مرَّ عيد المرأة مثل أية مرة، جعجعيا بلا أي جديد؛ فالكل يمجد عطاء المرأة ويعلن وقوفه إلى جانبها ويناصر قضيتها ويدافع عن مكانتها ويقر بأهميتها من دون أن نلمس على أرض الواقع الفعلي أي تغيير يذكر على صعيد (نسويتها) والاهتمام بحل مشكلاتها والرغبة الجادة في إعطائها حقها وأن يكون لفكرها موقع يغاير السائد العام. وها هي على صورتها القديمة المنتقَصة الشأن كأي أمر ثانوي يسير بالوتيرة نفسها بلا مغايرة أو مقاومة أو تصعيد، لينطبق على هذا العيد والأعياد التي قبله قول المتنبي (عيد بأي حال عدت يا عيد).
وما جرى من اهتمام في الاحتفاء بهذا العيد من فعاليات وأنشطة وكلمات وشهادات هي وشوشة في إذن الزمان لا يتحصل منها إحراز أي تقدم يحسب في صالح المرأة. وأيا كانت مظاهر هذه الوشوشة فإنها كلها تأتي في صالح النظام الذكوري الذي باحتفاءاته هذه إنما يذر الرماد في العيون، مظهرا نفسه بمظهر المبارك المساند والمشيد المدافع، وكل ذلك مجرد مظاهر براقة مجوفة وآنية ليس لها أن تمتد خارج لحظتها أو أن تترك أي أثر، قد يتمخض عنه أمر جاد وحقيقي فيما بعد.
وكثيرا ما يتصور بعضهم أن الذكورية تعني الرجال وحدهم على تباين صورهم ومقاماتهم، بل الذكورية نزعة جندرية تتسلط من خلال تغليب النوع الاجتماعي وإعلاء فئويته مقوية صور تفوقه ومدللة على هيمنته. وهو أمر نجده في الرجال كما قد نجده في النساء على حد سواء. والمرأة المجسدة للذكورية هي التي تعزز تلك النزعة الفئوية في التسلط فلا ترى طريقا إلى تحقيق الأغراض ولا حصاد المكاسب سوى بمطاوعة الذكورية في ما تريده فيها، وأولها أن تكون ذات غنج وميوعة شكلا وسلوكا، وآخرها أن تكون تابعة، تضع إمكانياتها في خدمة الذكورية، ومن ثم تكون إنجازاتها خارجة من تحت عباءة هذه الذكورية بوصفها صاحبة الفضل.
ولعل النماذج على اتسام المرأة بهذه الصفة كثيرة، وأغلبها معروفة ولا يخفى قمرها، وهي تبزغ في سماء الذكورية التي بمقدورها وحدها أن تجعل هذا القمر ينير بدرا أو محاقا كما بمقدورها أيضا أن تجعله يعود كالعرجون القديم. وما من قمر نسوي يبرغ اليوم في أي مجال من المجالات الثقافية والإعلامية والاجتماعية والسياسية إلا تضعه تلك الذكورية تحت رعايتها ومباركتها. وبسبب هذه الرعاية (الأبوية) يصبح أي نضال على صعيد النسوية مجرد حديث نخبة ولا أقول حديث خرافة، فأين هي الأبحاث والمشاريع النسوية بالنسبة إلى ما يجري على أرض الواقع المعيش؟ هل استطاعت محصلات تلك الأبحاث أن تحرك الراكد والبدائي في ما يتعلق بمكانة المرأة؟ وأين هي المرأة من كينونة المرأة نفسها ومن النسوية؟ متى تدرك هذه المرأة أنها هي والنسوية سواء وأن دعمها للذكورية يحبط أي محاولة نسوية لاستقلال وتأكيد الهوية المستقلة حيث لا تبعية ولا إخضاع؟
إن الاجابة عن هذه الأسئلة نجدها متجسدة في طبيعة الاحتفاءات التي جرت تحت باب (عيد المرأة)، فذاك يرى المرأة تحتاج مساواة مع الرجل وليس موازاة مع النسوية، وتلك ترى المرأة محتاجة تمكينا وغير محتاجة نسوية، وثالث يرى النسوية منقصة وما من قائمة تقوم للمرأة إلا بالاتباع وليس بالنسوية.. وهلم جرا من الصور التي يتشعب فيها هذا الفهم العشوائي وغير العشوائي للمرأة والنسوية معا، لتبقى الصورة أزلية وهي أن المرأة عورة وهي دوما بحاجة إلى (تمكين). وأن لا مجال أمامها لإثبات وجودها سوى بما يعكسه مظهرها.
وكلما زادت براقة هذا المظهر حسنا، غدت حظوظ هذه المرأة مضاعفة وأكيدة في قبول الآخر بها، مما يمهد لها تحقيق النجاح والتقدم. وبسبب هذا التصور النسوي القاصر والمعبر عن ضعف الوعي بحقيقة النسوية، تبالغ النساء في التجميل والتزين ويتفنن في إظهار الغنج والتدلل كي يكسبن من أولياء النعمة مآرب بها يكون متاحا لهن أن يظهرن في عالم الذكور بقوة.
وهذه هي صبيانية النسوية التي يؤمن بها الذي يرى أو التي ترى أن المرأة جسد جميل وصوت رقيق وكيان أنيق وباجتماع هذه الصفات لا سواها، يتوفر لها ما لا يتوفر لغيرها من بنات جنسها.
ويتساوى في هذه الصبيانية الصغيرة من النساء والكبيرة، بعوامهن وخواصهن، مثقفات وغير مثقفات، مما تدلل عليه شعاراتهن وعناوين مجالس احتفائهن ببعضهم؛ فمنهن من أظهرت نفسها حريما مكتسية بالحرير والثمين من المجوهرات ومنهن من تركت للذكورية أن تختار طريقة الاحتفاء وبالطبع ستختار ـ أي الذكورية ـ ما يؤكد مشتهياتها. ومن ثم يبقى الماء راكدا بلا أدنى أمل في تحريكه.
ومن صور صبيانية النسوية التي اتخذت من الاحتفاء بعيد المرأة (مناسبة ثقافية) بها تؤكد دور الذكورية في إعلاء شأن هذا المخلوق الضعيف الذي يحتاج (التمكين) صورة مشروع يُظهر المرأة العراقية ــ على عكس حقيقتها ـ مبتدئة على طريق الإبداع، تتعلم أبجدياته الأدبية، مدينة بالفضل إلى المنظمة الأوروبية الراعية. وفات هذه المنظمة أن المرأة العراقية منذ عشرينيات القرن الماضي وهي مثقفة، تمارس شتى ألوان الكتابة الإبداعية. وإذا أردنا تعداد انجازاتها في هذا الجانب فسيطول بنا المقام بسبب تراكم تلك الانجازات محليا وعربيا، رسميا وشعبيا. والغريب أن من بين من انخرط في المشروع كاتبات لهن منجز وتجربة تضاهي ما للمرأة الأوروبية من تجارب في كتابة القصة والقصيدة.
ومن صور الصبيانية النسوية مختبر محلي خصص لرفع الوعي عند القاصات عبر ما يقدمه لهن الرجال القصاصون من خلاصات تجاربهم مع أن المشاركات كاتبات ذوات تجارب، ولو سُمح لهن بالتعبير عنها لأغنى بعضهن بعضا ولكنهن تظاهرن بهذه التواضع فتركن للرجال أن يدربوهن على القص.
وللأسف في مثل هذه المناسبات تتبارى بعض النساء المتعلمات لاظهار مهارتهن في الطبخ وكأنه أمر لصيق بالمرأة فقط بينما هو هو علم وفن يبرع فيهما الرجال والنساء على حد سواء بدليل أن أشهر الطباخين هم أشياف. وما التركيز على الطبخ بوصفه وظيفة نسوية سوى محاولة سلبية لتأكيد ما رسخ في الوعي الجمعي وهو أن المرأة ليس لها سوى أعمال المنزل، ويقع الطبخ في مقدمة تلك الأعمال، وأنها به وحده تؤكد خبراتها وتدلل على هويتها، أما سائر انجازاتها وما قامت به من ابتكارات فليس بالمهم الذي يستحق التباري فيه.
ولا بد هنا من الإشارة إلى بعض الصور الجميلة التي تناسب الاحتفاء بالمرأة عيداً، ومنها إعلان منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية هذا العام عام الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة احتفاء بالذكرى المئة لولادتها، تقديراً لما قدمته إلى الأدب العربي من شعر ونقد وفكر، به اقتحمت صفوف الإبداع بكل شجاعة وبراعة فكانت واحدة من أهم نساء القرن العشرين.
*كاتبة من العراق