الكويتي طالب الرفاعي في متتاليات «الدكتور نازل»: تحولات قصصية ونصوص موازية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في متتاليات طالب الرفاعي «الدكتور نازل» يأتي التأطير الكاشف عن النوع على صفحة الغلاف مهما، لأنه يجعل القارئ يؤسس منطلقاته لفعل القراءة والتلقي، فيدرك أنه في مساحة الريب والتداخل بين القصة القصيرة والرواية. فالمتتاليات تؤسس سماتها النوعية من خلال الحركة الرجراجة بين الإغلاق والانفتاح، بين البنية الجزئية المكتفية بذاتها في وجودها الفردي، والمنفتحة في احتياجها للأجزاء في وجودها الكلي، فهي جزئيات أو قصص أو شذرات متفردة قائمة بذاتها، ولكنها مطعونة في احتياجها للجزئيات المجاورة لها في عملية القراءة والتلقي.

الروابط التي تضع القصص أو الشذرات في سياق المتتالية القصصية نابعة من القراءة والتلقي، فسياقات القصص تنحو منحى نقديا للمجتمع، ولتحولات ذلك المجتمع التي تتمّ دون ملاحظة كاشفة أو راصدة إلا من خلال استشعار المبدعين بهذا التحول، فالقصص أو الجزئيات تحيل إلى الزائف الذي تحوّل إلى حقيقي، وتنعي الحقيقي الذي تحوّل إلى زائف، وما ذلك إلا استجابة لروح العصر، وطبيعة التحولات الكبرى التي تصيب المجتمعات الصغرى، فتصبح متعلقة بالاستهلاكي والمتفسخ الزائف، وتفقد تبعا لذلك أخلاقياتها ومثلها العليا، وأعرافها وتقاليدها، وتصبح هذه المجتمعات خلقا مشوّها تفقد فيه وجهها الحقيقي، لأنها موزعة بين عالمين أو بين وجهين، كل واحد منهما لا يمكن أن يكون خالصا من الآخر، فالتغيير يصيب كليهما، ويؤثر في مرتكزاتهما.
وربما يكشف السياق التأويلي في فعل القراءة ذاته تأمل دلالة الاسم (نازل)، وما يدلّ عليه من الابتعاد عن منظومة قيم أو أعراف مؤسسة تليدة، في مقابل صعوده في كل السياقات غير الشرعية، (فنازل) – حتى قبل أن يكشف النص السردي عن ذلك في القصة الأخيرة – ليس شخصية واحدة. فقد أصبح أيقونة وظيفية لكل فساد أو خراب، فهو صورة لسمت الخراب المتعدد في كل قصة، في ابتعاده عن القيم، والاشتغال على الخروج على الأعراف والقيم الخلقية المؤسسة. فكل مكان أو مؤسسة، وكل قصة لها (نازلها) الذي يمثل منظومة الفقد والاكتساب، فقد القيم، واكتساب أخلاقيات جديدة، وتلحّ في قصص المجموعة متساوقة ومتجاوبة مع بعضها البعض.
ويأتي السارد في كل المتتاليات ليمثل النمط المقابل، حيث تتجلى المثل وقيم الصدق، فيصبح الشخص أو البطل الذي يجرح ويعرّي نسق النصاعة الكاذبة، أو يشوّش على اللحن الزائف الممتد مشيرا إلى انقطاعاته وتهافته في ظل سيادة نسقه ارتباطا بلحظة آنية تقوم على الاستهلاك، وعلى الانتهازية بوصفها مدخلا للربح. فنازل في وجه من وجوهه هو الفهلوي أو الانتهازي الذي يجيد إدراك طبيعة اللحظة والحركة التي تتولد من المستجدات الحياتية التي تمرّ بأي مجتمع، ويستفيد منها.

التحولات وحراسة النمط القديم

التحولات التي يؤسس لها نص المتتاليات ناقدا ليست تحولات مرتبطة ببلد أو قطر واحد، وإنما ترتبط بشأن عالمي، فهي تحولات عالمية تصيب الجميع بنارها ونيرها، يتجلى ذلك في جزئية (شيخ زبير)، حيث يحاول أن يكوّن إدارة للكذب العالمي، حيث يقول: (العالم من أقصاه إلى أقصاه يكذب بعضه على بعض، المفكرون والفلاسفة، المسئولون، دكاترة الجامعة، الكتّاب الصحافيون، وممثلو هوليود)، والغريب أنه وضع أصحاب الرسائل المثالية قبل ممثلي هوليود، للإشارة إلى فاعلية هذا التحول، فقد أفقدت أصحاب الرسائل أسس عملهم، وارتباطهم برسالاتهم السامية.
ونتاج هذه الثقافة الاستهلاكية المرتبطة بمنطق تقليد المنتصر، في سلوكه ولغته، ومعطيات ثقافته، لن يفضي إلا إلى مخلوق هجين، لا يستقيم مع نسقه القديم البسيط، ولن يشابه بالضرورة الأنماط الأصلية لهذه الثقافة، ويمكن أن نلمح صدى ذلك في شخصية (نزّول) من خلال قصة (إيميل)، فهو منبت عن جذوره لا يعرف العربية، وقد يشير- بسبب التشابه الصيغي أو الانطلاق من اسم الدكتور نازل – إلى كونه نتيجة لوجود وهيمنة أسس الخراب الخاصة بالنسق الجديد والنصاعة الزائفة، فليس هناك حفاظ على القديم، وليس هناك دخول منطقي فاعل ومؤسس لعصر الحداثة، فالمتتاليات في جانب كبير منها تمثل عواء ضد الحداثة الزائفة التي تمارس دورها في مجتمعاتنا العربية.
في المتتاليات يتحول (نازل) و(نزّول) -وآخرون بالضرورة- بسبب تشابه الجذر الصيغي إلى أنماط وظيفية كاشفة عن التحول الذي لا نستطيع له دفعا، لأنه تحول ليس جزئيا، وإنما تحوّل عالمي نحو الثقافة الاستهلاكية المهيمنة والمسيطرة، حيث تشكل أنماطا لخيارات الحركة والتوجه داخل المجتمعات المقهورة بالتبعية، يكشف عن ذلك إتقان (نزّول)، وأخته (دلول) للإنكليزية في مقابل عدم معرفتهما للغتهما الأساسية اللغة العربية.
فالمغايرة بين الأم والزوجة في المتتاليات مغايرة بين خوف حقيقي على ذوبان السمت القديم رفضا لمدارات التحوّل، وبين مسايرة التحول والتشبث به، فالأم في المتتالية الأولى والثانية تطل بوصفها حارسة القيم والأعراف، فهي تنفر من سلوك الدكتور نازل، وتكره ارتباطه بابنها. ولكن الزوجة انطلاقا من حاجة آنية، وانشدادا إلى نمط حياتي رأسمالي، لا تقيم وزنا لهذه القيم، لأنها ربما بسبب عمرها لم تتشكل في إطار تلك القيم، وذلك النسق الكاشف عن البساطة.
الأم – خاصة في المتتاليات الأولى – تطل بوصفها حارسة النسق القديم، ارتباطا بماضيها، وحنينا للبساطة وللأشياء المعهودة المحددة، وهي بذلك تصبح جزءا من توجه عام يتماس مع قيمة حاضرة أو مع مكوّن من مكونات الهوية التي يجب الحفاظ عليها. فالأم التي تظلّ في مساحة الشك والريبة من نسق الدكتور نازل بنصاعته الكاذبة، لا يمكن أن تطل على ماديتها المعهودة، فوجودها على هذا النحو يجعلها تتأبي على محدوديتها، لتشير إلى صوت القيم والثبات والعرف، وهي قيم ملتحمة بمتخيل عام، يحكم على السلوك بالانسجام أو الانضواء داخل نمط جاهز للأعراف، أو بالخروج عن النمط المؤسس التليد، وانفلاته منه، فالأم هنا تشكل حائط القيم أو المثل الجاهزة المرتبطة بكل مجتمع أو عشيرة.
الحضور الدوري للشخصيات الثقافية الفاعلة سواء في المتن، أو في الشذرات خارج النصية السردية في بداية المتتالية أو نهايتها، يشير إلى أن هذه المتتاليات لا تنفصل عن الخارج، بل هي ملتحمة به، ولها وظائف محددة. في بعض القصص أو المتتاليات تصبح فقرتا البداية والنهاية بمثابة ميتا سرد للقص، فالقصة أو المتتالية تأتي في مكانها بين الفقرتين، وكأنها وجود قائم بذاته، وتأتي الفقرتان الأولى والأخيرة لتمثلا نسقا تداوليا للحكاية أو للمتتالية، في مقاربتها داخل المنحى الاجتماعي الذي ينتجها، ويؤسس لها داخل سياقها الثقافي، كاشفا في ذلك عن خواء الروح، وارتباطها بفعل الخروج على العرف، لأنه يحمل فكرة الخروج في حد ذاتها.

النصوص الموازية والبنية النقدية

الأفكار النقدية التي تطرحها المتتاليات السردية تجاه النسق الآني قد تكون عادية وموجودة في كل المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة، ولكن قيمة الكتابة الفنية لا تكمن في الفكرة، بقدر ارتباطها بأطر وأشكال تقديم الفكرة. ففي متتالية (متجدد)، يأتي العنوان فيها – كشفا عن المفارقة – مباينا لكل ما تقدمه المتتالية من ثبات، ولكن الثبات الذي تتمحور حوله المتتالية لا يرتبط بانحناء الأب والد حنان- وقد يشير ذلك إلى ارتباط بمتتالية أخرى ترتبط بنسبة البطالة- تجاه الدكتور نازل وملازمته إياه، ولكن تأمل الثبات يأتي من الكلمات التي أخذت من خلال سمكها الخاص دلالة أقرب إلى دلالة العناوين. وهناك صوت المرأة المغدورة والغادرة في آن، ويمتدّ وجودها في أكثر من جزئية أو كولاج سردي، للكشف عن التاريخ السابق لعلاقتها بالدكتور نازل، وللكشف عن تأسيسها لمسرح الإيقاع به، وتسجيل فيديو له، وآليات تعديل الفيديو مع صديقة أمريكية، وتركيب عازل للوجه الحقيقي على وجهها. وهناك صوت نازل الذي يدافع عن نفسه مستندا إلى النصاعة الزائفة، وإلى آيات القرآن الكريم، لكي يشحن دفاعه ببعد له قداسة، بالإضافة إلى الاتكاء على فكرة المؤامرة التي تحاك ضده، من الممثل الأمريكي آل باتشينو والمخرج فرانسيس كوبولا، ويزيد في ذلك الإطار بمطالبته بمحاكمة كل من أساء إليه. هذا الكولاج السردي في فجواته الزمانية والمكانية وثيق الصلة بحركة الذهن في مقاربته للأمور، أو للجزئيات الخاصة بقراءة المواقف للحفاظ على نصاعة جمعية، ويظل الذهن موزّعا بين يقينه بالفساد، وانحنائه إلى نسق عام يحاول افتراض وجود مسوح جاهزة تسهم في تغيير صدق الكشف والتعري ولهيبه الحارق.
ولكن الظاهرة الأكثر أهمية في متتاليات الدكتور نازل بوصفها الظاهرة البنائية ذات الحضور الكثيف تتمثل في وجود نصوص مصاحبة في نهاية المتتالية أو في بدايتها، وقد تتنوّع هذه النصوص الموازية أو المصاحبة، فتارة تتمثل في خبر أو حوار، أو في جزء من مقال في جريدة، وتارة تكشف عن مساحات من التداخل أو التطابق بين السارد الفعلي والمؤلف في ظل حضور أو إشارة إلى شخصيات ثقافية معروفة، وتختلف دلالة النص الموازي حسب موقعيته في بداية المتتالية أو في نهايتها، وقد تتحقق في البداية والنهاية في بعض المتتاليات مثل قصة (لوسي)، وقصة (بالحلال). فوجود النص الموازي في بداية القصة له علاقة بالتجهيز، وتحديد إطار التلقي ومساحة الاشتغال الدلالي، ويوجه عيني القارئ نحو المشكلة التي تتوجه إليها المتتالية.
في بعض القصص أو المتتاليات مثل (طلعة حلوة) يتأسس هذا التوجه، فمن خلال النص الموازي في نهاية القصة هناك محاولة لتحريك دلالة القصة من دلالة محددة مرتبطة بشخص ينتمي إلى مجتمع ما، إلى جعل الدلالة منفتحة لتشمل الجميع، فالتغييب المتعمد لاسم كاتب القصة في جزئيتي الاستهلال والخاتمة التي تمثل نصا موازيا، يحمل دلالة في تحريك مساحة الاهتمام من مؤلف محدد إلى مؤلف عام غير محدد، للإشارة إلى أن الحال المعيشة التي تقاربها القصة- وهي حال خاصة بالانفصال الفعلي عن الحياة بارتباطنا المرضي بوسائل الاتصال الاجتماعي واستلابها لحضورنا- أصبحت دائرة عامة، لا ترتبط بحالة شخصية واحدة، أو بمؤلف واحد، فالتداول هنا سواء في البداية او النهاية يحيل الجزئي إلى كلي، ويحيل الأفق الخاص إلى أفق عام.
النصوص الموازية سواء جاءت في بداية المتتالية أو في نهايتها، لها وظيفة ترتبط بالمتن السردي، قد تقف هذه الوظيفة عند حدود إسدال التناقض أو التشابه، أو تتعاظم على هذه التماثلات والتناقضات والتشابهات، فتعمل على زحزحة السردي وتحويله إلى ميتا سردي تداولي، ليستمرّ مشيرا إلى حدود المشكلة داخل إطار رؤية عامة تتجاوز الفردي والذاتي، للانتباه إلى حدود مساحة التغيير التي تصيب الروح الجمعية بالتغيير.

طالب الرفاعي:
«الدكتور نازل ـ متتاليات قصصية»
دار السلاسل، الكويت 2023
206 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية