«مشوار دروب فنان من فلسطين إلى لبنان» معرض في دار النمر يجمع الأب والإبن مارون طنب فنان لبناني اُقتلع من حيفا ورحل آملاً برؤياها يجتمع بابنه فؤاد في حوار فني بين جيلين

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: «مشوار دروب فنان من فلسطين إلى لبنان» دعوة لدار النمر للثقافة والفنون لافتتاح معرض يحمل اسم الفنان مارون طنب وولده فؤاد، شكّلت مفاجأة. ففئة كبيرة من الذين راكموا ثقافتهم بالفنون التشكيلية بعد عقد الثمانينيات من القرن الماضي، لم يكن نتاج الأب الفني متداولاً بينهم. وكأن ولادته وسيرته في فلسطين غمرها الظل باستثناء المقربين.

بحثاً عن مشوار مارون طنب من فلسطين إلى لبنان كان السؤال. فشكّل المعرض المستمر في دار النمر إلى 20 أيار/مايو المقبل إجابة وافية، وعتب لترك إنتاجه بعيداً عن الناس إلى الآن. مراحل حياة مارون طنب في فلسطين تحدّث ابنه الفنان فؤاد الذي تتلمذ على يديه، وحفيدته جويل. وهذا المعرض أتى كثمرة لجهود بذلتها الحفيدة التي ترأس مؤسسة مي وفؤاد طنب للفنون، مع أفراد آخرين من العائلة. وساهم الباحث الفلسطيني مازن القبطي في جمع بعض آثار مارون طنب في فلسطين، والذي اجبر على ترك مكان ولادته سنة 1911 في حيفا إلى لبنان مع والدته وأخوته في ربيع 1948 بفعل هجوم عصابات الهاغانا على العرب.
معرض «مشوار…» غني ومعدٌ باتقان. يضمّ نوادر مما تيسّر ايجاده من الحقبة الفلسطينية لمارون طنب. إنها مشاهد من مدن وقرى في فلسطين. ولوحاته التي عُرضت لأول مرّة، نثرت شفافيته ورقته كفنان نقل الطبيعة القروية اللبنانية بمائيات باهرة. فنان اهتم برسم الناس من المرأة التي تُطعم خروفاً، وخبز المرقوق، ونشل الماء من البئر، إلى بائع الترمس ورعي الحيوانات. وعلى درب ابيه كان لفؤاد طنب لقاءات حميمة مع الطبيعة، إلى لوحات تجريدية نارية الألوان.
ولأن مارون طنب ابن دير القمر عاد إلى وطنه قسراً تماماً كما ارغم الآلاف من الفلسطينيين على الرحيل، تخلل المعرض عرض بالرسوم المتحركة يحاكي لوحة رسمها بالأبيض والأسود عنوانها «النازحون». عرض ترافق مع أغنية بالإنكليزية كتبتها ولحنتها وأدتها حفيدته يمان الحاج. إلى فيديو عرض صوراً لمارون طنب جمعته مع عائلته من إعداد جويل طنب.
هنا تحقيق يبدأ بحوار مع الفنان فؤاد طنب:
○ لماذا خريطتا لبنان وفلسطين وداخلهما صورتان؟
•ولد مارون طنب وتعلّم في مدرسة «دونبوسكو» الإيطالية في فلسطين. لهذا تصدّر وجهه خريطة فلسطين، ووجهي حين كنت طفلاً تصدّر خريطة لبنان التي بدت أصغر حجماً. ففي الجغرافيا مساحة لبنان تساوي نصف مساحة فلسطين تقريباً. في فلسطين تتلمذ والدي على يد الفنان الألماني هيرمن شتروك، والنمساوي بول كونراد هونيخ. طلاب شتروك كانوا جميعاً من اليهود، وحده أبي كان عربياً. اهتمّ به كأنه أحد أبنائه نظراً لموهبته المميزة.
○ وأمام لوحتين رسمهما مارون طنب لوالديه نسأل: لماذا كانا في فلسطين؟
•عائلتنا من دير القمر، قصد جدي مدينة حيفا للعمل، وكانت مزدهرة كما هو حال الخليج العربي الآن. لم يكن جدي الوحيد بل آخرين من العائلة. تزوج جدي من نهيل جدع التي هاجرت مع أبي وأخوته إلى لبنان بفعل النكبة. في حين توفي جدي سنة 1937 ودفن في فلسطين. استقرّت العائلة في طرابلس حيث عمل والدي في شركة النفط العراقية.
○ رحل مارون طنب سنة 1981 لماذا الآن تقديم فنه للجمهور؟
•إنها جهود جويل طنب حفيدته الأولى. أنشأت مؤسسة مي وفؤاد طنب للفنون وانطلقت من خلالها. بدوري طلبت لوالدي وساماً جمهورياً يكرمه، وكان ذلك قبل 20 سنة. تأخرنا على هذه الخطوة لكون كل منا كان منشغلاً بمهنته ولم نكن نملك الامكانيات المادية التي يحتاجها معرض يليق بوالدنا.
○ ماذا تقول لك هذه اللوحات التي تبدو قديمة العهد؟
•لوحات أنجزت قبل النكبة ووصلتنا نسخ عنها من فلسطين. انه حفر على النحاس، طُبع على ورق لنتمكّن من عرضه في بيروت. تمّ التعارف مع مازن قبطي الذي يعيش في فلسطين بجهود الدكتور يوسف الحاج زوج شقيقتي فاديا، فهو الذي باشر البحث والاستقصاء عن أثر مارون طنب في فلسطين.
ولتحديد زمن بدء البحث عن إرث مارون طنب في فلسطين سأل فؤاد شقيقته الفنانة فاديا فقالت: أنجز يوسف الحاج البيوغرافي قبل خمس سنوات، وبدأ التواصل مع مختصين في الأراضي المقدّسة، تعرّف إليهم من خلال أقاربنا الذين عادوا من فلسطين وعاشوا طويلاً منهم أبناء أعمام والدي. وقارن تلك المعلومات بما عرفناه من والدتي ومن غيرها، إلى جانب معلومات الباحث مازن قبطي.
○ نعود لفؤاد طنب لسؤاله عن المفاجأة التي شكّلها له فن والده الآتي من فلسطين؟
•نعم كنا في جهل تام لإنتاجه الفني في فلسطين. نعرف فقط بعض معارضه ومنها الأخير الذي أقيم في جمعية الشبيبة المارونية الحيفاوية سنة 1947. وقد تزامن مع قرار التقسيم الذي اتخذته الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر.
عن الجديد الذي تمّت معرفته عن معارض مارون طنب تقول ابنته فاديا:
•اكتشفنا بفضل الباحث مازن القبطي سبعاً من معارضه كنا نجهلها. وله الفضل الكبير في الكثير من المعلومات التي يتضمنها المعرض. وتمّ اطلاعنا على صحف صادرة في فلسطين كتبت عن معارضه منذ سنة 1933 وإلى ربيع سنة 1948. ومن بينها معارض جمعته مع فنانين آخرين.
○ وماذا عن محفوظات مارون طنب في بيروت؟
•يقول فؤاد: للأسف تعرّض منزلنا في بيروت خلال الحرب الأهلية لحريق مفتعل، وكنا قد تركناه إلى طرابلس. فقد صنّفت الميليشيات المسيطرة على الأرض والدي فلسطينياً. دخلوا المنزل خلعاً، وأحرقوا لوحاته، إضافة إلى اونسيكلوبيديا بريتانيكا، واونسيكلوبديا فنية، وكتب فنية نادرة وثمينة. احترق قلب والدي على الكتب، فمن أين سيأتي بمثلها؟ قال لنا. فيما اعتبر أنه قادر على إنتاج لوحات جديدة. لم يطل به الزمن بعد هذا القهر، وتوفي سنة 1981 وكان بصحة جيدة.

جويل طنب:

جولة في المعرض مع جويل طنب التي أولت عنايتها لكافة التفاصيل في الإعداد لهذا المعرض. نتوقّف في بداياتها أمام مقتنيات شخصية لمارون طنب منها جواز سفره الفلسطيني، وبطاقة إنكليزية، وجواز سفره اللبناني، وصور لوالديه. إلى بطاقات دعوة للمشاركة في المعارض التي أقامها ومنها معرضه الأخير في حيفا في 28/11/1947 وإلى جانبها أسماء اللوحات التي تشكل منها المعرض.
ونتوقف مع جويل أمام رسالة بالإنكليزية بخط جدها تقول: كان لجدي صديق عزيز اسمه جاك، ترك فلسطين إلى فرنسا مع تصاعد الأعمال العسكرية للعصابات الصهيونية. الرسالة في 6 كانون الثاني/يناير 1948 يعاتب فيها صديقه لأنه راسل الجميع ولم يراسله خلال وجوده في فرنسا. وصلتنا الرسالة من بين مقتنيات جاك الذي عاد إلى فلسطين بعد احتلالها، فهو يهودي. تقول الرسالة: بسيطة صديقي جاك.. أتمنى لك النجاح في عملك.. راسلت الجميع إلا انا. ابق بعيداً عن فلسطين بقدر المستطاع فالوضع غير جيد. بالقرب من منزلك بالتمام اقيم موقع عسكري للهاغانا…
○ أسست جمعية فؤاد ومي طنب ونظمت معرضاً يحكي سيرة جدك إلى جانب أعمال لوالدك. ما هي الحوافز؟
•ولدت وسط لوحات جدي، وكذلك لوحات والدي. فأنا الحفيدة الأولى التي عرفها مارون طنب وجمعتني صورة معه. وكذلك ولدت شقيقتي قبل وفاته. في الحكاية أنه مع انتقال والديّ للعيش في كندا بدءاً من 2020 أسّسا مدرسة الفنون والنهضة، والذي سبق وعملت لـ25 سنة في مدينة جونية في لبنان. من جهتي غادرت لبنان قبل 25 سنة أولاً إلى كندا، وأنا الآن في الولايات المتحدة منذ 16 عاما. ورغم دراستي البعيدة عن الفن بقي هو المصدر الأول لاهتمامي، تطوعت للعمل في متحف، وحصدت الكثير من الخبرة. زياراتي تكررت إلى لبنان، وقبل سبع سنوات قلت للعائلة بضرورة إعادة اسم مارون طنب مجدداً إلى عالم الفن خاصة وأنه منح أبناءه إرثاً فنياً ثميناً. وجميع أبنائه فنانون في الموسيقى والرسم. ولدى كل منهم مجموعة قيمة من لوحاته. فقد كان جدي يعدُّ لمعرض سنة 1981 وتوفي قبل افتتاحه بأسبوعين.
○ ما هي المصاعب التي اعترضتك خلال الإعداد لهذا المعرض؟
•كثيرة بالتأكيد. التحدي الأساسي تمثّل في جمع اللوحات والمقتنيات الخاصة بجدي، وهي لم تكن في مكان واحد. والتحدي الأكبر أني أعيش في الولايات المتحدة، والمعرض يجب أن يكون في لبنان، فمارون طنب لبناني. والتحدي الآخر سرد قصة جدي الحقيقية بدءاً من ولادته في فلسطين إلى عودته إلى لبنان. والتحدي الآخر تمثّل في التكاليف المالية التي تكبدتها مؤسسة مي وفؤاد طنب.
○ ماذا قال لك الجانب الفلسطيني من حياة مارون طنب؟
•كان مهماً تسليط الضوء على هذه الحقبة المهمة من حياة مارون طنب، وهي كانت مجهولة بالنسبة لنا، فلم يكن يتحدّث عنها رغم امتدادها لـ37 سنة. كنا نعرف فلسطين فقط من خلال لهجته. ركزنا على معرفة هذه المساحة الكبيرة من حياته. صحيح انه اشتهر بالمائيات، لكننا أردنا الكشف عن مجموعاته الكبيرة والمنوعة، وعن بداياته. بعد عودته إلى لبنان عمل جدي مسؤولا فنياً لشركة نفط العراق في طرابلس حيث رسم كل ما هو خاص بهذه الشركة.
○ وماذا عن خاصية الحوار الفني بين الأب والإبن؟
•هو التحدي الثالث بالنسبة لي، ليس هذا وحسب، بل أضفنا الاستمرارية الفنية مع الأحفاد. فقد نفّذت الفيديو الذي يحكي بعضاً من حياة جدي. إلى جانب فيلم صور متحركة جسد شخصيات لوحة تمثل اللجوء رسمها جدي واسمها «النازحون». وكتبت ابنة عمتي يمان الحاج كلمات أغنية بالإنكليزية تجسد اللجوء عنوانها «صبي من فلسطين» وغنتها مترافقة مع الشريط المتحرك. فبهذه الطريقة ترك جدي فلسطين.

يمان الحاج
و»صبي من فلسطين»

○ كتبت وأديت أغنية «صبي من فلسطين». ماذا تقول لك حياة جدك؟
•للأسف لم يكن لي حظ التعرّف إلى جدي. وعندما بدأت ملامح المعرض تظهر عبّرت والدتي فاديا طنب عن رغبتها بأن أكتب أغنية لهذه المناسبة. وافقت شرط أن تسرد لي خبريات عن حياة جدي لأستوحي منها. فكانت البداية من فلسطين حيث ولد وعاش لحوالي 37 سنة، وهاجر إلى لبنان بفعل النكبة. روت لي عن لسان جدي حرصه على إقفال باب بيته في حيفا حين هاجر مع جدتي وإخوته. وحرص على المفتاح لأنه سيعود يوماً. حمى المغادرون لحيفا نحو البحر رؤوسهم بالفرش، فقد كان القصف يلاحقهم. ركبوا الباخرة ووصلوا إلى مرفأ صيدا، وكان في استقبالهم رئيس الجمهورية بشارة الخوري مرحباً. سعيت لكتابة كلمات تسرد الوقائع، وتحمل في الوقت عينه مشاعر وأحاسيس. الكوبليه الأول من الأغنية يبدأ من فلسطين، ومن ثمّ عودته إلى لبنان. أقام في وطنه وأسس عائلة، لكنّ مشاعر الغربة استوطنت داخله. فهو رغم نجاحه، كان في آخر كل ليل يعود بالذاكرة إلى شاطئ حيفا وفلسطين. وكانت أمنيته غير القابلة للتحقيق أن يعود مرّة إلى أرض طفولته، وزيارة منزله. كتبت الأغنية في سردية تشبه سيناريو فيلم. كل كوبليه فيها يخبر جانباً من حياته.
○ لماذا بالإنكليزية وتراث عائلتك لجهة والدك اللغة العربية؟
•ورثت من العائلة نسق التفكير، وأجد نفسي أعبر بالإنكليزية أفضل من العربية لجهة الإحساس.
○ وما هو مصير الأغنية بعد المعرض؟
•إنها حصرية للمعرض حتى ختامه. ولاحقاً سأعمل لإطلاقها عبر برنامج واضح. أرغب بوصولها لكل مستمع له تاريخ مماثل في عائلته، ويعيش الهجرة مهما كان نوعها، وليس بالضرورة أن يكون من فلسطين. من جرّب طعم الهجرة سيفهم معاني ومشاعر هذه الأغنية، وسيعرف بأنه ليس الوحيد في هذا العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية