب الوحدوي الديمقراطي حيث قال زعيمه جيفري دونالدسون إن قراءته الأولى للاتفاق تشير إلى أنه سيمنح المجلس الإقليمي في إيرلندا الشمالية سلطة رفض قواعد الاتحاد الأوروبي التي لا يريدها مما يوفر بعض الطمأنينة لقلقهم الرئيسي بشأن السيادة.
بالمقابل دعت ميشيل أونيل زعيمة حزب «شين فين» ذات الأغلبية البرلمانية المحلية إلى الحفاظ على الزخم، معتبرة أن الأولوية الآن تكمن في جعل المؤسسات المحلية في حالة عمل «بدون تأخير».
واعتبر حزب شين فين إنه «لا يوجد مبرر» الآن لكي يستمر الحزب الديمقراطي الوحدوي في «مقاطعته المتهورة والضارة بالديمقراطية». لكن رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكار رأى أنه من «المعقول» منح الحزب الوحدوي الديمقراطي الوقت الذي يحتاج إليه للنظر في الاتفاق.

ثالثا: إصلاح العلاقة مع الاتحاد الأوروبي

يمثل الاتفاق الجديد انفراجا هاما في العلاقات البريطانية الأوروبية بعد فصول من التوتر في مرحلة ما بعد بريكست بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن المتوقع تسجيل تعاون أعمق بين الجانبين في مجالات أخرى مثل البحث العلمي وتنظيم الخدمات المالية وحركة القوارب الصغيرة التي تحمل مهاجرين في القنال الانكليزية. لكن النتائج العملية لن تظهر قبل عدة أشهر لأن الاتحاد الأوروبي سيحتاج وقتا للمصادقة على الاتفاق المكون من أكثر من 300 صفحة، ووضع الأطر القانونية المطلوبة لتطبيقه وكسب مصادقة البرلمان الأوروبي وحكومات جميع دول الاتحاد وعددها 27 دولة.

رابعا: إحياء فرص توقيع اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية

وفي الوقت الذي يأمل فيه سوناك إنهاء المأزق السياسي في إيرلندا الشمالية الناجم عن تعطل الحياة البرلمانية وعمل حكومة تقاسم السلطة فإنه يتطلع أيضا إلى تعزيز قيادته في أوساط حزب المحافظين، وإلى تحقيق امتياز خارجي هام يلاقي به الرئيس الأمريكي جو بايدن عند زيارته المرتقبة لبريطانيا وإنجاز اختراق كبير يطمح إليه ويتمثل في توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن بايدن كان يشترط معالجة وضع إيرلندا الشمالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ورحب بايدن بالاتفاق الجديد بين بريطانيا والاتحاد مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق الجمعة العظيمة الذي أنهى الاضطرابات الدامية في إيرلندا الشمالية، وأشاد بما حققته لندن وبروكسل باعتباره «خطوة أساسية» من أجل السلام، كما أشاد وزير خارجيته أنتوني بلينكن بما وصفها «بالفرصة واليقين والاستقرار الذي جلبه الاتفاق».
ويحتاج ريشي سوناك لعلاقات تجارية قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لمواجهة حالة الركود الذي يعيشها الاقتصاد البريطاني. فالمؤشرات الاقتصادية التي أشار إليها محافظ «بنك انكلترا» أندرو بايلي تفيد أنه ربما يكون هناك حاجة إلى المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، لاحتواء التضخم، مقارنة بالوضع الحالي مع سبعينيات القرن الماضي.
وأضاف المحافظ في كلمة له في مؤتمر «تكلفة المعيشة» أن سوق العمل ما زال ضيقا ويفاقم من الضغط على الأسعار. وأضاف «إذا قمنا بالقليل للغاية فيما يتعلق بأسعار الفائدة الآن، سيتعين علينا فقط القيام بالكثير لاحقا، فتجربة سبعينيات القرن الماضي علمتنا هذا الدرس المهم».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية