لواء في الاحتياط: إسرائيل على عتبة نقطة اللاعودة وبأمسّ الحاجة للاستشفاء

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

يحذر اللواء الإسرائيلي في جيش الاحتياط، تامير هايمن، الذي يشغل منصب مدير معهد أبحاث الأمن القومي؛ ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية سابقاً، مما تشهده البلاد، ويؤكد أن إسرائيل على عتبة مرحلة اللاعودة، وبأمسّ الحاجة للاستشفاء في كل مكوناتها، محملا الطبقة السياسية مسؤولية ذلك.

ويقول هايمان في تحليل نشره “معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب” إن إسرائيل تدفع أثماناً باهظة، نتيجة ما يجري فيها خلال الأشهر الماضية.

ويتابع بالقول: “تقريباً، لا يوجد أيّ مجال لم يلحق به الضرر نتيجة الاندفاع إلى إجراء تغيير جوهري في نظام الحكم… والليلة الفائتة، تلقينا تذكيراً إضافياً يفيد بأن جميع مركّبات الأمن القومي في دائرة الخطر الشديد، حتى العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة”.

ويعتبر هايمن أن أقوال الرئيس الأمريكي جو بايدن التي بحسبها، إسرائيل لا تستطيع الاستمرار في الطريق الحالية، ومطالبته بوقف مسار التشريع، جاءتا بعد مجموعة من الرسائل والتلميحات ومحاولات التأثير في الغرف المغلقة، بحسب مصادر عديدة أشارت إلى قلق في الإدارة الأمريكية جرّاء زعزعة القيم المشتركة الموجودة في صلب العلاقات المميزة بين البلدين. موضحا أنه يمكن الافتراض أن الرئيس الأمريكي صديق حقيقي لإسرائيل أيضاً، وكان يعلم ما هي تداعيات أقواله، وما كان ليقول هذا الكلام علناً، إلا لأن لديه قلقاً عميقاً جداً بشأن مستقبل العلاقات المميزة بين البلدين.

ويستذكر أنه في التقدير الاستراتيجي الذي قدّمه مركز أبحاث الأمن القومي لرئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ قبل عدة أسابيع، اعتبر أن تهديد مستقبل العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، هو التهديد الأكبر لأمن إسرائيل القومي. لافتا أيضا أنه تم التشديد على أن أغلبية المسارات التي تصنع التهديد هي مسارات داخلية أمريكية، وعلى الرغم من ذلك، فإن على حكومة إسرائيل ألا تزيد الأمور سوءاً.

ويضيف: “بما معناه أن الدفع قدماً بالانقلاب القضائي، وتجاهُل المطالبات والتلميحات، سيسرّعان مسار فقدان الدعم الأمريكي.. الدعم الذي يشكل حجر أساس في أمننا جميعاً. وهنا يجب التوضيح بصراحة، ومن دون تلاعُب بالكلمات: التغيير في نظام الحكم بإسرائيل، وبالإضافة إلى تأثيره في كافة جوانب حياتنا، فإنه سيؤدي إلى تغيير أساسي في علاقتنا بالولايات المتحدة. وذلك بسبب زعزعة القيم المشتركة، وأيضاً بسبب الخطورة على المصلحة الأمريكية في الاستقرار بالشرق الأوسط بشكل يسمح لدوله بالتعامل مع الصين وروسيا”.

خطوة جيدة ولكن

يرى هايمن أن تعليق التشريع الذي أعلنه رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو هو خطوة جيدة، ولكن يجب الاعتراف بأنها جاءت متأخرة جداً، والأضرار تراكمت بمرور كل يوم. ويضيف: “الآن، الوقت هو وقت الجلوس والحوار، حتى يخرج الدخان الأبيض، في مواجهة الأزمة الكبيرة في العلاقات مع الولايات المتحدة، والتهديدات الخارجية لها، لا تملك إسرائيل امتياز الاستمرار في الاقتتال الداخلي. عليها أن ترمّم التكاتف الداخلي الاجتماعي سريعاً. لا يوجد وقت. لا أفهم لماذا لم يكن ممكناً وقف هذا الجنون منذ عدة أسابيع، من دون أن تدفع إسرائيل هذه الأثمان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية الثقيلة جداً”.

ويقول إنه خلال سنوات خدمته الطويلة في الجيش، وبالأساس خلال وجوده في منصبه الأخير كرئيس لشعبة الاستخبارات العسكرية، كان يقدّر كثيراً جداً الذكاء والعقلانية التحليلية والمسؤولية التي كان بنيامين نتنياهو يقود بها اسرائيل وأمنها القومي. وعن تغيّر نتنياهو يقول: “مثل كثيرين غيري، صُدمت وأصابني الخذلان بسبب ما رأيته منه قبل أيام في البث المباشر، وهو يقوم بخطوة تضرّ بجوهر الأمن القومي لإسرائيل، إقالة وزير الدفاع لأنه تجرأ وحذّر، وقام بمهمته ومسؤوليته المهنية النقية جداً. هذه الخطوة تكشف إسرائيل أمام تهديدات جديدة، في وقت سيئ جداً. خطوة لا ذكاء فيها، ولا منطق، ولا عقلانية، ومن المؤكد أنها غير مسؤولة”.

أعداء إسرائيل

 برأيه يمكن لأعداء إسرائيل تفسير هذه الخطوة بأنها إشارة أُخرى إلى الفوضى المذكورة، ويحاولون تحدّيها وهي ضعيفة داخلياً، أصدقاء إسرائيل في العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، يمكن أن يروا في ذلك إشارة إضافية إلى دولة تغيّر وجهها كلياً. ويعتقد هايمن أنه لا يجب إلغاء إمكانية أن تكون هذه الخطوة هي السبب وراء الضرر الذي لحِق بالعلاقات مع الولايات المتحدة، راجيا بأن يتراجع نتنياهو عن قراره، بإقالة وزير الدفاع في ذروة الأزمة القومية الحادة، حيث التهديدات الخارجية تتعاظم بسبب الانقسام الداخلي.

وعن خطورة ما تشهده إسرائيل عليها يضيف: “للأسف، الانقسام الداخلي الذي نعيشه هذه الأيام لا يبقى خارج الجيش. فقبل إقالة وزير الدفاع، كان الجيش قد تأثر عميقاً بالأزمة.. نحن نشهد ظاهرة تتزايد فيها شكوك جنود الاحتياط من وحدات مختلفة ومهمة، في قدرتهم على الاستمرار والتطوع للخدمة، إذا غيرت إسرائيل وجهها الديموقراطي.. كلّي أمل بأن يؤدي تعليق التشريع إلى وقف هذه الظواهر”.

خطورة العصيان

وعن مخاطر حالة العصيان يقول هايمان في تحليله: “بما أن الحديث يدور عن الموضوع، فيجب القول إن رفض الامتثال للأوامر ممنوع. الأمر العسكري هو أساس الجيش وأساس صلاحية الضباط. أما التطوع، فهو نتيجة الدوافع ورغبة المتطوع في خدمة الدولة، بهدف الدفاع عنها وعن قيمها. كثيرون من هؤلاء الجنود في الاحتياط هم متطوعون يعتقدون أن عدم التطوع سيحمي الدولة وقيمها. وفي المقابل، فإن داعمي الإصلاحات القضائية يدّعون أنه إذا لم تحدث، فستتحول الظاهرة إلى صفوفهم. هكذا يبدو جيش الشعب في حالة تفكّك، وهذا ما يجب منعه الآن”.

محذرا من أن هذه الحالة أكبر من أن تحلّها قيادات الجيش. ويتابع محذرا: “نحن نتعامل مع حدث غير مسبوق، والمستوى السياسي فقط، أو السياسيون الذين بدأوا هذا المسار الخطِر، هم الذين يستطيعون وقفه. من أجل علاج “جيش الشعب”، يجب إعادته إلى الروتين، والهدوء، والعلاج، والنقاش بين الجنود والضباط، وبناء القوة. المشكلة ليست فيما سيحدث في حرب الغد.. الجميع سيلتزم بها. المشكلة هي فيما سيحدث في حرب 2030 أو 2035؟”.

الأمن القومي لدى أعدائنا يتعزز

يرى هايمان أيضا ضمن محاولته قرع الخزان ودق ناقوس الخطر، أن الوضع غير المسبوق في المجتمع الإسرائيلي لا يحدث ضمن فراغ خارجي. ويقول إنه “للأسف، أعداؤنا يفركون أيديهم بسعادة بسبب ما يجري لدى الصهاينة- ما لم ينجحوا في القيام به بأنفسهم طوال 75 عاماً من وجود دولة إسرائيل، نقوم به نحن بأنفسنا منذ عدة أشهر”.

ويشير لوجود إشارات واضحة تفيد بأن الضرر الكبير الذي لحِق بالتكاتف الاجتماعي الداخلي الإسرائيلي، يشجّع سردية أن إسرائيل لن تصمد، وستتفكك داخلياً. منبها أن هذه السردية يمكن أن تخلق حالة من الجرأة أكثر. ويعتقد هايمان أن لا أحد من أعداء إسرائيل سيتجرأ على بدء حرب في الوقت القريب، ولكن يكفي وقوع حدث تكتيكي، كما حدث في الماضي، ليدفعنا إلى معركة ستتكتل فيها الجبهات المختلفة التي ينشط فيها الأعداء ضد إسرائيل.

ويؤكد أن الجبهة الإيرانية تصبح أكثر خطورة، حيث أعلن الموساد أنه أحبط عملية ضد إسرائيليين في الأراضي اليونانية، موجّهة من إيران. وبرأيه أن إيران تتجرأ أكثر، وليس فقط في مجال الجهود لضرب إسرائيليين خارج البلد، بل تضرب قواعد أمريكية في سوريا، رداً على الضربات المنسوبة إلى سلاح الجو الإسرائيلي، مرجحا أن ذلك يحدث أيضاً لاستغلال الأزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ولا تزال تتقدم أيضاً بخطتها النووية. كما حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية قبل أيام قليلة، عندما قال إن إيران تستطيع صنع قنبلة نووية خلال أشهر معدودة، وهو خبر كان في الماضي يتصدر نشرات الأخبار، واختفى ولم يعد يثير ضجة كبيرة؛ وهي تعزز علاقاتها مع الصين وروسيا؛ وتنجح في الوصول إلى التطبيع مع دول الخليج، وغيرها من الأمور.

الجبهة الشمالية

على الجبهة الشمالية، يرجح هايمان أن الثقة بالنفس لدى نصر الله في تصاعُد مستمر، وأن الحديث يدور عن حالة بدأت قبل الأزمة الداخلية الإسرائيلية، ولها أسباب كثيرة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن القول إن شهية نصر الله تزداد بعد رؤية حالة الفوضى التي تجري هنا. لافتا إلى أن العملية في مفرق مجيدو، التي كانت يمكن أن تتحول بسهولة إلى حدث استراتيجي، تشير إلى أن الأزمة الداخلية تؤثر في اتخاذ القرارات الأمنية لدى حزب الله، الذي يريد استغلال الوضع لزعزعة الأمن الداخلي في إسرائيل؛ ولدى متّخذي القرار في إسرائيل أيضاً، الذين يترددون بشأن الرد المناسب بسبب هذه الخطوة التي تُعد درجة إضافية. ويمضي في تحذيره: “من جهة، هناك رغبة في تعزيز الردع الإسرائيلي ومنع تكرار الأحداث، ولكن من جهة أُخرى، هناك فهم أن الأمور يمكن أن تؤدي إلى معركة ستتزامن مع حالة المجتمع الإسرائيلي، كونه يمرّ بإحدى أكثر لحظاته صعوبةً في التاريخ”.

الحلبة الفلسطينية

أما على الساحة الفلسطينية، فيرى أن الجمهور الإسرائيلي يشعر بالتصعيد المستمر فيها. إسرائيل تعاني جرّاء “موجة إرهاب” طويلة وتصعيد مستمر، يضاف إليه الآن شهر رمضان، المتوتر أصلاً، فلولا عمليات الإحباط اليومية، لكنّا داخل الانتفاضة الثالثة منذ زمن.

ويخلص هايمن للقول: “نحن تقريباً على عتبة مرحلة اللاعودة. مسؤولية المستوى السياسي الآن هي البدء بعملية الشفاء حالاً، وليس غداً. شفاء المجتمع الإسرائيلي، شفاء الجيش، شفاء الاقتصاد، وشفاء العلاقات الدولية. ببساطة، دولة إسرائيل لا يمكن أن تكون هكذا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية