في الشبكات الاجتماعية العربية فرح وسعادة. “إسرائيل تنهار”، هو هاشتاغ جارف، “الدولة اليهودية تنتحر”، “يخربون بيوتهم بأيديهم”، “إسرائيل في الطريق إلى الهلاك”. هذه ليست إلا بعض العناوين الرئيسية التي ظهرت على حسابات “تويتر” مؤخراً. يبدو أن مثل هذه العروض في الشبكة تدعم الادعاء الشعبوي بأن الاحتجاج هو الذي يضر بأمن إسرائيل. ولكن توجد إلى جانب الضجة في الشبكة محاولة جدية لفهم وتحليل وتقييم إلى أين تتجه إسرائيل.
“الخلاف هو حول ما يسمى إسرائيل التاريخية التي أقامها اليسار والوسط والأشكناز (اليهود الغربيين) وما يسمى الجمهورية اليهودية الجديدة التي يديرها اليمين”، هكذا لخص الصحافي الفلسطيني محمود هنية في مقال له في موقع “الرسالة” المحسوب على حماس. هنية يعرف الواقع في إسرائيل ويكتب عنه الكثير. يحلل أسباب الاحتجاج صورة كان يمكن أن تخدم نظرية الهيمنة التي هي غير معروفة بحد ذاتها. “المعارضة في إسرائيل تعتبر تدخل (الحكومة) في الجهاز القضائي نية لإنهاء الدور التاريخي والأخلاقي لليسار الإسرائيلي”، كتب.
تعزيزاً لهذا التحليل نجده في تحليل سعيد عكاشة، الباحث الكبير في المعهد المصري لأبحاث السياسة والاستراتيجية التابع لمركز الأهرام، الذي يعزو الاحتجاج لأسباب سياسية وحزبية، وبدرجة أقل للاختلاف حول القيم. “أحزاب المعارضة من كل الطيف السياسي، وضمنها أحزاب يمينية، تعرف أنه لا يمكنها هزيمة بنيامين نتنياهو في أي حملة انتخابية في المستقبل، كما أثبتت الجولات الانتخابية الأخيرة… وعندما نجحوا في تشكيل الائتلاف، أنهى حياته بعد سنة ونصف فقط. بكلمات أخرى، تمرد الأحزاب المعارضة لنتنياهو على خلفية الإصلاح القضائي ليس سوى ذريعة من أجل التغلب على ضعفها في صناديق الاقتراع، وليس من أجل انتصار الديمقراطية.
وكتب عكاشة أيضاً: “رغم الادعاء بأن حركة الاحتجاج تدافع عن الديمقراطية، فالحقيقة أنها تدافع عن معقل الليبرالية الأخير في إسرائيل، الجهاز القضائي، وعن نموذج حياة الغرب واستمرار الوضع القائم دون أن تعطي أي أهمية لحقيقة أن هذه الليبرالية لا يتم تطبيقها في المناطق المحتلة، وأن اليهود وحدهم هم الذين يتمتعون بالحقوق المدنية الكاملة، التي يوجد فيها أكثر من 55 قانوناً يميز بين اليهود والعرب مواطني إسرائيل والفلسطينيين في “المناطق” [الضفة الغربية]. والدليل على ذلك موجود في تحليل طبقي لـ”إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان والمعسكر الرسمي برئاسة بني غانتس.
أحزاب مثل حزب غانتس وليبرمان لها ميول يمينية. الاختلاف مع نتنياهو ليس حول الأجندة اليمينية التي يقودها، لذا فإن هذه الأحزاب لا تنوي البقاء في المعارضة لفترة طويلة. يتوقع أن تنسحب من الخارطة السياسية، خاصة إذا شاهد جمهورها أنها لا تخدم مصالحه بسبب العداء الشخصي لنتنياهو فقط”. ويصل إلى الاستنتاج بأن الحل “في هذه الأزمة، أو في المستقبل القريب، يكمن في انسحاب نتنياهو من الحياة السياسية. المشكلة الكبيرة أن اليمين سيواصل التمسك بخطة الإصلاح القضائي حتى لو كان ذلك بشكل مختلف، في كل حكومة سيقودها في المستقبل”. من الواضح أنه ليس لديه شك بأن حكومات إسرائيل القادمة ستكون يمينية.
هذه المقاربة غير منفصلة بطبيعة الحال عن تجربة مصر الفاشلة باستبدال نظام الحكم عن طريق الاحتجاج الجماهيري. يجب الانتباه إلى تمييز عكاشة بين الديمقراطية والليبرالية، الذي يجد صدى في نقاشات فكرية قوية تميز الخطاب العام في الدول العربية، لا سيما في مصر. تعتبر “الليبرالية” خضوعاً لقيم الغرب واستيراد ثقافة غير محلية ومساً بالهوية القومية التي تعتمد على تاريخ مشترك وعامل ديني مشترك. من هنا، لا يمكن وجود ليبرالية تطمح إلى فصل الدين عن الدولة في دولة يكون الإيمان جزءاً من هويتها. مقابل الليبرالية، كما يقول مثقفون علمانيون عرب، الديمقراطية أسلوب نظام قد يشمل الدين والدولة دون المس بالهوية القومية. ولكن عكاشة بهذا التحليل يغرس إصبعاً في عين الدول الإسلامية أيضاً، لأن الدولة الإسلامية الليبرالية مثل الدولة اليهودية الليبرالية، تمثل تناقضاً.
سقط في هذا الشرك أيضاً حسن نافعة، الذي نشر مقالاً عما يحدث في إسرائيل، إذ رأى أن إسرائيل ليست دولة مثل كل الدول التي يمكن للخلافات الأيديولوجية فيها أن تحل بطريقة سياسية. إسرائيل دولة مصطنعة، واللاصق الذي يربط بين المواطنين فيها يستند إلى الدين وإلى عدو مشترك، العرب… لكن العنصرية والديمقراطية لا يمكن أن تعيشا معاً في نظام واحد أو دولة واحدة. هنا يمتد جذر الشر الذي تعاني منه إسرائيل، ولا مناص منه. ما حدث في إسرائيل مؤخراً يؤكد أننا نقف أمام دولة تظهر كأنها قوية وصلبة، ولكنها بالفعل كيان ضعيف تهزه التناقضات. نتنياهو ربما ينجح في العثور على حل سياسي، كتب نافعة، لكن مصدر ضائقة إسرائيل سيستمر في الوجود”.
تسفي برئيل
هآرتس 3/4/2023