لندن ـ «القدس العربي»: بعد ست سنوات من الانتظار، حين تصدر «السبيشال وان» جوزيه مورينيو، عناوين الصحف والمؤسسات الإعلامية العالمية، بصورته الشهيرة برفقة زلاتان إبراهيموفيتش، ولوك شو، وماركوس روخو وباقي المصابين، الذين سافروا إلى العاصمة السويدية ستوكهولم بالعكاكيز، لدعم زملائهم ومشاركتهم في الاحتفال بالتتويج باليوروبا ليغ على حساب أياكس أمستردام، شاء القدر أن يكون المدرب السابق لعملاق الأراضي المنخفضة إيريك تن هاغ، هو الرجل المخلص، الذي أعاد شمس البطولات إلى قلعة «مسرح الأحلام»، بعد نجاحه في تحقيق ما عجز عنه كل من أشرف على حكم الشياطين الحمر في حقبة ما بعد الأسطورة سير أليكس فيرغسون.
العصا السحرية
صحيح قبل المدرب البرتغالي المثير للجدل، كان أستاذه لويس فان خال، قد توج بكأس الاتحاد الإنكليزي في ظهوره الأخير مع النادي في العام 2016، لكن بوجه عام، لم يحالفه التوفيق لتحقيق الحد الأدنى لتوقعات الإدارة والجماهير، بإعادة الشخصية المخيفة كرويا التي كان عليها اليونايتد في عصر شيخ المدربين، كفريق يهرب منه الكبير قبل الصغير، سواء في المسابقات المحلية أو القارية، ونفس الأمر ينطبق على النرويجي أولي غونار سولشاير، والألماني المخيب للآمال رالف رانغنيك، وأيضا مورينيو والخليفة الأول ديفيد مويز، أما المدرب الهولندي الحالي، فكان واضحا وضوح الشمس في ظهيرة الصيف، أنه يخفي العصا السحرية للوقت المناسب، وذلك بالرغم من البداية الكارثية بالمعنى الحرفي للكلمة، بتقديم محتوى أقل ما يُقال عنه «معدوم الفعالية»، والأسوأ كان النتائج المفزعة في بداية حملة البحث عن العودة للمنافسة بشكل حقيقي على اللقب المحلي المفضل منذ عقد من الزمن، مثل الافتتاحية الصادمة للمشجعين، بالتجرع من مرارة الهزيمة أمام برايتون بنتيجة 1-2 في قلب «أولد ترافورد»، ثم الهزيمة المحرجة التي تندرج تحت مسمى «فضيحة كروية»، بالسقوط المدوي أمام المغمور برينتفورد بالأربعة خارج القواعد.
حتى بعد استعادة نغمة الانتصارات على حساب الغريم الشمالي ليفربول في قمة مواجهات الجولة الثالثة، وما تبعها من انتصارات محلية وقارية في مجموعات اليوروبا ليغ، لم تشفع له أمام المشجعين والرأي العام، بعد الهزيمة الأخرى المحرجة أمام عدو المدينة مانشستر سيتي بنتيجة 6-3، الأمر الذي جعل تن هاغ، يتصدر قائمة المدربين المرشحين والمهددين بالطرد قبل توقف كأس العالم قطر 2022، مع ذلك، كانت هناك فئة قليلة، تؤمن وتعتقد بأن المدرب لا يعمل في ظروف صحية ومناسبة لبناء مشروعه بالطريقة الصحيحة التي يتوخاها أو المخطط الذي رسمه مع المسؤولين في طرحه لأهدافه وطموحاته المستقبلية قبل وضع القلم على عقد ارتباطه بالكيان، على غرار صداع التصادم مع الأسطورة كريستيانو رونالدو، منذ اعتذاره عن مرافقة الفريق في الجولة الصيفية الاستعدادية للموسم، وحتى رفضه المشاركة كبديل في الوقت المحتسب بدلا من الضائع أمام توتنهام، ناهيك عن القنبلة التي فجرها الدون في مقابلته التاريخية مع بيرس مورغان قبل السفر إلى العاصمة القطرية الدوحة، وهي كانت كاشفة لحجم التوترات ومستوى المشاكل في غرفة خلع الملابس.
الحمض الفيرغي
ربما ظاهريا، بدا صاروخ ماديرا، هو الطرف المنتصر في حربه الشعواء على إيريك تن هاغ. فهو على الأقل، ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول خدع المدرب، باعتذار وهمي بعد واقعة مباراة الديوك، لتجنب التجمد قبل المونديال القطري، والثاني نفذ مخططه كما أراد، بإجبار الإدارة على فسخ عقده قبل الميركاتو الشتوي، لكن بإلقاء نظرة عابرة على الجزء الممتلئ من الكأس، سنلاحظ الرابط المشترك بين هذا الهاغ وبين مؤسس نهضة النادي الحديثة، في ما يخص الشدة التي تلامس القسوة في تعامله مع الكبار قبل الأطفال والمراهقين في غرفة خلع الملابس، ولعل مشجع النادي الذي يزيد عمره على 30 عاما، يتذكر صولات وجولات فيرغسون مع النجوم الكبار، أو ما تعرف بمواقفه الجريئة مع الأسماء الكبيرة وأصحاب الشعبية الجارفة، أشهرهم على الإطلاق الأسطورة ديفيد بيكهام، والهداف التاريخي وين روني، وماكينة الأهداف الهولندية رود فان نيستلروي، وكذا كريستيانو رونالدو، هو الآخر لم يسلم من بطش السير وقوانينه الصارمة، التي لا ترتكز فقط على العقوبات المادية والجلوس على مقاعد البدلاء، بل على فكرة أن النادي أكبر من أي لاعب ومصلحته فوق الجميع.
وهذه كانت واحدة من الأدوات التي كانت تمكن فيرغي من فرض سيطرته على الغرفة المقدسة، مهما بلغ عدد النجوم والمشاهير، لكن بعد رحيله، تبدلت الأوضاع رأسا على عقب، بتحول ميزان القوة والتحكم في كفة اللاعبين على حساب المدربين الذين تعاقبوا على تدريب الفريق، بمن فيهم مورينيو، الذي حاول إحياء إرث فيرغسون، لكن الإدارة لم تساعده في صراعاته مع الكبار، أبرزهم بول بوغبا وأنتوني مارسيال وماركوس راشفورد، لينتهي به المطاف، بخسارة منصبه إثر سلسلة من النتائج السلبية، تحولت إلى انتصارات وعروض رنانة في بداية تجربة سولشاير، أما تن هاغ، فتسلح بالحمض الفيرغي، مجسدا المثل المأثور «لا يفوز باللذات إلا كل مغامر»، بعدما وضع مصلحة المشروع فوق مصلحة الأفراد، وفي مقدمتهم ملك الكرة وأشهر وأغنى رياضي في كل العصور، طالما تجاوز مرحلة الذروة، ولم يعد قادرا على تنفيذ التعليمات داخل المستطيل الأخضر، ما انعكس بشكل إيجابي على اللاعبين. يكفي الإحساس بعدل المدرب وعدم انحيازه في اختياراته، ليجني الثمار بأثر فوري، بظهور الفوارق الشاسعة بين الأداء والنتائج في وجود الدون وبين العروض وشخصية الفريق داخل الملعب، بعد ظهور مؤشرات الاستقرار والهدوء بدونه.
شروق الشمس
في الوقت الذي كان يكسب فيه المدرب ثقة المؤيدين، بإعادة الانضباط والالتزام على طريقة أليكس فيرغسون، فانه كان يتفنن في فرض احترامه على المنافسين، بذاك المنحنى التصاعدي المُثير للإعجاب سواء على مستوى النتائج أو الأداء الجماعي للمشروع، والذي بلغ ذروته منتصف يناير / كانون الثاني الماضي، بسلسلة من الانتصارات في فترة ما بعد كأس العالم، أو بالأحرى بعد التخلص من صداع رونالدو وأزماته المتكررة، منها 6 انتصارات متتالية في كل البطولات، كانت آنذاك، من أصل 20 انتصارا في أول 27 مباراة، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ، أنه عادل الانتصارات التي حققها اليونايتد تحت قيادة أولي غونار سولشاير ورالف رانغنيك على مدار 49 مباراة طيلة الموسم الماضي. صحيح أن هذه السلسلة توقفت بعد التعادل أمام كريستال بالاس ثم الهزيمة الدرامية أمام متصدر البريميرليغ آرسنال، بيد أن المنحنى التصاعدي لم يتوقف، بتأمين مكانه في المركز الثالث في جدول ترتيب أندية البريميرليغ، بفارق 4 نقاط ومباراة أقل من صاحب المركز الرابع، وعلى بعد 6 نقاط ومباراة أقل من الوصيف مانشستر سيتي.
والأهم في تلك الفترة، كان الاختبار الأوروبي الحقيقي أمام برشلونة في الملحق المؤهل لإقصائيات دور الـ16 من بطولة اليوروبا ليغ، تلك الملحمة التي أثلجت القلوب في الجزء الأحمر لعاصمة الشمال. والأمر لا يتعلق بالنتيجة الجيدة في ذهاب «كامب نو»، الذي انتهى بالتعادل الإيجابي بهدفين لمثلهما، بل للنسخة التي بدا عليها الفريق، والطريقة التي أحرج بها برشلونة، في أوج لحظاته تحت قيادة تشافي هيرنانديز، وذلك بشهادة الإعلام الكتالوني، الذي أجمع على أن البارسا، تفادى الخسارة بمعجزة، ولهذا، جاءت نتيجة إياب «أولد ترافورد»، معبرة وكاشفة للتطور المذهل في شخصية وأداء مانشستر يونايتد مع تن هاغ. وفي الوقت ذاته، أعطت الفريق دفعة معنوية لا تقدر بثمن، ليفترس نيوكاسل يونايتد بثنائية نظيفة في نهائي كأس رابطة المحترفين، كانت قابلة للضعفين على أقل تقدير، كأفضل رد أو مكافأة لمجهوده، بعد حملات التشكيك التي تعرض لها في الأسابيع الأولى. ويكفي إنجازه الذي فاق توقعات أكثر المتفائلين من عشاق النادي، بالقتال على كل الجبهات مع بدء العد التنازلي لشهر أبريل / نيسان الحاسم، بتواجده في الدور ثمن النهائي للبطولة الثانية في القارة العجوز، وتأهله للدور ربع النهائي لأعرق بطولة على وجه الأرض كأس الاتحاد الإنكليزي، فضلا عن حظوظه القائمة في مزاحمة المدفعجية على اللقب الغائب منذ تقاعد السير أليكس فيرغسون، وقبل هذا وذاك، نجح في فك عقدة اليونايتد مع البطولات بمعانقة كأس الكاراباو للمرة السادسة في تاريخ الكيان، كأول بطولة جماعية تزين الخزائن منذ صيف 2017.
البصمة والذهب
من الأسباب الجوهرية، التي ساعدت تن هاغ لإحداث ثورة التجديد في «مسرح الأحلام»، ثباته على موقفه، وعدم تأثره بالضغوط والأصوات، التي كانت تطالبه بتعديل طريقة اللعب، لكن مع الوقت، أثبتت التجارب، أن اللاعبين كانوا بحاجة الى مزيد من الوقت للتأقلم على أفكار مدربهم، والدليل على ذلك، الطفرة الواضحة في أداء اللاعبين بعد هضم إستراتيجيته، ليصل اليونايتد إلى الصورة التي يبدو عليها الآن، كفريق له هوية داخل الملعب، بأسلوبه الخاص الذي لا يتغير، سواء على ملعبه وبين أنصاره أو خارج القواعد، كما كان ليفربول في ذروة حقبة يورغن كلوب، ومانشستر سيتي بيب غوارديولا. الجميع يعرفون أسلحته الفتاكة وطريقته في استدراج الخصوم، لكن لا أحد يستطيع إيقافهم، خاصة الفرق التي تعتمد على طرق وأساليب تعتمد على الاستحواذ والأفكار الهجومية المتطرفة، في ما يمكن اعتبارهم الضحايا المفضلين للمدرب الهولندي، الذي يبدع في مباغتة منافسيه، في حيل الهجمات المعاكسة بنقلة أو اثنتين، من قدم كاسيميرو أو برونو فيرنانديز، الى ماركوس راشفورد أو أحد معاونيه في الهجوم، في موقف لاعب ضد لاعب بالقرب من منطقة الجزاء، وهذا يفسر سر التدفق الهائل في الأفكار والغارات التي يشنها الفريق على خصومه، التي لا تتوقف إلا مع إطلاق صافرة نهاية الحكم، نتيجة العمل الجماعي، الذي يبدأ من اللاعب رقم 1، والإشارة إلى حامي العرين ديفيد دي خيا، الذي استعاد جزءا كبيرا من مستواه المذهل، الذي كان عليه قبل وبعد فشل صفقة انتقاله إلى ريال مدريد منتصف العقد الماضي، إلى جانب الدور البارز للصفقات الجديدة، التي صنعت الفارق بصورة فاقت كل التوقعات، والحديث عن تأثير بطل العالم ليساندرو مارتينيز، الذي أعطى إضافة في الخط الخلفي، تحاكي الإضافة التي قدمها فيرجيل فان دايك في سنوات مجده مع ليفربول قبل إصابته بقطع في الرباط الصليبي، وتأثير روبن دياز في المنظومة الدفاعية للسكاي بلوز، وهذا انعكس بشكل إيجابي على باقي المدافعين، بمن فيهم المنبوذ هاري ماغواير، الذي يبلي بلاء حسنا، كلما حصل على فرصته، مقارنة بالنسخة المأساوية التي كان عليها منذ وصوله من ليستر سيتي.
وكل ما سبق في كفة، وتأثير الذهب المدريدي في كفة، والحديث عن النقلة الكبيرة التي أحدثها كاسيميرو في وسط الملعب، رغم معارضة الأغلبية الكاسحة لهذه الصفقة في البداية، بزعم أنه تشبع من البطولات في سنوات ذروته مع ريال مدريد، لكن من مباراة الى أخرى، يُثبت أنه بحق القطعة النادرة التي كان يبحث عنها مانشستر يونايتد منذ زمن القائد الأسبق روي كين، كلاعب وسط يحظى بثقة زملائه، بتفانيه وتضحياته في إفساد محاولات الخصوم، التي تتلخص في ذكاء تحركاته وحُسن توقعه لمكان الكرة داخل منطقة الجزاء، أشبه بحائط الصد المنيع أمام رباعي الدفاعي، إلى جانب استخدامه كسلاح فتاك في الكرات الثابتة والركنيات، بالطريقة التي فتح بها الباب نحو معانقة كأس الكاراباو أمام جيوش المدينة، مقدما ما يمكن وصفه بالتنوع في تشكيلة إيريك تن هاغ، بعصارة خبرته التي لم يبخل بها على الفريق، أو ما يُعرف بعنصر الخبرة، جنبا إلى جنب مع الجائعين لحصد الأخضر واليابس، سواء القدامى أو الجدد، في مقدمتهم الوافد الجديد أنتوني، الذي بدأ يتكيف على أجواء الملاعب الإنكليزية، بتدرج واضح في مستواه، والأهم والأكثر إثارة للإعجاب ماركوس راشفورد، الذي تنفس الصعداء بعد رحيل كريستيانو رونالدو، بانفجار طاقته التهديفية بطريقة غير مسبوقة منذ العودة من كأس العالم، مسجلا حتى الآن ما مجموعه 25 هدفا في 39 مباراة في مختلف المسابقات، وهو أفضل من سجل أهدافه على مدار موسم واحد، منذ ظهوره على الساحة أواخر حملة 2015-2016 تحت قيادة لويس فان خال، وهذا ما يُقال عنه المهاجم الذي تبحث عنه الفرق التي تلاحق الألقاب، تماما كما يفعل دي خيا في حراسة المرمى، وآخرها تصدياته المذهلة أمام وست هام في الدور الخامس لكأس إنكلترا، وهو نفس الدور الذي لعبه الاخطبوط تيبو كورتوا مع ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، الحارس الذي يبقي على آمال الفريق حتى اللحظات الأخيرة، هذا ولم نتحدث عن المفاجأة السارة الأرجنتيني / الإسباني اليخاندرو غارناتشو، الذي لا يحتاج سوى المضي قدما بنفس الطريقة، ليتحول إلى مشروع سوبر ستار في المستقبل القريب، وأيضا دور القائد برونو فيرنانديز، الذي يتفانى في تطويع موهبته لخدمة الفريق وأفكار المدرب، مثل تألقه في بعض الأوقات في مركز الجناح الأيمن، إلى جانب دوره الرئيسي الثلاثي كملهم وصانع ألعاب وهداف، فهل سيستمر مانشستر يونايتد على نفس المنوال كمؤشر لعودته حيث كان في عصر السير أليكس فيرغسون؟