النظام الحالي في مصر هو امتداد لنظام جمال عبد الناصر. مقولة ترددها جماعتان من منطلقين متضادين: جماعة الإخوان المسلمين الذي يستغلون ممارسات القمع الذي يشنها النظام الحالي ضدهم، ويحاولون ظلما وتزويرا أن يربطوه بما لحق بهم من اضطهاد أيام الرئيس جمال عبد الناصر، متناسين عن عمد كافة إنجازاته العظيمة، والمجموعة الأخرى هم مناصرو النظام الحالي في مصر، الذين يحاولون أن يصوروا الرئيس عبد الفتاح السيسي على أنه طبعة جديدة من جمال عبد الناصر، بما كان يمثله من كرامة وعنفوان وتجسيد للاستقلالية التي حققها القرار المصري ونضاله الدؤوب لتحرير الاقتصاد المصري من التبعية. وكلا المحاولتين، في رأينا، خاطئة وظالمة وبعيدة عن الحقيقة والتقييم السليم. ونؤكد منذ البداية أن ما جرى في مصر ليلة 23 يوليو 1952 كان بالفعل انقلابا عسكريا أبيض، قاده الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، ولكن سرعان ما تحول إلى ثورة شامخة تلقفتها الجماهير وارتبطت بها واستمتعت بثمارها، وبدأت المؤامرات الداخلية والخارجية تحاك ضدها لإفشالها وتدميرها، وهو ما تم بالفعل يوم 15 مايو/أيار 1971. أما ما حدث يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، فكان ثورة سلمية عظيمة حركت مشاعر العالم بأجمعه، وغدت مثالا ملهما لكل دعاة الحرية والكرامة والمساواة والتصدي للطغيان والفساد، ولكن تم إجهاضها تماما يوم 3 يوليو/تموز 2013.
الغريب أن الذين عملوا على إسقاط النظام الناصري آنذاك، وتبنوا واستغلوا ووظفوا حركة الإخوان المسلمين للنيل من شعبية ناصر العارمة، هم أنفسهم الذين عملوا على إسقاط ثورة 25 يناير العظيمة وشيطنة الإخوان المسلمين، وقاموا بتمويل الانقلاب من ألفه إلى يائه. وكما نجحت تلك الدوائر في الإجهاز على الثورة الناصرية بعد تسلم السادات الحكم، عادت القوى نفسها وتآمرت على ثورة 25 يناير 2011 ونجحت في الإجهاز عليها تماما، وإعادة الاعتبار كليا لنظام مبارك ورموزه، وآخرهم حبيب العادلي وزير الداخلية السابق. في المرة الأولى لعب الإخوان المسلمون دور المخرز في أيدي الرجعية العربية، وفي المرة الثانية وقعوا ضحية لها بعد أن استفدوا دورهم.
انقلاب 23 يوليو ـ مصر تقود العالم الثالث
حتى نفهم الانقلاب الذي حدث ليلة 23 يوليو 1952 لا بد أن نضع أمام عيوننا الظروف السائدة آنذاك. لقد كان التحدي الذي يواجه الأنظمة الوطنية هو التحرر من الاستعمار وبناء اقتصاد وطني، وإطلاق طاقات الجماهير وسد رمق الفقراء، وبناء مؤسسات الدولة وعدم الانصياع لإملاءات المؤسسات المالية المرتبطة بالدول الإمبريالية. لم يكن ميزان تقييم أي نظام الخيارات الديمقراطية والتعددية الحزبية وحرية الصحافة وحرية التجمع وتشكيل الأحزاب. في عام 1952 كانت الدول التي تعيش حالة من الديمقراطية المستقرة لا تزيد عن 34 دولة، معظمها في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، لذلك فإن أي محاكمة لنظام عبد الناصر بمقاييس اليوم نوع من الخطل السياسي المتعمد وبالمنطق نفسه لا يجوز تقييم أي نظام حالي بمقاييس ذلك الزمان. مقاييس الحكم الرشيد الآن تعتمد مؤشرات الحرية واحترام حقوق الإنسان والتعددية السياسية وسيادة القانون ونظام للمساءلة والابتعاد عن الفساد واحترام الحريات العامة وحرية الصحافة والتعبير والتجمع والتنمية المستدامة.
ولو أجرينا تقييما موضوعيا لانقلاب الضباط الأحرار بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، نجده من أنجح الانقلابات في التاريخ المعاصر، حيث لم تسقط نقطة دم واحدة، بل تعامل زعماء الانقلاب مع الملك فاروق بطريقة حضارية، حيث تم توديعه في الميناء بمشاركة ثلة من ضباط التشريفات، وأطلقت المدفعية 21 طلقة وعزف النشيد الوطني، وسمح له أن يصطحب ما يريد من اللوحات الفنية والجواهر والخدم والمرافقين، ثم انتقل بعدها قادة الانقلاب لطرح مشروعهم الحضاري النهضوي، القائم على تحديث الدولة وتعزيز استقلالها وتأميم مصادرها المالية، خاصة قناة السويس، والنهوض بمصر صناعيا وتجاريا وزراعيا وسياسيا، وبناء جيش حديث حسب المواصفات العصرية، وفتح الأبواب أمام كافة أبناء الطبقات الشعبية للمشاركة في نهضة البلاد. كما قامت الدولة بمساعدة كافة حركات التحرر في أفريقيا وآسيا، وأنشأت منظمة التحرير الفلسطينية، وعززت التضامن العربي وأعلنت الوحدة مع سوريا، وقضت على الإقطاع والرأسمالية المتوحشة، ووزعت الأراضي على الفلاحين وبنت السد العالي/ وأنشأت حركة عدم الانحياز ودعت لأول قمة عربية للتعامل مع التهديد الإسرائيلي بتغيير مجرى نهر الأردن. لقد أصبحت مصر قائدة لدول العالم النامي بلا منازع. لقد شكل هذا النموذج خطرا على إسرائيل ودول الاستعمار ووكلائهما المحليين، فتصدوا لمشروع عبد الناصر بالمواجهات المسلحة والمؤامرات والتوريط، خاصة في اليمن، وتشجيع التنظيمات الإسلامية المرتبطة بأموال النفط، التي حاولت اغتيال عبد الناصر عام 1954، عندما تأكد لهم أنه صاحب مشروع قومي نهضوي ولا ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. لقد تعرض النظام أولا للعدوان الثلاثي عام 1956 ثم إلى هزيمة 1967 التي حاول وبسرعة أن ينهض منها بعد أن تخلص من مراكز القوى التي طعنته من الخلف، ثم خاض حرب الاستنزاف المشرفة وأعد الجيش لحرب التحرير القادمة، التي لم يعش ليقطف ثمارها بنفسه. قام أنور السادات بالانقلاب التام على التجربة الناصرية يوم 15 مايو 1971 ليعلن بعدها الالتحاق بالمعسكر الأمريكي، الذي أوصل البلاد إلى اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، التي أدت إلى تهميش مصر ودورها وسيادتها وكرامتها، فغابت مصر لنحو 40 سنة عن مشهد الفعل العربي إلى أن قامت ثورة يناير العظيمة.
ثورة 25 يناير وإلى أين انتهت
بعد نجاح ثورة الياسمين في تونس وهروب بن علي، انطلقت أعظم ثورة شعبية في العصر الحديث لتطيح بالرئيس مبارك بعد 30 سنة في الحكم، وبعد أن أعد المسرح تماما لتوريث ابنه. لقد لعب المجلس العسكري صمام الأمان لتجنب مجازر كان حبيب العادلي على استعداد تام لارتكابها. ظلت الثورة محافظة على سلميتها رغم سقوط أكثر من 800 شهيد، إلا أن التطورات اللاحقة بدأت تتجه في المسار الخاطئ وبالتأكيد ليس صدفة. إذ ما معنى أن تخاض الانتحابات الرئاسية الأولى بين مرشح الفلول أحمد شفيق ومرشح الإخوان المسلمين الذين لم يصنعوا الثورة ولكنهم ركبوا موجتها بعد أن تأكدوا من نجاحها، ثم بعد الانتخابات وفوز محمد مرسي كأول رئيس مصري منتخب في التاريخ، لماذا لم يتم احترام تلك النتائج؟ صحيح أن هناك أخطاء ارتكبت، خاصة عملية الاستئثار بالسلطة، ولكن سنة من الحكم رغم العديد من الأخطاء والخطايا لا تكفي للحكم نهائيا على فشل السلطة المنتخبة. لا نشك في أن التذمر الشعبي العارم ضد مرسي وحكم الإخوان جزئيا كان أصيلا، لكن جزءا منه كان مدبرا من فلول النظام السابق الذين لم يرتاحوا لحظة واحدة، وبدأوا التخطيط لإفشال الثورة من اليوم الأول. كما أننا لا نشك أبدا في أن هناك جهات خليجية بدأت تعمل على تخريب كل الثورات بالمؤامرات والتسليح مرة، والأموال مرات، وقد نجحت إلى حد ما في قمع ثورة البحرين وتخريب ثورتي اليمن وليبيا، وإعادة عقارب الثورة المصرية وزج الثورة السورية التي بدأت سلمية في بحر من الدم.
لكن لنفترض أن ما حدث يوم 3 يوليو كان مطلبا جماهيريا لوقف انزلاق البلاد نحو الهاوية، أي أنها عملية إنقاذ حتمية، ما كان أمام جيش مصر الوطني إلا التصرف بهذه الطريقة لإنقاذ الوطن، لماذا كل هذا العنف وقمع الحريات وتسييس القضاء؟ للنظر إلى المشهد المصري الآن.
المعارضة السلمية تمت تصفيتها بشكل دموي سقط فيها نحو 1400 مصري في وضح النهار، ولم يجر أي تحقيق ولم يعتقل أحد ولم يتم فتح محضر في ما جرى في رابعة. يقبع في السجون المصرية الآن نحو 22000 من أصحاب الرأي، من بينهم 500 طفل، وتتم تعرية 247 فتاة حسب تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث اعتمد قرار صوت لصالحه 27 دولة، يحذر مصر من الإفراط في استخدام القوة بحق المتظاهرين. فضائيات المعارضة أغلقت جميعها. كل من يدلي برأي مخالف لنظام العسكر يتهم بالخيانة فيضطر إنسان مثل البرادعي إلى أن يهرب من البلاد، وأحمد ماهر يودع السجن وباسم يوسف يهرب من البلاد. أين وائل غنيم وعمرو حمــــزاوي وأحــــمد قنـــديل وخالد داود وحركة 6 أبريل، وأين المدافعـــون عن حقوق الإنسان؟ الصحافيون المعارضون مصيرهم السجن أو القتل (على الأقل 8) أو الصمت أو الطرد أو الهرب من البلاد.
الجهاز القضائي أصبح مسيسا بطريقة مخجلة، حيث يتم إصدار أحكام إعدام بالجملة على المئات في جلسات مستعجلة لا تزيد الواحدة عن ساعة. العمليات الإرهابية تنتشر ليس في سيناء فقط، بل أحيانا في وسط القاهرة وفي كلية الشرطة وتجمعات الأمن. الاحتقان الداخلي في أوجه، خاصة في الجامعات التي تحولت إلى قلاع للأمن. قوات الأمن تستسهل إطلاق النار كما حدث مع مشجعي نادي الزمالك أو مع شيماء الصباغ. أما الجيش فمشغول بإحكام الحصار على غزة وتجريف الحدود بعمق كيلومتر وإغلاق الأنفاق أو بقصف مدينة درنة الليبية. كما أن تصنيف حركة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا لا يخدم الأمن الوطني لمصر، فلا أخطر من تنظيم علني يضطر إلى الاختباء والنزول تحت الأرض.
لقد دعت المفوضية السامية السابقة لحقوق الإنسان، السلطات المصرية إلى احترام حقوق الإنسان، خاصة الحماية من الاعتقال التعسفي والحق في محاكمة عادلة وحرية التعبير والتجمع. أما البيان المشترك لمنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2014 فقد جاء فيه أن «مصر تمر وسط أزمة حقوق الإنسان هي الأسوأ في تاريخ مصر الحديث». وجاء في التقرير «وقعت انتهاكات لحقوق اللاجئين، وارتكبت أعمال ضد المرأة، مع تفشي الإفلات من العقاب على مختلف الأصعدة، في ضوء ما يرتكب من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. مصر الآن تحتل الرقم 31 على سلم الدول الفاشلة بتراجع ثلاث درجات عن السنة الماضية. نقول هذا بشديد من الأسى لأن ثورة 25 ينايرالعظيمة كان يمكن لها لو نجحت أن تغير تاريخ المنطقة وتعيد مصر إلى دورها القيادي الذي اختفى عن المسرح أكثر من 40 سنة. فالثورة المضادة نجحت في تفكيكها تماما وإعادة الاعتبار لكافة رموز نظام مبارك ومعاقبة كل من ساهم فيها أو أيدها أو انتصر لها.
أما نحن فسنبقى نعتبر أن القضية الفلسطينية هي المؤشر الأساس للحكم على أي نظام وسنبقى نردد كلمات مظفر النواب «بوصــــلة لا تشـــير إلى القدس مشبوهة». فمن أراد أن يعرف الفرق بين نظامي عبد الناصر والنظام الحالي فلينظر إلى اتجاه البوصلة.
٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام