أوكرانيا: «مبادرة السلام» الصينية بين الترحيب الحذر من موسكو وكييف والرفض الأمريكي

آدم جابر
حجم الخط
2

زيارة الزعيم الصيني لموسكو، شكّلت نفساً جديداً لسيّد الكرملين الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرة توقيف بشأن جرائم الحرب في أوكرانيا، وأتت لتعزيز التقارب الحاصل بين بكين وموسكو.

باريس ـ «القدس العربي»: إذا كان الزعيمان فلاديمير بوتين وشي جين بينغ قد التقيا ببعضهما البعض بانتظام على مدى عشر سنوات، إلا أن زيارة الثلاثة أيام التي قام بها الرئيس الصيني هذا الأسبوع إلى موسكو حملت دلالات قوية من حيث السياقُ، وهو ما يُفسر الضجة الدولية الكبيرة التي رافقتها. أتى شي جين بينغ إلى روسيا مقدّما الدعم للكرملين في مواجهة العقوبات الغربية في ضوء الحرب بأوكرانيا، ومقدماً «خطته/ مبادرته للسلام» بما في ذلك لإنهاء هذه الصراع في أوكرانيا، في تأكيد جديد على مساعي بكين الجديدة لفرض نفسها كوسيط لحل الأزمات والخلافات الدولية الكبرى.

زيارة الزعيم الصيني القوي لموسكو، وهي الأولى له إلى روسيا منذ بدء غزوها لأوكرانيا، شكّلت نفساً جديداً لسيّد الكرملين المعزول دبلوماسياً من الغربيين، والذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية للتّو بحقه مذكرة توقيف بشأن جرائم الحرب في أوكرانيا. وأتت لتعزيز التقارب الحاصل بين بكين وموسكو في السنوات الأخيرة، لا سيما لتشكيل جبهة مشتركة ضد الغرب، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها في الاتحاد الأوروبي.
أشاد الزعيمان بوتين-شي خلال هذه الزيارة للرئيس الصيني، بدخول العلاقة بين البلدين «حقبة جديدة» في مواجهة الغرب، بقيادة واشنطن، التي اتهماها بشدة بـ»تقويض» الأمن العالمي للابقاء على «تفوقها العسكري». وعبرا عن مخاوفهما المشتركة من الوجود المتزايد لحلف الناتو في القارة الآسيوية، مؤكدين رفضهما «تشكيل تكتلات مسلحة مغلقة في آسيا والمحيط الهادئ».
كما نددا بـ»التأثير السلبي لاستراتيجية واشنطن التي تقودها ذهنية ترجع إلى حقبة الحرب الباردة». شي وبوتين شددا، في الوقت ذاته، على رفضهما لحدوث أي حرب نووية، معتبرين أن الجميع سيكون خاسراً في حال حدوث مواجهة نووية.
الرئيس الصيني، أوضح، على صعيد آخر، أن بلاده تسعى من خلال «خطة السلام» التي قدمتها في يوم 21 شباط/فبراير الماضي، إلى تسوية سلمية للصراع في أوكرانيا، قائلا: نحن دائما مع السلام والحوار ونسترشد دائما بمبادئ الأمم المتحدة». أطلق على خطة السلام هذه اسم «المبادرة الأمنية الشاملة» وتتضمن فقط إشارة غامضة للنزاع الأوكراني، حيث تدعو الوثيقة بالفعل إلى دعم التسوية السياسية للبؤر الساخنة، مثل الأزمة الأوكرانية، من خلال الحوار والمفاوضات، واحترام سيادة وسلامة أراضي جميع الدول.
ويرى مراقبون أن بكين ترى في الحرب في أوكرانيا فرصة للتموضع من جديد كوسيط عالمي، على غرار ما فعلت مؤخراً بتحقيق دبلوماسيتها في العاشر من شهر آذار/مارس الجاري، لاختراق لافت من خلال نجاحها في إعادة طهران والرياض إلى طاولة المفاوضات، منهية بذلك سبع سنوات من القطيعة بينهما.
منذ بدء الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية في العام الماضي، فضلت الصين لعب ورقة الحياد. لم تستنكر علانية الغزو الروسي وانتقدت الولايات المتحدة لشحناتها من الأسلحة إلى أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي لفشله في مراعاة المخاوف الأمنية الروسية. ورفضت الإدانات الشديدة من الدول الغربية لموسكو وعقوباتها غير المسبوقة ضدها. كما أنها حرصت منذ الأيام الأولى للغزو الروسي، على الامتناع دائمًا عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة: لكن بكين دعت أيضا إلى الحوار واحترام السلامة الإقليمية لجميع الدول بما في ذلك أوكرانيا. كما طالبت بالتخلي عن عقلية «الحرب الباردة» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي التي استمرت لأكثر من أربعين عامًا.
وشدد الرئيس الصيني شي جين بينغ في مقال نُشر في
صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الروسية، عشية زيارته لموسكو، على أنه «لا ينبغي لأي دولة أن تملي النظام الدولي» مؤكدا أن «بلاده تتمسك دائما بموقف موضوعي وغير متحيز يقوم على جوهر القضية وتعزز محادثات السلام بنشاط». بينما أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقال نُشر بإحدى الصحف الصينية عشية استقباله شي جين بينغ، أشاد «باستعداد الصين للعب دور بناء في تسوية» الصراع، ليؤكد بعد لقائهما دعمه لخطة السلام ولكن بحذر، حيث اعتبر أنه يعتقد «أن العديد من النقاط الواردة في هذه المبادرة الصينية يمكنها أن تكون أساساً لتسوية سلمية للصراع الروسي- الأوكراني، في حال كان هناك استعداد من العواصم الغربية و كييف لذلك».
ومع أن الرئيس الروسي قال إنه لايرى في الوقت الحالي أي استعداد من الغرب وأوكرانيا للمضي قدماً في هذا الخصوص، إلا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكد أنه دعا الصين للحوار وأن تكون شريكاً في البحث عن تصورية للصراع في أوكرانيا. كما قال المتحدث باسم الدبلوماسية الأوكرانية أوليج نيكولينكو إن كييف تأمل في أن يستخدم الرئيس الصيني شي جين بينغ «نفوذه» على فلاديمير بوتين «لوقف» الغزو الروسي لأوكرانيا. غير أن سكرتير مجلس الأمن الأوكراني أوليكسي دانيلوف شدد على أن «البند الأول والرئيسي بالنسبة لبلاده هو استسلام أو انسحاب قوات الاحتلال الروسية من الأراضي الأوكرانية» وهو شرطٌ لم تذكره مبادرة الرئيس الصيني شي جين بينغ للسلام. غير أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت أنه «لا يمكن للصين منطقياً اعتبار الصين محايدة في ما يتعلق بأوكرانيا» متهمةً إياها «بنشر الدعاية الروسية» لجهة أن الحرب في أوكرانيا هي نتيجة لعدوان غربي. كما انتقدت واشنطن وحلفاؤها الغربيون «خطة السلام» الصينية، معتبرين أنها ليست حيادية، لأن الصين تدعم بنظرهم ضمنيًا العدوان الروسي على أوكرانيا. كما أن هذه الدول الغربية ترى أن دعوات بكين الكبرى للسلام لا يمكن ترجمتها إلى أفعال ملموسة على الفور. وأشارت واشنطن إلى أنها لن تدعم أي دعوة صينية جديدة لوقف إطلاق النار، معتبرة أن ذلك من شأنه أن يرقى إلى تعزيز السيطرة الروسية على الأراضي التي تم احتلالها في أوكرانيا.
علاوة على عدم تسجيل أي تقدم يذكر بشأن مبادرة السلام الصينية لتسوية الصراع الروسي-الأوكراني، فإن العديد من المحللين الغربيين يشككون في قدرة شي جين بينغ على تسهيل التقارب الروسي-الأوكراني حقًا، بالنظر إلى تباعد مصالح البلدين، وإن كانا يجدان نفسيهما متحدين في مواجهة القيود والحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة وحلفاؤها، والذي عززته الحرب في أوكرانيا. هذا ناهيك عن افتقار الرئيس الصيني النسبي إلى التأثير على سيد الكرملين، وإن كان ميزان القوى غير متوازن على الصعيد الاقتصادي: في عام 2022 كان الاقتصاد الروسي أصغر بنحو10 مرات من الاقتصاد الصيني، وفقًا لتقديرات البنك الدولي للناتج المحلي الإجمالي. ومنذ غزو أوكرانيا تم عزل روسيا من قبل الغرب، ما أجبرها على تشكيل تحالفات جديدة. ومع ذلك، فإن التعاون الصيني الروسي في ازدهار، ووصلت التجارة الثنائية العام الماضي إلى مستوى قياسي بلغ 190 مليار دولار في عام2022 وفقًا للجمارك الصينية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية