حنين العبدلي «براءة» القبيلة ومحاكمة العسكر الحايك وثقل النرجسية الثقافية والسياسية بين الجزائر والمغرب

«أقر أنا الموقع أدناه»، هكذا بدأ والد المؤثرة الليبية حنين العبدلي موضوعه حول «براءة ذمة» في الخامس من الشهر الجاري. الموضوع الذي تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي الصليبية، وعلى مختلف المواقع الإعلامية. «أقر وأنا بأتم الأحوال الجائزة شرعا وقانونا وبكامل قوانا العقلية، دون إكراه أو ضغوطات من أحد برفع الغطاء الاجتماعي عن تصرفات ابنتي حنين العبدلي، المنافية للشرع والقانون».
وحتى يصبح للبيان صيغة «قبلية وعصبية»، أضاف من لم يعد والد حنين «أني غير مسؤول، لا أنا ولا أبناء عمومتي عن تصرفاتها غير الأخلاقيّة وأبرئ ذمتي أمام الله من كل تصرف تقوم به من الآن فصاعدا».
تهم سهلة وجاهزة وجهت لحنين ينقل موقع «أخبار ليبيا» أن «وزارة الداخلية، أكدت أنها ألقت القبض على حنين العبدلي لإساءتها لمكانة المرأة الليبية العفيفة والكريمة في المجتمع المحافظ بأفعال وسلوكيات دخيلة تسيء للعادات والتقاليد وديننا الحنيف».
كما انتشرت على عديد الصفحات وقنوات «اليوتيوب» أخبار عن اعتقال المؤثرة «العبدلي» والفنانة «أحلام اليمني» في الشهر المنصرم. وحسب صفحة «النصر الإخباري» على فيسبوك فإن الاعتقال «بسبب فيديو خادش للحياء. تسبب نشر الفيديو المسرب للفنانة الليبية أحلام اليمني وحنين العبدلي بحالة من الجدل. وصف الفيديو بأنه فاضح ومثير ويسيء للمرأة الصليبية. وقد ظهرت حنين العبدلي في فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تسب رجال الأمن والمتورطين في مقتل والدتها». نعم والدتها الحقوقية والمدافعة عن حقوق المرأة، والمناهضة للرشوة في بلدها، والتي اغتيلت ب 30 رصاصة في وضح النهار في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020 وكانت أصابع الاتهام قد وجهت ل»ميليشيا حفتر»، وقتها، وكانت قد نشرت فيديو قبيل وفاتها تتهم هذه الميليشيات بالاعتداء على ابنتها وتصفهم العصابا، وترفض أن توجه أصابع الاتهام لا لداعش ولا الإخوان. وكان أن خسرت حياتها ثمنا لحريتها وشجاعتها.
تراوحت ردود الفعل عن تبرئة الذمة لوالد حنين بين مستهجن للفعل ومن يجد أن الأمر يستحق فعل أكثر من ذلك. فعن الموقف الأول نقرأ على صفحة «سرت فقط» على فيسبوك «قتلو زوجته حنان البرعي فسكت. خطفوا ابنته حنين العبدلي فتبرأ منها. إنها برقة الكرامة. قهر وذل تحت أقدام العسكر. وما زال الحبل عالجرار». وعلى صفحة «وردة النرجس» نقرأ «لا حول ولا قوة الا بالله. بضغط، أب يتبرأ من ابنته قانونا بطلب تبرئة ذمة من تصرفاتها. يذكر أن الفتاة هي ابنة المرحومة حنان البرعي، التي تم رميها بالرصاص وسط المارة بسبب تصريحاتها». وها هي ابنتها تتعرض للسجن، والسبب ليس ما تم الترويج له، أي «الفيديو المخل بالأحياء. والمشوه لسمعة المرأة الليبية»، بل تهمة أخرى أضيفت لقائمة التهم الموجهة لحنين، والتي تبين التناقض في التهم. وتميع السبب الحقيقي. فعلى صفحة « 6 مليون ليبي» على فيسبوك تم نشر «فيديو» كان مرفقا بالعبارات التالية «عاجل سبب القبض على حنين العبدلي. حنين العبدلي متهمة بقتل محمود الورفلي. ومما جاء في الفيديو على لسان رئيس النيابة العسكرية في بنغازي علي ماضي «الاشتباه في اثنين من المواطنين. المشتبه الأول محمد عبد الجليل سعد، ليبي الجنسية. والمشتبه الثاني حنين إدريس العبدلي، وهي ابنة الزميل. رحمها الله حنان البرعي. الاشتراك في هذه الجريمة. للعلم فإن السيدة حنين تم القبض عليها، وهي تقوم بتهديد أحد المواطنين في شارع عشرين. وهذا موجود ومثبت في وسائل التواصل الاجتماعي في مقطع فيديو بث مباشرة وهي تحمل مسدسا تسعة مليمتر موجود على تابلو السيارة، وهي تقوم بتهديد الشخص. هذه في حد ذاتها جريمة». من الصادق ومن الكاذب في أمر اعتقال حنين، هل الفيديو الخادش للحياء، أم التهديد بالقتل، أم اجتمعت الأعراف والمؤسسات الرسمية على إدانة من قد تكون خليفة لوالدتها في الشجاعة؟! لكن ما أسهل «التعليم» ووسم جسد المرأة بتهمة الرذيلة والفساد الأخلاقي وتشويه صورة المرأة الليبية المحافظة، وما أصعب مواجهة الوضع السياسي الغارق في الفوضى والفساد والتقتيل والخطف وتهديم البيوت في ظل مواصلة المليشيات مسلسل ترويع المواطنين الآمنين والمقاومين بالدرجة الأولى.
وتتواصل معارك التراث.

دور الحايك

قدر الجزائر والمغرب الفتنة الكبرى على التراث، منذ اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي والحمى تسكن المؤسسات المهتمة التراث، وحتى الحكومات، ويتم تجييش المؤثرين ومواقع التواصل الاجتماعي من أجل حقن النفوس بالكراهية باسم «سرقات التراث والسطو عليه. الأمثلة كثيرة من» الكسكسي»، مرورا بالصور. إلى الحلي وخيط الروح. إلى آخرها حكاية الحايك. ويزيد الطين بلة البعيدين عن التخصص في مسائل التراث، حيث سببت تغريدة المعلق الرياضي الجزائري حفيظ دراجي حول «الحايك» جدلا كبيرا بين المغاربة، مثل البرنس، الذي لبسه جدي (الحايك) هو لباس تقليدي جزائري، لبسته أمي وأمهات الجزائريين، بكل أنواعه في العاصمة وشرق البلاد وغربها. هو ليس مجرد لباس تقليدي أصيل، بل أحد رموز الهوية الوطنية والحشمة والعفة والشرف. كانت تخفي تحته المجاهدات القنابل والأسلحة. الأصل جزائري والباقي تقليد».
كما قامت الإعلامية خديجة بن قنة بنشر مقطع فيديو للترويج للحايك في قطر، وهي تقوم بشرح كيفية ارتداء الحايك لزميلاتها. يا حبذا لو تستطيع الإعلامية تقديم برامجها بالحايك والجار، وليس فقط اللباس للتصوير المناسبات، للحظات فقط من أجل الابهار.
ومن من النساء المغربيات لا يعرفن الحايك؟
والحكاية التي أشعلت مواقع التواصل في الجزائر بعدما خرجت نساء شابات في طنجة، شمال المغرب ملتحفات بالحايك وخرجن بنفس طريقة خروج الجزائريات في كل ثامن من مارس/آذار منذ سنوات بالحايك والقفة، بعدها انتشر هاشتاغ جزائري»المغرب تنهب الحايك الجزائري»، كما جاء في قناة «اوراس».
الحايك يظهر في المغرب كتراث نسوي ما القصة؟ نساء من مدينة طنجة المغربية يتجولن في المدينة بالحايك»، بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة. الحايك ثوب تراثي عاصر تاريخ النساء في الجزائر. تحدثت عنه كتب التاريخ والموروث الشعبي وتغنت بجماله أغنيات شعبية، إلا أن ظهوره في المغرب أثار الجدل لدى الجزائريين. تسميات الحايك تختلف من منطقة إلى أخرى، في الجنوب يطلق عليه «الملحفة»، وفي الغرب «الكسا»، وفي مناطق أخرى «السفساري». حايك المرمة يعتبر من بين أجود الأنواع، فكان ارتداؤه خاصا بالطبقة الميسورة فقط. القطعة الأساس للباس المغربي هي نوع من شرشف صوف أبيض، يسمونه الحايك، يتدثر فيه من الرأس إلى القدمين». (دومينغو فرانثيسكو، رحالة إسباني).
ارتداء الحايك الجزائري في المغرب اعتبره نشطاء سرقة جديدة للتراث المحلي». هكذا انبرت قنوات مثل «الشروق» للقضية وانشغلت العديد من الصفحات والمواقع بالحايك وسرقته من طرف المغرب. الله يلعنك يا شيطان. كل البلاد المغاربية لبست الحايك وتحت مسميات مختلفة كلباس خارجي ساتر للمرأة، لكن التخلي عن الحايك كثقافة لباس يومية هو المختلف بين هذه البلدان. والجزائر تأخرت في التخلي عن الحايك إلى أن أتت موجة الحجاب في الثمانينات، بينما تونس تخلت فيها النساء عن «السفساري» في زمن بورقيبة، وكانت أول امرأة سحب من على جسدها «الستر» هي صلوحة بوزقرو محلة، وهي قريبة بورقيبة وسميت الحادثة بـ «صاحبة السفساري». وتم ذلك في صيف سنة 1957، وذلك أمام حشد شعبي كبير، وصلوحة هي زوجة عبد القادر محلة، قاضي الإسلام وزيتوني التعليم». حادثة بقيت راسخة في ذاكرتها، حسب ما صرحت به للعديد من المواقع الإعلامية.
أما تخلي المغربيات عن الحايك فكان على ما يبدو بعد خطاب لالا عائشة، ابنة الملك محمد الخامس. وهي ذات 17 عاما ومرتدية الزي الأوروبي. وكانت نسوية من الطراز الأول. وهذا بعد خطابها الذي دعت فيه لتعليم النساء قدوة بها وبوالدها الذي درسها العربية واللغات الأجنبية. وحثهن على المطالبة الاستقلال. لكن مندوب المدينة وبمجرد مغادرة الملك وابنته لها قام بالتصدي لمن قلدن الأميرة وتعرضن لتقطيع ملابسهن. بعدها ارتدين «الجلابة الرجالية مع وضع النقاب»، حتى يتسنى لهن العمل في الأماكن العامة. للتاريخ وحركية المجتمع دورهما وكلمتها، لكن المؤثرين المنساقين وراء الشعارات الرنانة وهوس تملك الأشياء يغطي على الحقائق. فلا الجزائر تملك وحدها الحايك، كما سجلت وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وقنوات يوتيوب ومحمد دومير، ولا المغرب أصل الحايك، وأنه البلد المصدر له لجميع البلدان من الأندلس إلى مصر، مرورا بالبلدان المغاربية الأخرى. كما ذكرت صاحبة قناة «كريغلاتي». فقط أحد «اليوتيوبرز» المغاربة ذكر أن الحايك لباس مشترك وأصله أندلسي وقدم إلى المغارب بعد هجرة وهروب الموريسكيون باتجاه شمال افريقيا.
كذلك يمكن أن نجد منشورا توفيقيا، غير متعصب لأصل الحايك، وهو ما كتبته نادية شريف، بعد عرضها لخلفيات الجدل «يسمى في المغرب الأقصى الإزار أو المئزر وفي تونس السفاري. وكان يسمى في الأندلس المِلحف، وفي أواخر العهد الأندلسي غلب بنو الأحمر العادة، فبدلا من أن يكون أبيض جعلوه أسود، دلالة على الحزن. انتشر هذا اللباس بشكل واسع في جميع أنحاء المغرب العربي. وهو لباس من القماش أبيض اللون تلتحف به المرأة لتستر سائر جسدها، مع إضافة الجار، وهو قطعة صغيرة من القماش تضعها المرأة لتغطي وجهها». يحتاج الخوض في مسائل التراث الثقافي الشائكة إلى نظرة متأنية تخضع للنسبية الثقافية، ويتولى المهمة الباحثون في الأنثروبولوجيا والمؤرخون، لأن لفظ الحايك كمجال سيميائي يحتاج لتوضيح وتحديد.
وعلى ما يبدو تطلق التسميات جزافا، كما هي بين الناس دون مراعاة التغيرات التي تعرضت لها عبر التاريخ، فالحايك يشمل لباس المرأة عند الخروج (الساتر) ولباس الرجل أيضا الذي يتلفح به. مثل حايك الأمير عبد القادر وما كان وما زال يلبسه الرجال في ليبيا والمغرب. والحايك أيضا هو لباس نسوي بثنيات غير مخيط، يحتاج القائمون على جرد التراث الثقافي غير المادي لحنكة وحكمة وتكوين للقيام بمثل هذه المهام الصعبة، وليس خلق فتنة التفاضل بين الثقافات والعناصر التراثية والتسابق للتباهي الملكية، وإبراز النرجسية العمياء في المنابر الإعلامية ومهرجانات التراث.

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية