بعد مغادرته استوديو الفنان البافاري فرانز فون ستوك، كان فاسيلي كاندينسكي يبحث عن مجموعة من الفنانين التقدميين، يمكن أن يُوجِدَ معهم سياسة فن جديد «غير أكاديمي». في ذلك الوقت، تواصل مع من أعطاه جرعات إضافية للإبداع، فكَتب مقالات نقدية نشرها في المجلات الروسية لكن الحياة الثقافية في ميونيخ بدت له متحفِّظةً للغاية، محدودةً وضيقة الأفق، لذلك في محاولة للتأثير على الوضع السائد للأكاديميين، بالإضافة إلى جمع أشخاص ذوي عقلية إبداعية في «شركة واحدة» أنشأ كاندينسكي في أيار/مايو 1901 مع أصدقائه الحداثيين مدرسة فالانكس «الكتيبة» الاسم المشتق من جمع الكلمة اليونانية Phalanges التي تعني العظام الموجودة في أصابع اليدين، القدمين، الأجنحة، الحوافر والزعانف لكل من البشر والحيوانات، حيث تتصل «الكتائب» ببعضها البعض في مفاصل ويمكن استخدامها للثني أو التمديد. تَرَأّسَ مدرسة فالانكس رولف نيتسكي وفي العام التالي انتُخِبَ كاندينسكي كرئيسٍ ثانٍ لمدرسة الفنون التي افتُتحتْ في ذلك العام وكانت تُدَرِّس المشاركين إيجادَ فنٍّ تُدمَج فيه المدارس الفنية. في المعرض الأول «للكتائب» عُرضَتْ على الجمهور أعمال كاندينسكي وألكسندر سالزمان الذي التقى به كاندينسكي في استوديو فرانز ستوك، أما في المعارض التالية فقد حاول كاندينسكي أن يجمع العمل الذي يمثِّل الاتجاه الآخر في الفن والذي لم يتم تقييمه بشكل كافٍ وفقاً لرؤيته وهي الأعمال الفنية الانطباعية والرمزية وما كان يسمى بالألمانية Jugendstil «الفن الحداثي» وهو ما كان محطّ اهتمام الحداثي الروسي، فقد شعر أنها كانت فرصاً جديدة جذابة لتطوير الأشكال السائدة ليعرض لوحته الزيتية التعبيرية «روتنبورغ قرب النهر – البلدة القديمة» التي أنجزها سنة 1902 بالإضافة إلى لوحة «الفارس الأزرق» التي أصبحت مألوفةً فيما بعد، لكن سرعان ما خاب ظن كاندينسكي بما كان يفعله، فعلى مدى ثلاث سنوات شهدت مدرسة فالانكس معارض مُكثَّفة، خصوصاً بعد تقديم اثني عشر معرضاً فشلت في إثارة اهتمام المجتمع، لأنه عرض أعمال فنانين معروفين وغير معروفين، وعُرضتْ أعمال حركة الحداثيين وأعمال رمزية وانطباعية متأخرة معاً، لذلك وفي المعرض السابع (1903) تم تقديم أعمال كلود مونيه، أما في (1904) فعُرِضَت أعمال تولوز لوتريك، إف فالوتون، بي سينياك، تي ريسلبيرغ. لكن مريدي الفن في مجتمع ميونيخ نظروا إلى تلك الأعمال بِصَمْت، بل كانوا متذمرين وأطلقوا الكثير من الشتائم، الأمر الذي أتعب كاندينسكي من المحاولات غير المثمرة لاقتحام قلوبهم وعقولهم، وكونه رئيس جمعية فالانكس فقد اتخذ، كرئيس، قراراً بإغلاق المدرسة عام 1904.
كرَّس بعدها الفنان الروسي المتمرد نفسه بالكامل للنقش على الخشب، فأعطته هذه التقنية التعبيرية الفرصة لنقل أفكاره الإبداعية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحداثة والرمزية وبالتيارات التي تَملّكتْ روح الفنان وقدمتْ له حرية اختيار الوسائل الفنية في ذلك الوقت.
كانت إحدى أهم الإيجابيات التي أنتجتها فترة «الكتيبة» تلك المتعلقة بالتعارف والتواصل الإبداعي مع فنان مثل ألفريد أوبين، مبتكر الرسوم البيانية الرمزية، وكذلك مع الشعراء ستيفان جورج وكارل ولفسكهل الذَين كانا قريبين من كاندينسكي في سعيه للبحث عن طرق جديدة في الفن، وبفضل «الكتيبة» أيضاً، واصل كاندينسكي البحث عن أسلوب جديد، وفتح لنفسه طرقاً للوصول إلى وسائل تعبيرية جديدة وأتقن لعبته على الخشب، فأوجد جمعية جديدة سمَّاها مع الفنان الألماني فرانز مارك «الفارس الأزرق» التي أصبحت فيما بعد رمزاً لمرحلة أُخرى مهمة في حياة وعمل كاندينسكي. جاءت التسمية – التي اتخذت في كل من ميونيخ ومورناو- ألمانيا مركزاً لها- خلال حديثهما أثناء تناول القهوة، فكلاهما أحب اللون الأزرق في اللوحات، وكان فرانز مارك يحب الخيول بينما كان كاندينسكي مُغرماً بالفرسان. انضم بعد ذلك إلى الجمعية كل من الفنانين أوغست ماكي، غابرييلا مونتر(طالبة وعشيقة كاندينسكي) الأخوان بورليوك، ماريانا فيريفكينا، أليكسي جولينسكي وبول كلي. بالإضافة إلى عدد من الراقصين والملحنين في أنشطة الجمعية. لعبت المجموعة دوراً نشطاً في حركة تجديد الفن الألماني أوائل القرن العشرين فقد اتفقت فكرياً مع «جمعية الجسر» وهي جمعية فنية أخرى تأسست في برلين ودرسدن قبل عدة سنوات لتتحول جمعية الفارس الأزرق إلى مجتمع دولي، يتَّحدُ فيه الروس والألمان والفرنسيون جميعاً في رغبتهم لإنشاء فن جديد مستقل عن القواعد والشرائع القائمة، والانسحاب من «البرنامج الحداثي للفن الحديث المُوَجَّه خارجياً». بينما ينجذب ممثلو الجسر نحو التعبيرية التصويرية، فيميل الكثير من المشاركين في الجمعية إلى التراكيب المجردة، وتقييم المشاكل المتعلقة بالألوان، والمشاكل التصويرية والزخرفية والبحث عن حلول ترابطية.
أقيم النشاط الأول للجمعية بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 1911، في معرض تانهاوزر/ ميونيخ، وعُرضَتْ لوحات أعضاء مختلفين من المجموعة التي تشكل المعرض أعمالاً فنية لافتة قريبة جداً من بعضها البعض. من المرجح أن يكون «حصان السباق» المعروض من قبل الفنان ومصور الغرافيك هاينريش كامبيندونك مستوحى من مقالة فرانز مارك الإبداعية التي حملت عنوان «حصرياً، من قِبَل الخيول الزرقاء الكبيرة» التي رمّزَتْ إلى المشروع الإبداعي القادم، بينما قدم كاندينسكي بدوره تجاربه اللونية من خلال عملين فنيين: «التركيب الخامس V» و»الارتجال 22 « ليتم الحكم عليها من قِبَل عشاق الفن.
في اذار/مارس 1912 أقيم المعرض الثاني في معرض «إتش. غولتز» الذي شاركت فيه مجموعات أخرى من الفنانين والجمعيات والحركات الحداثية بما في ذلك جمعية الجسر المشار إلها آنفاً والتكعيبيون. في أيار/مايو من العام ذاته، نشرت جمعية الفارس الأزرق تقويماً ووزعته خلال «معرض سوندربوند» في مدينة كولن، وقدم فيه المشاركون أفكارهم حول تاريخ الرسم وتطوره، وكانت المقالات مصحوبةً برسوم توضيحية تشير إلى القواسم المشتركة للفن القديم في أجزاء مختلفة من العالم. كما أولى الفنانون اهتماماً كبيراً برسوم الأطفال معتبرين أنها لوحات حقيقية، الأمر الذي حوَّلَ معرض سوندربوند إلى فكرة ثورية. كما التزمت الجمعية أيضاً بمبدأ التوليف الفني بإضافة عدة منصات مخصصة للموسيقى!
في ذلك الوقت اعتُبرَتْ أعمال كاندينسكي متعلقةً بروحانية الفن، فتم إيلاء اهتمام كبير بجماليات الشكل واللون بالإضافة إلى الدور النفسي للأشكال، وهو ما مثَّل جوهر اتجاهات جمعية الفارس الأزرق في الفن، لأنه خلق لوحاتٍ ملونةً تبدو كظواهر فوتوغرافية مُجسَّدةً في الطلاء. نُشِرت جمعية الفارس الأزرق التقويم الثاني (والأخير) عام 1914 وقبل ذلك بعام كان هناك معرض رئيسي للجمعية في الأماكن التي توفرها مجلة «العاصفة» في برلين. عندما بدأت الحرب العالمية الأولى، وبعد خلاف أيديولوجي مع فرانز مارك، غادر كاندينسكي ألمانيا فكان ذلك الحدث نهاية جمعية الفارس الأزرق في سيرته الذاتية، لأنه عندما يتركها قادتها، سيعني ذلك أن المجموعة نفسها لم تعد موجودة بالفعل. وعلى الرغم من أن لوحة الفارس الأزرق تُظهر فارساً يمتطي حصاناً يظهر اندفاعه الديناميكي إلى الأمام في إشارة إلى فن متطور إلا أن كلاً من فرانز مارك وكاندينسكي اختلفا في وجهة النظر السياسية المتعلقة بالحرب العالمية الأولى أيضاً، لأن موقف فرانز مارك كان راديكالياً تبنى نظرية «تنظيف أوروبا من اسطبلاتها القذرة»، فيما خالف كاندينسكي تلك النظرية بسبب دفاعه عن القيم الروحية، فقُتِلَ فرانز مارك في فرنسا بمعركة فيردان في الثالث من آذار/مارس 1914 بينما مات كاندينسكي في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية في فرنسا 1944 أي بعد ثلاثين عاماً من مقتل فرانز مارك. ومع ذلك تجب ملاحظة أن كل فرد منهما كان أحد المبدعين الأوائل في القرن العشرين ويمكن النظر إليهما بالطريقة ذاتها لأن النتاج الإنساني العابر للزمن لا خلاف فيه إذا تم الاتفاق على مقولة «الحياة قصيرة بينما الفن شاسع». الفن يعرف طُرُقاً ولا يعرف حدوداً، فكلاهما فنان مبدع بارع اشتهر بلوحاته المرتبطة بخيول طالما أحباها ومات كل واحد منهما على ظهر خيله الأزرق.