جاءت رئاسة حمزة يوسف للحزب الوطني الاسكتلندي ثم رئاسته حكومة اسكتلندا بعد أزمة عصفت داخل الحزب أدت إلى انقسامات نتجت عن التنافس الشديد على منصب زعيم الحزب.
ثلاث صور يمكن أن تلخص الواقع الجديد في اسكتلندا بعد انتخاب حمزة يوسف البريطاني المسلم الباكستاني الأصل رئيسا لوزرائها.
الصورة الأولى: هي للبرلمان الاسكتلندي وهو ينتخب حمزة يوسف لرئاسة حكومة اسكتلندا بعدما غدا يوسف البالغ من العمر 37 عاما أصغر زعيم للحزب الوطني الاسكتلندي، فوعد بتنشيط حملة الحزب الداعية للاستقلال والانفصال عن بريطانيا. فاسكتلندا كما هو معروف هي إحدى المقاطعات أو الدول الأربع التي تتشكل منها المملكة المتحدة، إلى جانب كل من إنكلترا وويلز وإيرلندا الشمالية.
الصورة الثانية: هي لحمزة يوسف وهو يؤم الصلاة بأفراد من عائلته داخل مقر الحكومة الاسكتلندية بعدما أصبح أول رئيس مسلم لحكومة في غرب أوروبا. ورغم ما أثاره انتخابه من غبطة لدى المسلمين وما يعنيه من محاربة التخويف من الإسلام (إسلاموفوبيا) فلا ينبغي أن يغيب عن بال أحد أن حمزة يوسف ملزم بممارسة مهامه الرسمية وفقا للقوانين البريطانية وقوانين اسكتلندا، ومن تلك القوانين قيامه بأداء اليمين أمام اللورد كولين ساذرلاند – رئيس أعلى محكمة في اسكتلندا، وتعهده العمل بأمانه في خدمة جلالة الملك تشارلز رغم تأييده المعلن لإلغاء الملكية لصالح إقامة نظام جمهوري يفضي إلى انتخاب رئيس لاسكتلندا.
الصورة الثالثة: هي لحمزة يوسف أيضا عند التقاط الصورة الرسمية وهو يرتدي الزي التقليدي الباكستاني إلى جانب عائلته، في أول ظهور أمام مقر رئاسة الحكومة الاسكتلندية ليؤكد بذلك اعتزازه بثقافته وأصوله الباكستانية ليعود بالذاكرة إلى ستين عاما مضت عندما هاجر أهله إلى غلاسكو، بينما ولد هو في بريطانيا وزار باكستان مرة واحدة.
وما بين الصور الثلاث اتصال تهنئة تلقاه حمزة يوسف من رئيس الحكومة البريطانية ريشي سوناك وهو بريطاني – هندوسي يعود أصله إلى الهند، وهي الأرض التي انفصلت عنها باكستان- أرض الآباء والأجداد لرئيس حكومة استكلندا الجديد.
ريشي سوناك بالتهنئة إلى حمزة يوسف في الإتصال الهاتفي فور انتخاب البرلمان الاسكتلندي له قال يوسف إن الاتصال كان بناء، وأنه شدد لسوناك على وجوب أن تحترم لندن «الرغبات الديمقراطية لشعب اسكتلندا وبرلمانها». وأكّد سوناك من جهته على أنه ينبغي على الحكومتين العمل معا في قضايا السياسات اليومية، وفق ما جاء في بيان داونينغ ستريت – مقر الحكومة البريطانية. هذه المواقف تركت سؤالا عن طبيعة العلاقة التي ستكون بين الجانبين، لكن ذلك لا يعني أنها ستحاكي العلاقة المتوترة بين بلديهما الأصليين أي باكستان والهند، رغم بعض التشابه في واقع البلدين لجهة قضية الوحدة ثم الانفصال، ولجهة وجود تاريخ مثقل بالحروب بين اسكتلندا وإنكلترا كما حال الهند والباكستان. ولا يغيب عن ذهن الرجُلين أنهما يعملان على تنفيذ برامج الحزبين اللذين ينتسبان إليهما، وهما يدركان أن سيف سحبِ الثقة والعزل سيبقى مشرعاً أمام كل واحد يعمل خلافا لوعوده وثقة ناخبيه.
هنا يجدر التوقف عند بعض أوجه الشبه والاختلاف بين يوسف وسوناك وحزبيهما، فالإثنان هما من جيل الشباب (42 عاما لسوناك ، و37 عاما ليوسف) وكلاهما شكلا رافعة للحزب الذي ينتميان إليه، فجاءت رئاسة حمزة يوسف للحزب الوطني الاسكتلندي ثم رئاسته حكومة اسكتلندا بعد أزمة عصفت داخل الحزب أدت إلى انقسامات نتجت عن التنافس الشديد على منصب زعيم الحزب، إثر الاستقالة المفاجئة التي تقدمت بها رئيسة الحزب نيكولا ستورغن بعد ثمانية أعوام قضتها في الحكم. وكانت نتيجة التنافس فوزا صعبا ليوسف بغالبية 52 في المئة من الأصوات التفضيلية متفوقا على وزيرة المالية السابقة كيت فوربس، ووزيرة سلامة المجتمع السابقة آش ريغان. وساهم في فوزه دعم تلقاه من سلفه رئيسة وزراء اسكتلندا – والزعيمة السابقة للحزب الوطني نيكولا ستورغون التي أكدت «أن يوسف سيكون قائدًا بارزا» وأنها فخورة بما حققه من نجاح، حيث كان مساعدا لها خلال حكمها، ووزيرا للصحة.
أما بشأن التضاد والاختلاف فإن الحزب الذي يترأسه حمزة يوسف أي الحزب الوطني الاسكتلندي يطالب بالانفصال عن بريطانيا والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أن اسكتلندا صوتت ضد خروج بريطانيا من الاتحاد في استفتاء العام 2016.
وعلى النقيض من ذلك فإن حزب المحافظين الذي يترأسه ريشي سوناك هو الحزب الذي قاد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وكان سوناك نفسه من الداعمين لهذا القرار في الاستفتاء الذي حصل عام 2016 ثم صوت ثلاث مرات لصالح اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي عندما كان يتولى منصب وكيل الوزارة البرلماني للحكم المحلي في حكومة تيريزا ماي عام 2018.
الاستقلال الممنوع حتى حين
لا شك أن قضية الاستقلال ستبقى علامة فارقة في عدم الانسجام بين الحكومة المركزية في لندن وحكومة اسكتلندا بعدما توقف الزخم القانوني إثر رفض المحكمة العليا في بريطانيا طلبا جديدا بالاستفتاء على الاستقلال كانت تقدمت به ستورغن رئيسة حكومة اسكتلندا السابقة، وبذلك أبقت المحكمة العليا على نتيجة الاستفتاء السابق الذي جرى عام 2014 ولم تتجاوز نسبة المؤيدين للاستقلال 45 في المئة فكانت الغلبة فيه لأصوات الرافضين. لكن حمزة يوسف وعد بفك طلسم التعثر ذاك بقوله بعيد فوزه برئاسة الحزب الإثنين الماضي: «سنكون الجيل الذي سيحقق استقلال اسكتلندا، فالشعب الإسكتلندي بحاجة للاستقلال الآن، أكثر من أي وقت مضى». ولعل هذه الثقة تعود إلى قناعة الحزب الوطني الاسكتلندي بأن المزاج العام تغير بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ورفض الاسكتلنديين ذلك الخروج وتصويتهم لصالح البقاء في الاتحاد. لكن القناعة لدى حزب المحافظين في لندن تبدو معاكسة لما يتمناه حمزة يوسف، وهذا ما تبلغه من الوزير المكلف شؤون اسكتلندا في الحكومة البريطانية أليستر جاك الذي هنأ رئيس الوزراء الجديد في اسكتلندا ودعاه إلى أن «يضع جانباً هوسه بالاستقلال والتركيز على عمله مع الحكومة البريطانية لتحسين حياة الاسكتلنديين».
هذا الموقف عززه متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني قال إن ريشي سوناك «يتطلّع للعمل» مع زعيم الحزب الوطني الاسكتلندي الجديد لكنّه يرفض الدعوة التي أطلقها الأخير لإجراء استفتاء جديد على الاستقلال.
وقال الناطق للصحافيين إنّ الاسكتلنديين وكلّ البريطانيين يريدون من السياسيين أن يركّزوا على القضايا التي تهمّهم أكثر من أيّ شي آخر بما فيها خفض التضخّم ومعالجة ارتفاع مستوى المعيشة وأزمة عمل القطاع الصحي والمستشفيات.
وروجت بعض الأوساط الإحصائية ومنها معهد يوغوف بأن الحماس للاستقلال لم يحافظ على ما بلغه في شهر شباط /فبراير الماضي حيث كانت نسبة المؤيدين 50 في المئة من المستطلعة آراؤهم، بينما تراجعت في 13 آذار/مارس إلى 46 في المئة، ويبدو أن ذلك هو ما دفع إيان بلاكفورد الرئيس السابق لكتلة نواب الحزب الوطني الاسكتلندي في البرلمان البريطاني إلى توجيه الدعوة لحمزة يوسف لبذل جهد أكبر قائلا : يجب أن يضمن بانّه يقود ويعيد تنشيط الحملة من أجل الاستقلال وأنّ لدينا مناقشة حول نوع الدولة التي ستكون عليها اسكتلندا.
سارع حمزة يوسف إلى تشكيل حكومته من عشرة وزراء،
وهي حكومة تتمتع بسلطة هامة على العديد من القضايا بينها التعليم والصحّة والعدالة، وقال عنها يوسف إنّ «الحكومة الاسكتلندية يجب أن تشبه إلى أكبر حدّ ممكن الأشخاض الذين انتخبونا». وكان لافتا أن من بين الوزراء ستُ نساء فهو يعتقد بضرورة إعطاء المرأة دورا أكبر عندما رأى أنه «بالإضافة إلى كوني أول رئيس لوزراء (اسكتلندا) متحدر من أقلية اثنية، فأنا سعيد لموافقة عدد قياسي من النساء على تولّي مناصب في حكومتي التي تضمّ مزيجاً من الشباب والأعضاء الأكثر خبرة».
ومن بين الأسماء بالنسوية برزت شونا روبيسون في منصب نائبة لرئيس الحكومة ووزيرة للمالية خلفاً لكيت فوربس التي رفضت الانضمام إلى حكومة يوسف بعدما كانت منافسته على رئاستها ورئاسة الحزب.
وإضافة إلى الانقسام داخل حزبه سيتعيّن على يوسف اقناع الاسكتلنديين البالغ عددهم 5.5 مليون نسمة بأنّ حزبه قادر على أن يحلّ مشاكلهم الحياتية بعدما أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد إيبسوس ونشرت نتائجه الثلاثاء «إن نصف الذين شملهم الاستطلاع يعتبرون أنّ اسكتلندا تسير في الاتّجاه الخاطئ وأنّ أداء الحكومة السابقة كان سيئاً في مجال الصحة والتعليم وتحسين مستوى الحياة. ومن بين الحلول التي يعتقد بها حمزة يوسف لتحسين الأداء الحكومي هي زيادة الضرائب على الفئات الأكثر ثراء في اسكتلندا.
وبعيدا عن كل تلك الاستحقاقات فإن القوانين هنا سمحت بفوز حمزة يوسف برئاسة وزراء اسكتلندا، وفوز ريشي سوناك برئاسة وزراء بريطانيا، وقبلهما صادق خان برئاسة بلدية لندن، فظهر مجددا الدور الفاعل الذي يضطلع بها البريطانيون من أصول مهاجرة في حاضر هذه البلاد ومستقبلها بعدما استعمرت بريطانيا بلادهم لعقود طويلة .