كثيرة هي المواقع الأثرية في مناطق القدس والضفة الغربية التي تعبر عن تجذر وعمق التاريخ الفلسطيني، لكن آلافا منها باتت مقصداً للأطماع الإسرائيلية، وبالتحديد الواقعة في المناطق المصنفة «جيم» و«سي» والتي تسيطر عليها إسرائيل، ويشكل ذلك خطراً كبيراً على المواقع الأثرية الموجودة داخل هذه المناطق، والتي باتت مهددة بالسرقة وتزوير تاريخها.
بلدة سبسطية التاريخية التي تمثل أكبر معلم ثقافي وسياحي في الضفة الغربية، من أبرز المواقع التي تحاول إسرائيل السيطرة عليها. تقع البلدة في محافظة نابلس شمال الضفة الغربية، وتعتبر عاصمة الرومان في فلسطين، وتتميز بموقعها الجغرافي الذي يربط ثلاث محافظات في شمال الضفة الغربية ببعضها، وهي نابلس وطولكرم وجنين، كما أنها تقع على طريق الحج المسيحي من القدس وبيت لحم وبئر يعقوب والناصرة، وعاصرت البلدة عبر تاريخها أقواما متعددة من الكنعانيين والآشوريين واليونانيين والرومان والبيزنطيين والعرب والصليبيين. فإضافة إلى احتوائها العديد من المواقع الأثرية والتاريخية وكذلك الدينية، فموقعها المميز هو الذي جعلها عاصمة للعديد من الحضارات التي تعاقبت على فلسطين، وأكثر ما يميزها وجود سور يلف المنطقة الأثرية من كافة الاتجاهات، حيث يوجد مدرج روماني وبرج هيلانة ومعبد أغسطس الروماني، وفيها قبر النبي زكريا ومقام الشيخ شعلة وكنيسة القديس يوحنا، والعديد من الحضارات التي تركت بصماتها داخل سبسطية.
معبد الشمس
عام 1967 وقعت البلدة تحت السيطرة الإسرائيلية، ومنذ احتلالها يكافح الفلسطينيون لوضعها على خريطة السياحة العالمية باعتبارها واحدة من المواقع الأثرية المهمة. تقع سبسطية البالغ عدد سكانها 572 نسمة، على تلة يبلغ ارتفاعها حوالي 500 متر عن سطح البحر، وتأتي تسميتها من أصل يوناني بمعنى الموقر نسبة إلى الملك شومر الذي يعني الحارس، وبناها الملك هيرودس الكبير أشهر ملوك الرومان الذين حكموها عام 27 قبل الميلاد، وتبلغ مساحة البلدة حوالي 5400 دونم، صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قرابة 1500 دونم من أجل إقامة مستوطنة شافي شمرون المجاورة للبلدة. ومن المعالم الأثرية والتاريخية الشامخة في البلدة، ساحة البازليكا أو البيادر، وقصر هيرودس اليوناني، وساحة الأعمدة، ومعبد أغسطس أو معبد الشمس، وكنيسة الراس وقصر العاج والكنيسة البيزنطية، كما أنها تحوي قبر سيدنا يحيى عليه السلام أو كما يعرف لدى المسيحيين بيوحنا المعمدان. وتعتبر سبسطية المعروفة باسم الغابة الخضراء موطناً حقيقياً للأعمدة الرومانية القديمة، التي تحيط بالمسارح وتوثق بنمطها المعماري تاريخ البلدة القديم، ونتيجة لموقعها والمكانة الجغرافية والتاريخية لهل ولجمالها المعماري، أصبحت هدفاً لاعتداءات الاحتلال والمستوطنين، حيث تقدر مساحة المواقع الأثرية فيها بنصف مساحة البلدة، ويفرض الاحتلال والعصابات الاستيطانية قيودا كبيرة على سكانها ومواقعها الأثرية، فهي تشهد اقتحامات المستوطنين للمواقع الأثرية، واعتداءاتهم والجيش على المواطنين وإطلاق النار عليهم، وإغلاق حاجز شفي شمرون المؤدي للبلدة وتوقيف أعمال تأهيل مدخلها، وكذلك إيقاف عمال النظافة ومنعهم من تنظيف المواقع الأثرية، إلى جانب هدم منازل عائلات فلسطينية فيها وإغلاق جميع الطرق المؤدية إليها، فقد سجل منذ العام الماضي حتى مطلع العام الجاري أكثر من 80 اعتداء، فالاحتلال يضعها في سلم أولوياته لتهويدها، كما يضع كل إمكانياته المادية والعسكرية لفرض الهيمنة على البلدة، وكان آخرها رصد خمسة ملايين شيكل لتهويد المواقع الأثرية فيها، وكذلك إعلان أعضاء الكنيست الإسرائيلي ووزير الأمن الداخلي ومدير عام شرطة الاحتلال، نيتهم إقامة مركز شرطة في البلدة للسيطرة عليها بالكامل، كما أحال الاحتلال ملف سبسطية لدائرة الحدائق العامة الإسرائيلية التي يترأسها مجلس المستوطنات، والذي سهل اقتحام المستوطنين للبلدة بحجة الذهاب للحدائق والتنزه، كما شرع الاحتلال قبل سنوات في إقامة الشارع الدائري حول المنطقة الأثرية يمر عبر أراضيها ويسهل ضمها ويؤمن طريقاً بديلاً لخروج ودخول المستوطنين لتسهيل اقتحام المدينة. كما منع الاحتلال إحداث تغييرات كخدمات البنية التحتية أو أعمال ترميم من طرف الفلسطينيين، إضافة إلى ملاحقة المستثمرين وهدم منشآتهم، وتمنع السلطات الإسرائيلية أيضاً الفلسطينيين من إعادة تأهيل مواقع أثرية في القرى والبلدات، لربط تلك المواقع بالتاريخ اليهودي، كما دمرت القوات الإسرائيلية جزءاً من مشروع سياحي فلسطيني يهدف إلى إعادة تأهيل وتطوير ساحة البيدر الأثرية، ورغم كل هذه المحاولات يواصل سكان سبسطية تحدي مخططات الاحتلال بالصمود أمام المضايقات، من أجل الحفاظ على الموروث التاريخي للبلدة قبل فوات الأوان.
حفريات
اعتمد سكانها على تجميع مياه الأمطار كمصدر للسقي منذ القدم، واشتهروا بالزراعة وخاصة أشجار المشمش والزيتون، ويعيش في البلدة العديد من العائلات الفلسطينية العريقة ومنها عائلة الشاعر وغزال وعازم وكيوان ومخيمر وكايد وشحادة والحاج وشهاب، واليوم لا يسيطر الفلسطينيون إلا على جزء بسيط من البلدة، أما المناطق الأثرية فتخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، حيث لم يترك الاحتلال للفلسطينيين الفرصة لإجراء حفريات أثرية في المنطقة إلا في مساحات محدودة، والسياح غالباً ما يصلون إلى المكان مشبعين بالروايات الإسرائيلية التي تتعمد تزوير الحقائق والتاريخ، وهذا ما يقلق الفلسطينيين. وحسب خبراء ومؤرخين فلسطينيين، فإن بلدة سبسطية الأثرية تواجه مخططا إسرائيليا يهدف إلى عزلها عن محيطها، ويأتي هذا المخطط في ظل عجز وزارة السياحة والآثار الفلسطينية عن حماية البلدة وتنشيط الزيارات لها، بسبب المضايقات الإسرائيلية العنيفة لسكان البلدة، بدعوى أن سبسطية هي عاصمة السامرة الشمالية، كما فعلوا في بتير والولجة في محافظة بيت لحم وفي البلدة القديمة من الخليل والبلدة القديمة من المدينة المقدسة، وكذلك ما يحصل في حي الشيخ جراح وسلوان والعيساوية من محاولات الاستيلاء على الأرض وسرقتها.
متحف أثري
يقول المؤرخ الفلسطيني غسان وشاح «تعتبر بلدة سبسطية بمثابة متحف أثري عريق، فهي مزار مناسب للسياحة الخارجية والمحلية، وهي أيضاً محط استهداف ومطامع لسلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تنهب آثارها وتسرق تاريخها، خاصة وأنها تتربع على تلة تشرف بشكل مباشر على تقاطع الطريق التجاري التاريخي الذي يربط شمال فلسطين بجنوبها، كما شهدت قيام الكثير من الحضارات على أرضها، فالعديد من الأحداث التاريخية والحملات العسكرية الخارجية وقعت داخل البلدة، لذلك أصبحت مقصداً للأطماع الإسرائيلية».
وأوضح لـ«القدس العربي» أن جامعة هارفارد الأمريكية أجرت عام 1908 حفريات في سبسطية، للكشف عن آثار تدعم فكرة أحقية اليهود بفلسطين، لكنها لم تثبت من خلال الحفريات أي صلة لليهود بفلسطين، وعقب احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967 بدأت بتهويد البلدة عبر تزوير أجزاء من مواقعها الأثرية، وبناء سلسلة حجرية لتكون واجهة للمدرج الروماني الذي يزيد عمره عن 3 آلاف عام.
وأشار إلى أن إسرائيل تسعى بكل امكانياتها لتحويل المواقع الأثرية إلى مناطق ترفيهية ومتنزهات للمستوطنين، وتزوير واقعها الأثري وقد فعلت ذلك بدءاً ببناء مجمع سكني استعماري مبتلعاً جزءاً من الآثار القديمة في المنطقة تدريجياً، حتى أحيط المكان الأثري بالاستيطان من كل الجهات، إلى جانب دور لصوص الآثار الذين يقومون بترميم المواقع، والتي من شأنها أن تزور التاريخ وتنسبه لإسرائيل.
ولفت إلى أن تاريخ سبسطية يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، فقد «أسسها الكنعانيون ثم توالت على حكمها حضارات إسلامية ومسيحية واليونانية والرومانية والعثمانية، وتعرف بموقعها الاستراتيجي كممر للقوافل التجارية يصل الشمال بالجنوب، وهكذا اتخذت المدينة صبغة دينية وتاريخية وأصبحت مزاراً للسياح والحجاج الأجانب. وكانت هناك عدة محاولات فلسطينية لإبقائها ضمن مسار الحج المسيحي لكن إسرائيل حالت دون ذلك، كون أن غالبية أراضيها ليست تحت السيطرة الفلسطينية، وهذا يتطلب أن نعمل كفلسطينيين على تعزيز السياحة الداخلية وبالتحديد للأماكن الأثرية والتاريخية، من أجل التصدي لمحاولات التهويد والسيطرة الإسرائيلية على المواقع التاريخية للمدينة».
وأضاف أن إجمالي المواقع المكتشفة في سبسطية تقدر بحوالي 40 ويفرض الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على أكثر من 80 في المئة من المواقع الأثرية فيها، وذلك لوقوع الآثار في البلدة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال، حيث اختارت إسرائيل المناطق الغنية بالمواقع الأثرية خلال تقسيمها للمدينة وضمتها تحت سيطرتها.
وحسب دائرة الآثار التابعة لوزارة السياحة الفلسطينية، فإن سبسطية موضوعة على لائحة المواقع التاريخية والتراثية ذات القيمة العالمية المتميزة في فلسطين، التي تم تقديم عدد منها إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» لتكون على لائحة التراث العالمي، ومنذ العام 2008 تم البدء بتنظيم مهرجان سبسطية الدولي، وذلك لإلقاء الضوء على هذه البلدة التاريخية.