قام المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بعملية تضليل ضد مواطني إسرائيل أثناء عملية “حارس الأسوار” في أيار 2021. كان هدف العملية زيادة الوعي حول هجمات إسرائيل في قطاع غزة و”الثمن” الذي يجبيه الجيش من الفلسطينيين. نشر الجنود منشورات في حسابات وهمية في الشبكات الاجتماعية بهدف التغطية على حقيقة أن المتحدث بلسان الجيش يقود الحملة. اعترف الناطق العسكري أمس بأنه استخدم حسابات وهمية لنشر المعلومات وقال إن الأمر كان متعلقاً بـ “خطأ”.
في معظم الحسابات الوهمية في “تويتر” و”فيسبوك” و”إنستغرام” و”تك توك”، نشر الجنود في قسم الناطق العسكري صوراً وأفلام فيديو عن الهجمات تحت عنوان “غزة تندم”، وكانت ترافقها كتابات مثل “لماذا تنشرون فقط الهجمات في البلاد ولا تنشرون هجماتنا في غزة؟ علينا أن نري الجميع مدى قوتنا!” و”شاركوا من أجل أن يعرفوا بأننا نرد بشكل كبير”.
معلومات وصلت للصحيفة كشفت أن خطة إدارة “حملة حرب نفسية” على المجتمع الإسرائيلي انطلقت بعد بضعة أيام على بدء العملية عندما شعر قسم الناطق العسكري بأن الجمهور في إسرائيل يتأثر أكثر من إصابة صواريخ حماس، ولا يتأثر بما فيه الكفاية من هجمات الجيش في غزة. استخدام الحسابات الوهمية هدف إلى منع إمكانية نسب عملية التأثير للجيش الإسرائيلي نفسه – لذلك ستظهر الحملة كأنها أصيلة ونابعة من الجمهور.
في إطار العملية خطط قسم الناطق العسكري لتنفيذ العملية بواسطة حسابات وهمية باسم “بوتات” وبمساعدة حسابين في أنستغرام لهما شعبية كبيرة، حساب “بيزم” و”جنود يغردون”، لهما مئات آلاف المتابعين. اعتبر التعاون معهم سرياً. في الحقيقة، في اليوم الأول لعملية التضليل نشر حساب “جنود يغردون” صورة يظهر فيها هدم مبنى في مركز مدينة غزة، تحت عنوان “غزة تندم”. هذا المنشور حصل على مئات الإعجابات والردود، منها “ليموتوا” و”يجب محوهم تماماً” و”لندمر غزة بمن فيها”. أيضاً نشر في “بيزم” هذا الوسم بمرافقة صور للهجمات في غزة. من غير الواضح إذا كان الجيش قد دفع للجنود المغردين أو لـ “بيزم” مقابل النشر. ولكن مصدراً مطلعاً على نشاطات الناطق العسكري في تلك الفترة قال إن التعاون معهم لم يقتصر على هذه الحملة. في قسم الناطق العسكري خططوا للقيام بالحملة أيضاً بواسطة من يؤثرون في الشبكة.
بدأت عملية “حارس الأسوار” في 10 أيار 2021 عندما أطلقت حماس الصواريخ نحو القدس أثناء مسيرة الأعلام التي جرت في ذاك اليوم المتوتر في العاصمة. بعد ذلك، تم إطلاق عدة صواريخ على “غوش دان”. الجيش الإسرائيلي رد بهجوم كثيف على أهداف في غزة، بما في ذلك هدم مبان متعددة الطوابق. في الـ 11 يوماً من القتال تم إطلاق 4 آلاف صاروخ تقريباً من غزة، وقتل عشرة من الإسرائيليين وثلاثة أجانب. حسب بيانات الأمم المتحدة، فإن 261 غزياً قتلوا، من بينهم 130 من المدنيين، 67 طفلاً و41 امرأة. نشر الجيش الإسرائيلي عن قتل نحو 220 من أعضاء حماس والجهاد الإسلامي. بعد البدء في العملية قرر قسم الناطق العسكري تنفيذ حملة الحرب النفسية ضد المواطنين في إسرائيل. في 12 أيار تم فتح حساب في تويتر باسم موشيه فاكنن مع صورة لأعلام إسرائيل. غرد الجندي الذي أشعل الحساب الوهمي 27 مرة طوال ثلاث ساعات، وكل تغريدة شملت صورة هجوم في غزة مع هاشتاغ “غزة تندم”. من أجل زيادة المشاهدة والتعاطف مع التغريدات، أرفق الجندي مع كل تغريدة رداً على حسابات شخصيات معروفة في تويتر، التي لها آلاف المتابعين، ومعظمها معروفة كداعمة بارزة لنتنياهو. الجندي أرفق تغريدته برجال إعلام وسياسيين من اليمين.
على تغريدة لعضو الكنيست ايتمار بن غفير الذي دعا إلى “تحويل حي الفيلات لحماس مع سكانه إلى كراج”، رد الجندي بتغريدة ظهرت فيها صورة لهدم مبنى مع كلمات “ايتمار: شارك!، كل شعب إسرائيل يجب أن يرى هاشتاغ “غزة تندم”. ورداً على تغريدة ليانون ميغل الذي استخف بوزير الدفاع في فترة العملية، بني غانتس، رد الجندي بصورة لهجوم آخر مع تعليق “يانون، هاشتاغ “غزة تندم”، شارك! يجب على الجميع أن يعرفوا. وثمة تغريدة مشابهة نشرت رداً على تغريدة شارون غال. وتم فتح حساب آخر في الفيسبوك في 12 أيار باسم دانا لوك مع صورة لطفلة ملفوفة بعلم إسرائيل. خلال ثلاثة أيام، نشر الجندي الذي شغل الحساب الوهمي ثمانية أفلام فيديو لهجمات مرفقة بتعليقات بأسلوب “لن نصمت أكثر!، لسنا أغبياء وهاشتاغ “غزة تندم”! شاركوا!”. لزيادة التعاطف، نشر الجندي الأفلام في مجموعات “نصوت لليكود فقط” و”مؤيدو الليكود” و”لن نصمت أكثر – يجب حماية بيبي”، وهي الحسابات التي فيها 100 ألف عضو. وثمة حسابات وهمية أخرى نشرت 13 منشوراً مشابهاً في الانستغرام والتك تك. لم تحصل المنشورات على أي ردود من الجمهور الإسرائيلي، باستثناء فيلم واحد في “التك توك”، الذي كانت عليه عشرات الردود والإعجابات. لم يكن على المنشورات الأخرى أي رد أو إعجاب أو مشاركة تقريباً. في إطار عملية التضليل، حاولت الحسابات الوهمية للناطق العسكري الدفع قدماً بهاشتاغ “غزة تندم” حتى يستخدمه الجمهور في إسرائيل عبر الشبكة، لكن هذا لم ينجح. في “الفيسبوك” فقط تم توثيق ستة منشورات أصلية لمستخدمين حقيقيين تبنوا الهاشتاغ. أما الشبكات الاجتماعية الأخرى لم يكن فيها أي توثيق لاستخدام أصلي لهذا الهاشتاغ.
مع ذلك، علمت “هآرتس” بأن قسم الحملات في قسم الناطق العسكري حصل بعد العملية على جائزة داخلية عن عملية التضليل تحت فئة “العملية التنفيذية الممتازة” في إطار عملية “حارس الأسوار”. كانت على الجائزة صورة المقدم مراف ستولر – غرنوت، رئيس قسم الإعلام والنشر في قسم الناطق العسكري. قسم الحملات يعمل مثل وزارة الإعلام ويقوم بحملات داخل الجيش وخارجه من أجل زيادة الوعي للوحدات ولقضايا مختلفة في الجيش. وقف على رأس هذا القسم في حينه يوفال هوروفيتس، رجل إعلام قام بدوره كمواطن مدني يعمل لدى الجيش الإسرائيلي وهو الآن يعمل في قناة “كيشت”. جاء الرد من الجيش: “نشر خلال عملية حارس الأسوار مواد تصف ما يحدث في القطاع. هذه المواد مقاطع إعلامية أصلية من داخل القطاع، وجدت في الشبكات العلنية. وقد تم التوجه إلى جهات مؤثرة لنشر مقاطع نفذت بصورة رسمية من قبل الجيش الإسرائيلي. إزاء حقيقة أن الأمر يتعلق بمواد وثقت فلسطينيين في القطاع، فقد نشرت المواد بدون صلة بالجيش الإسرائيلي. فيما يتعلق بالادعاء حول فتح حسابات وهمية في الشبكات الاجتماعية، فتح عدد محدود من الحسابات لزيادة الكشف، بعد ذلك وجد أن استخدام هذه الحسابات خطأ وكان محدوداً بـ 24 ساعة. يجب التأكيد بأنه لم يتم استخدام هذه الوسيلة في السنتين الأخيرتين. ونؤكد بأن الناطق العسكري ملزم بالتأكد من ذلك وأن يحرص على إصدار تقارير موثوقة ودقيقة بقدر الإمكان بهدف نقل جميع المعلومات للجمهور بشكل رسمي.
يوفال هوروفيتس قال: “عملت في مواضيع حساسة كثيرة، وأفضل عدم التطرق إلى ذلك”. في “بيزم” رفضوا الرد.
الحرب النفسية
يعمل الجيش الإسرائيلي منذ سنوات في عمليات وعي وتأثير أمام أعداء إسرائيل في محاولة لكسر روايتهم، والتأثير على السكان (في غزة ولبنان وإيران وغيرها) وتحقيق إنجازات عملياتية. في 2005 أقيم مركز عمليات الوعي تابع لقسم العمليات في الجيش. بعد سنة تم نقله إلى شعبة الاستخبارات العسكرية. في إطار هذه العمليات ضد “الطرف الأحمر”، تجمع الاستخبارات معلومات تشمل، ضمن أمور أخرى، مواقف الجمهور في الكيان الذي تحارب إسرائيل ضده بخصوص القيادة والحرب، وتحاول أيضاً التأثير على الخطاب العام هناك لخلق عدم يقين، والمس بمصداقية رسائل قيادة العدو واستخدام ضغط الجمهور عليها. معظم عملية التأثير تحدث بشكل سري، ويتم في إطارها نشر رسائل معينة تهدف إلى خدمة إسرائيل بطريقة معينة.
أثناء عملية “حارس الأسوار” جرت في الشبكات الاجتماعية العربية حملة موجهة لسكان غزة. وغرد الناطق العسكري والمتحدث بلسان رئيس الحكومة باللغة العربية برسائل مشابهة مع هاشتاغ “حماس تقتل أبناء شعبها” و”الذنب ذنب حماس”.
الاستخبارات العسكرية لها قدرة تمكنها من التأثير بأبعاد مختلفة على السكان المدنيين، لكن حسب القانون يحظر على الجيش استخدام هذه القدرة أمام “الطرف الأزرق” (إسرائيل)؛ أي استخدام عملية تأثير وحرب نفسية سرية تجاه المواطنين الإسرائيليين. “هذه القدرة بنيت لمعرفة المزاج في أوساط الدول العربية والتأثير من الخارج، بدون توقيع الجيش الإسرائيلي، على الوضع الداخلي للمواطنين الذين تشن إسرائيل الحرب ضدهم”، قال مصدر أمني رفيع للصحيفة. “لا يوجد استخدام لعملية حرب نفسية تجاه المواطنين الإسرائيليين، هذا محظور حسب القانون، وحتى أثناء كورونا لم يسمحوا للجيش باستخدام جزء من قدرته للعثور على مصابين. هذا أمر حساس جداً”.
في فترة رئيس الأركان التارك، أفيف كوخافي، أعطيت للحرب النفسية أهمية كبيرة، لا سيما أمام الساحة الفلسطينية، وتغير اسم المركز وأصبح “قسم التأثير” رغم محاولة نقل عملية الحرب النفسية إلى مسؤولية الناطق العسكري، المسؤول عن العلاقة مع الجمهور الإسرائيلي، تقرر إبقاؤها تحت مسؤولية شعبة الاستخبارات العسكرية. “هذه المحاولة وصلت من الأعلى، لكنها فشلت، على الأقل بصورة رسمية وثابتة”، قال المصدر الرفيع. كان موقف المعارضين أنه يمكن تنفيذ ذلك فقط مع جسم مؤيد للجيش، ومن الواضح للجميع أن الرسالة من الجيش. وقد تم التوضيح لمن أرادوا تغيير القانون القائم بأنه أمر غير مقبول.
نفس هذا المصدر لم يكن يعرف عن عملية هاشتاغ “غزة تندم” وتفاجأ عندما عرف أن هذه العملية انطلقت وبحق تحت مسؤولية الناطق العسكري في حينه، هيدي زلبرمان، الذي بدأ طريقه العسكري في سلاح المدرعات، وبعد ذلك ضابطاً لقسم العمليات في قيادة المنطقة الشمالية ورئيساً لقسم التخطيط في قسم العمليات، وقد كان شخصاً رئيسياً في بناء الخطة متعددة السنوات “تنوفا” لرئيس الأركان في حينه كوخافي. كوخافي هو الذي عين زلبرمان في وظيفة الناطق العسكري، وبعد ذلك بات ملحقاً عسكرياً في الولايات المتحدة، وهي وظيفة يخدم فيها حتى الآن. في اليوم الرابع لعملية حارس الأسوار، انطلق الجيش لتنفيذ “الضربة الخاطفة” التي استهدفت المس بشبكة أنفاق حماس بواسطة نحو 150 طائرة قتالية ومئات القذائف. قام الناطق العسكري بتضليل وسائل الإعلام الأجنبية عندما أصدر تقريراً عن بداية الدخول البري للقوات بهدف جعل كبار قادة حماس ومقاتليها ينزلون إلى الأنفاق بسرعة، حيث سيموتون. العملية لم تنجح. في محاولة لترميم ثقة وسائل الإعلام الأجنبية به، كتب زلبرمان لرئيس نقابة الصحافة الأجنبية: “أريد الاعتذار عن الخطأ. الناطق العسكري لا يعمل بالحرب النفسية، ودوره نقل الحقيقة للجمهور”.
ما لم يقله الناطق العسكري أن جنوده قاموا في تلك الفترة بعملية تضليل غير مسبوقة للجمهور الإسرائيلي. “إذا كان هاشتاغ “غزة تندم” قد خرج إلى حيز التنفيذ من الناطق العسكري، فهذا لا يقل عن فضيحة”، قال المصدر المطلع على المواد الموجودة في “هآرتس”. “يُحظر حدوث أمر كهذا”.
رغم تعهد زلبرمان بأن الجيش لا يعمل بالحرب النفسية، فثمة تقرير نشر في “هآرتس” بعد ثلاثة أشهر، جاء فيه بأن الجيش قد شغل جلعاد كوهين، مشغل قناة التلغرام “أبو علي إكسبرس”، كمستشار لشؤون “الحرب النفسية” في الشبكات الاجتماعية. قناة “أبو علي اكسبرس” لها 100 ألف متابع، وهو أصبح أحد المؤثرين في الشبكة الإسرائيلية في مواضيع الأمن والعالم العربي. ينشر أخباراً حصرية وأفلاماً وصوراً يظهر فيها شعاره، وكثير من المراسلين يأخذون منه المواد ويقتبسون منه. أكثر من مرة وجه الناطق العسكري مراسلين طلبوا معلومات عن غزة إلى الأخبار التي تنشر في “أبو علي إكسبرس”، لكنه أوضح لهم بأن الخبر “لم يتم نقله من الناطق العسكري”.
كوهين تم تعيينه في المنصب من قبل قائد المنطقة الجنوبية في حينه، ورئيس الأركان الحالي، هرتسي هليفي. في قناة “أبو علي اكسبرس” لم يظهر أي كشف يقول بأنه مستشار بأجر لدى الجيش الإسرائيلي، والجيش أيضاً لم ينشر بدوره عن أي تعاون مع كوهين. تحت غطاء كونها مجهولة، قامت قناة “أبو علي إكسبرس” مرات كثيرة بتشويه سمعة مراسلين بارزين انتقدوا سياسة الجيش الإسرائيلي إزاء حماس، وأيضاً وزير الدفاع في حينه، افيغدور ليبرمان. بعد أن فهموا المشكلة في تشغيله تجاه المواطنين الإسرائيليين، أعلن الجيش عن إنهاء التشغيل.
هاجر شيزاف وينيف كوفوفيتش
هآرتس 22/3/2023